في ظلال تقتات من وهج الرصيف، لمحته جالسًا كأثرٍ مَنسيٍّ نبت في شرخ صخريّ. ناداني بصوت نحيل يشبه انكسار الضوء في عين طائر جريح، لكن خلف رهافة ملامحه، ترقد صخور 'منطقة قحافة' وأغلال السخرة العتيقة. حين أجلستُه بجواري، لم أفتح حوارًا، بل فتحت ثقبًا في جدار الواقع؛ لأبصر منه جحيمًا لم تتسع له كتب المؤرخين.
اسمي مالك. اثنا عشر ربيعًا سقط من مفكرة المدارس. هكذا نطق بكلماتٍ واهنة، تساقطت من شفتيه كقطراتِ عرقٍ مالحة تتبخرُ فوق أسفلت "الكورنيش" اللاهب. لم يبحث "مالك" عن إحسان، بل أخذ يؤدي فصلاً يوميًا يلعبه قسريًا في ملهاةٍ سوداء صاغتها "الريسة"؛ تلك المرأة التي قَدّت قلبها من حجر الرصيف. حدّثني عن "عالمه" الذي يبدأ بزوغًا من كبد الظهيرة حتى انكسار منتصف الليل، حيث لا يُقاسُ الزمنُ بالعمر، بل بالرنين المعدني. ستمئة جنيه هي "قربانُ" النجاة اليومي؛ يدفع ثلثي روحه وجبايته لتلك السيدة التي نصّبت نفسها إلهًا للأرصفة، تمنحُ صكوك "الاستجداء" لمن يواليها، وتخطُّ بالكرباج خطوط الوجع على ظهر مَن يخفق.
حين سألتُه عن الحماية، انفتحت تحت أقدامنا هوّة من الدراما السوداء؛ فأدركتُ أن الصراع ليس مع «الريسة» وحدها، بل مع الحِصن الذي استحال مقصلة: الأب.
هناك، خلف أبواب البيوت الموصدة على القهر، تكتمل دائرة الجحيم. قال لي بصوت يرتجف كقصبة في مهبّ ريح: إن عدتُ إلى البيت خالي الوفاض، سوف يضربني أبي لأرجع إلى الرصيف.. وإن تخلفت، تهرول هي بكرباجها لتسويّ حسابها فوق جسدي، وتحت سمعه وبصره!
في تلك اللحظة، سقطت عن «مالك» طفولتهُ الأخيرة؛ لم يعد طفلاً، بل صار ترسا في مطحنة بشرية، حيث يتبادل الأب والجلادة الأدوار، وجسد الصغير هو الساحة المشاعة. أيُّ عالمٍ هذا الذي تغدو فيه الأبوة سمسارا للوجع، تبيع صغارها لسياط الجلاد مقابل مئتي جنيه تضمن بقاءها على قيد الخزي؟
ثم بلغت المأساة ذروتها حين كشف عن «الموعد المقدس». فعندما تغرب الشمس، وفي مفارقة تذبح الروح، يجتمع «الخمسون عصفورًا» في «حديقة الطفل». غصّ حلقي بمرارةٍ لم أعهدها، فمنذ ساعةٍ واحدةٍ فقط، كنتُ في ذات الحديقة، أقبضُ بيدي المترفة على كفّ صغيري «ياسين». كنتُ أدفعه برفق فوق تلك الأرجوحة التي يراها مالك «مشنقة»، وظل يقهقه بملء فمه كلما ارتفع نحو السماء، صارخًا: أعلى يا أبي.. أعلى!
يا الله! في اللحظة التي تبادلت فيها مع ولدي جرعات السعادة، وأمسح عن جبينه قطرة عرق سقطت من فرط اللعب، وقف «مالك» في الزاوية المعتمة من الحديقة ذاتها، يرتجف تحت سياط التفتيش المهين. ابني يرى فيَّ «الحصن» الذي يحميه من نسمة الهواء، ومالك يرى في أبيه «السمسار» الذي يبيعه بمليمين.
تحولت الأرجوحة في ذهني إلى نصلٍ يذبحني؛ كيف استقامت هذه الأرض؟ وكيف لم تنشقّ الأرض لتبتلعنا معًا؟ صرخة «ياسين» الفرحة التي ما زالت أصداؤها في أذني، اصطدمت الآن بصرخة صامتة في عيني مالك، فاستحالت ضحكة ابني إلى سوطٍ يجلد ضميري. بينما رحت أشتري لولدي «غزل البنات» ليرتسم الفرح على وجهه، قبض والد مالك «ثمن ليلته» المغموس بدم الصغير.
قلتُ له والذعر يأكلني: دعني أكلم أباك.. دعني أذهب بك إلى المدرسة.
انتفض كأن صاعقة مسّت كيانه، وصرخ بذهول: سيقتلني.. سيذبحني يا باشا!
ثم سدّد إليَّ الضربة القاضية التي وأدت كل أمل في عدالة تقليدية، حين حكى عن رفيقه الذي استغاث بالشرطة؛ لم تلبث «الريسة» أن غابت خلف القضبان أربعة أيام، ثم عادت لتكتب بدم الغلام فصلاً جديدًا من الرعب. لقد جلدتهُ حتى سالت روحُه قبل دمِه.
غادرني مالك مثقلاً بجوعه الكافر وخوفه الذي يسكن العظم، مخلفًا وراءه عنوانًا ضائعًا في زحام المأساة وقلبًا يرتجفُ كفراشة سُحقت أجنحتها. لم يتركني وحيدًا على ذلك الرصيف، بل ترك في أعماقي صدوعًا لا تلتئم، وفجوةً في الروح لا يردمها اعتذار.
أخذتُ أتأمل اسمه الذي تردد في أذني كصدى جرس جنائزي.. «مالك». يا لسخريةِ الأسماء! طفلٌ لم يورثه نصيبه من الدنيا من «المُلْكِ» إلا سيادة الوجع الذي يمتدُّ الآن بلا نهاية بامتداد هذا الكورنيش الحزين.
يا مالك، لم أصدقك فحسب؛ بل إنَّ حكايتك قد أغرقت روحي بدموعِ العجزِ القسري، وجعلتني أدركُ يقيناً أنَّ خلف كلّ ابتسامة باهتة يوزعها طفل في عرض الطريق، سوطًا يتربص به في العتمة، ومقصلةً تنصبُ أركانها هناك، خلف أسوار «حديقة الطفل
اسمي مالك. اثنا عشر ربيعًا سقط من مفكرة المدارس. هكذا نطق بكلماتٍ واهنة، تساقطت من شفتيه كقطراتِ عرقٍ مالحة تتبخرُ فوق أسفلت "الكورنيش" اللاهب. لم يبحث "مالك" عن إحسان، بل أخذ يؤدي فصلاً يوميًا يلعبه قسريًا في ملهاةٍ سوداء صاغتها "الريسة"؛ تلك المرأة التي قَدّت قلبها من حجر الرصيف. حدّثني عن "عالمه" الذي يبدأ بزوغًا من كبد الظهيرة حتى انكسار منتصف الليل، حيث لا يُقاسُ الزمنُ بالعمر، بل بالرنين المعدني. ستمئة جنيه هي "قربانُ" النجاة اليومي؛ يدفع ثلثي روحه وجبايته لتلك السيدة التي نصّبت نفسها إلهًا للأرصفة، تمنحُ صكوك "الاستجداء" لمن يواليها، وتخطُّ بالكرباج خطوط الوجع على ظهر مَن يخفق.
حين سألتُه عن الحماية، انفتحت تحت أقدامنا هوّة من الدراما السوداء؛ فأدركتُ أن الصراع ليس مع «الريسة» وحدها، بل مع الحِصن الذي استحال مقصلة: الأب.
هناك، خلف أبواب البيوت الموصدة على القهر، تكتمل دائرة الجحيم. قال لي بصوت يرتجف كقصبة في مهبّ ريح: إن عدتُ إلى البيت خالي الوفاض، سوف يضربني أبي لأرجع إلى الرصيف.. وإن تخلفت، تهرول هي بكرباجها لتسويّ حسابها فوق جسدي، وتحت سمعه وبصره!
في تلك اللحظة، سقطت عن «مالك» طفولتهُ الأخيرة؛ لم يعد طفلاً، بل صار ترسا في مطحنة بشرية، حيث يتبادل الأب والجلادة الأدوار، وجسد الصغير هو الساحة المشاعة. أيُّ عالمٍ هذا الذي تغدو فيه الأبوة سمسارا للوجع، تبيع صغارها لسياط الجلاد مقابل مئتي جنيه تضمن بقاءها على قيد الخزي؟
ثم بلغت المأساة ذروتها حين كشف عن «الموعد المقدس». فعندما تغرب الشمس، وفي مفارقة تذبح الروح، يجتمع «الخمسون عصفورًا» في «حديقة الطفل». غصّ حلقي بمرارةٍ لم أعهدها، فمنذ ساعةٍ واحدةٍ فقط، كنتُ في ذات الحديقة، أقبضُ بيدي المترفة على كفّ صغيري «ياسين». كنتُ أدفعه برفق فوق تلك الأرجوحة التي يراها مالك «مشنقة»، وظل يقهقه بملء فمه كلما ارتفع نحو السماء، صارخًا: أعلى يا أبي.. أعلى!
يا الله! في اللحظة التي تبادلت فيها مع ولدي جرعات السعادة، وأمسح عن جبينه قطرة عرق سقطت من فرط اللعب، وقف «مالك» في الزاوية المعتمة من الحديقة ذاتها، يرتجف تحت سياط التفتيش المهين. ابني يرى فيَّ «الحصن» الذي يحميه من نسمة الهواء، ومالك يرى في أبيه «السمسار» الذي يبيعه بمليمين.
تحولت الأرجوحة في ذهني إلى نصلٍ يذبحني؛ كيف استقامت هذه الأرض؟ وكيف لم تنشقّ الأرض لتبتلعنا معًا؟ صرخة «ياسين» الفرحة التي ما زالت أصداؤها في أذني، اصطدمت الآن بصرخة صامتة في عيني مالك، فاستحالت ضحكة ابني إلى سوطٍ يجلد ضميري. بينما رحت أشتري لولدي «غزل البنات» ليرتسم الفرح على وجهه، قبض والد مالك «ثمن ليلته» المغموس بدم الصغير.
قلتُ له والذعر يأكلني: دعني أكلم أباك.. دعني أذهب بك إلى المدرسة.
انتفض كأن صاعقة مسّت كيانه، وصرخ بذهول: سيقتلني.. سيذبحني يا باشا!
ثم سدّد إليَّ الضربة القاضية التي وأدت كل أمل في عدالة تقليدية، حين حكى عن رفيقه الذي استغاث بالشرطة؛ لم تلبث «الريسة» أن غابت خلف القضبان أربعة أيام، ثم عادت لتكتب بدم الغلام فصلاً جديدًا من الرعب. لقد جلدتهُ حتى سالت روحُه قبل دمِه.
غادرني مالك مثقلاً بجوعه الكافر وخوفه الذي يسكن العظم، مخلفًا وراءه عنوانًا ضائعًا في زحام المأساة وقلبًا يرتجفُ كفراشة سُحقت أجنحتها. لم يتركني وحيدًا على ذلك الرصيف، بل ترك في أعماقي صدوعًا لا تلتئم، وفجوةً في الروح لا يردمها اعتذار.
أخذتُ أتأمل اسمه الذي تردد في أذني كصدى جرس جنائزي.. «مالك». يا لسخريةِ الأسماء! طفلٌ لم يورثه نصيبه من الدنيا من «المُلْكِ» إلا سيادة الوجع الذي يمتدُّ الآن بلا نهاية بامتداد هذا الكورنيش الحزين.
يا مالك، لم أصدقك فحسب؛ بل إنَّ حكايتك قد أغرقت روحي بدموعِ العجزِ القسري، وجعلتني أدركُ يقيناً أنَّ خلف كلّ ابتسامة باهتة يوزعها طفل في عرض الطريق، سوطًا يتربص به في العتمة، ومقصلةً تنصبُ أركانها هناك، خلف أسوار «حديقة الطفل