في قاعة المحكمة، لم يتسلل البرد من الرخام، بل من الكلمات الجافة التي تبادلها مع زوجته. وقف منصور بصلابة كبريائه الجريح، يرفض التنازل عن شبرٍ واحد من "عناده". على المقاعد المقابلة، جلس طفلاه يرقبان بصمتٍ مرعب تحوّل والدهما إلى "خصم قانوني". حينها، ظن منصور أن كسب القضية هو معركته الوحيدة، ولم يدرك أنه خسر ما لا يُشترى بالورق.
حين انتهت الجلسة بطرق المطرقة، خرج منصور يشعر بانتصار زائف، لكن المطرقة في داخله كانت تهشم زجاج عمرٍ كامل.
مرت السنوات كقافلة صامتة. اعتاد منصور أن يرسل النفقة بانتظام آلي، يضيف إليها مبالغ سخية كمن يشتري صك غفران عن غيابه. ظن أن المال جسرٌ كافٍ، متجاهلاً أن الأبوة لا تُقاس بالأرقام، بل بالأنفاس المشتركة. جرّب مرة أن يطرق باب حياتهما القديم؛ وقف أسفل الشرفة يحمل دمية لابنته، لكنه رأى خلف الستارة نظرة استغراب لشخص غريب يقتحم هدوءهم. عاد والدمية في يده، مدركًا أن "الوقت" لا ينتظر المترددين.
حين وصلا لسن التخيير، وقف في الممر نفسه. رآهما يسيران نحوه، ارتجف قلبه كما ارتجفت يداه يوم حمل ليلى للمرة الأولى، لكن خطواتهما تجاوزته دون التفاتة واحدة؛ لقد اختارا "جهة التفاصيل اليومية" ضد "جهة الشيكات البنكية".
تزوج بعدها بسنوات، ورزقه الله طفلاً أعاد لقلبه بعض الهواء، لكنه ظل يبتسم وفي قلبه غرفة مغلقة لا يملك مفتاحها.
في صباح غائم، وقف أمام شباك الأحوال المدنية لاستخراج قيد عائلي لابنه الصغير. مدّ بطاقته للموظف، وراح يراقب أصابعه وهي تنقر على لوحة المفاتيح. توقف الموظف فجأة، رفع رأسه وقال بنبرة عملية: يا أستاذ منصور، ابنتك ليلى متزوجة منذ عامين؛ نحتاج اسم الزوج لتحديث البيانات.
شعر منصور وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. شاشة الحاسوب الصامتة تحولت إلى قاضٍ جديد يحكم عليه بالنسيان التام. اسم زوج، وتاريخ، وحياة كاملة اكتملت دونه. تذكر كبرياءه القديم، وصمته الذي ظنه ترفعًا، فإذا به جدارٌ بناه بيده حتى صار سجنه.
رفع رأسه وقال بصوت متهدج: سجّلوا أن لها حياةً كاملة.. حياةً لم أكن جديراً بأن أكون جزءاً منها.
خرج إلى الشارع، والزحام من حوله يبدو كأنه صمتٌ مطبق. عاد إلى مكتبه، لم يفتح ملفات العمل، بل سحب ورقة بيضاء، وبدأ يكتب كمن ينزف، ليس ليرسلها - فحبيبة قلبه ليس لها عنوان - بل ليتطهر من ذنبه:
"إلى ليلى..
أكتب لكِ وأنا أقف أمام حقيقةٍ صدمتني؛ لقد صرتِ زوجة. سألني الموظف عن اسم رجُلٍ شارككِ ضحككِ وقلقكِ لعامين، وقفت أمامه مثل الأطرش في الزفة. كنتُ أظن أنني أبٌ صالح لأنني لم أنقص عليكِ مالاً، ولم أدرك أن المال لا يمسح دمعة توتركِ ليلة زفافكِ. لا أطلب غفراناً، فالبيوت تُبنى بالوجوه التي نألفها، ووجهي صار مجرد صورة باهتة. كوني بخير، فهذا هو العزاء الوحيد لرجلٍ أدرك متأخراً أن الأبوة حضور، وليست مجرد إيصال استلام."
طوى منصور الورقة، ووضعها في الدرج بجوار صور عيد الميلاد القديم والدمية التي لم تصل أبدًا.
خرج إلى الشارع من جديد، ورأى عروسًا تعبر الطريق تمسك بذراع أبيها بقوة. أغمض عينيه، وتخيل ليلى في ليلتها تلك: "تُرى من أمسك يدها؟"
واصل السير، يجر خلفه ظلاً بدا أطول من المعتاد، تاركًا خلفه أوراقًا رسمية تثبت أنه أبٌ في سجلات الدولة، ورجلٌ يبحث عن اسمه في ذاكرةٍ لم تعد تتسع له.
جديد ٢٠٢٦
حين انتهت الجلسة بطرق المطرقة، خرج منصور يشعر بانتصار زائف، لكن المطرقة في داخله كانت تهشم زجاج عمرٍ كامل.
مرت السنوات كقافلة صامتة. اعتاد منصور أن يرسل النفقة بانتظام آلي، يضيف إليها مبالغ سخية كمن يشتري صك غفران عن غيابه. ظن أن المال جسرٌ كافٍ، متجاهلاً أن الأبوة لا تُقاس بالأرقام، بل بالأنفاس المشتركة. جرّب مرة أن يطرق باب حياتهما القديم؛ وقف أسفل الشرفة يحمل دمية لابنته، لكنه رأى خلف الستارة نظرة استغراب لشخص غريب يقتحم هدوءهم. عاد والدمية في يده، مدركًا أن "الوقت" لا ينتظر المترددين.
حين وصلا لسن التخيير، وقف في الممر نفسه. رآهما يسيران نحوه، ارتجف قلبه كما ارتجفت يداه يوم حمل ليلى للمرة الأولى، لكن خطواتهما تجاوزته دون التفاتة واحدة؛ لقد اختارا "جهة التفاصيل اليومية" ضد "جهة الشيكات البنكية".
تزوج بعدها بسنوات، ورزقه الله طفلاً أعاد لقلبه بعض الهواء، لكنه ظل يبتسم وفي قلبه غرفة مغلقة لا يملك مفتاحها.
في صباح غائم، وقف أمام شباك الأحوال المدنية لاستخراج قيد عائلي لابنه الصغير. مدّ بطاقته للموظف، وراح يراقب أصابعه وهي تنقر على لوحة المفاتيح. توقف الموظف فجأة، رفع رأسه وقال بنبرة عملية: يا أستاذ منصور، ابنتك ليلى متزوجة منذ عامين؛ نحتاج اسم الزوج لتحديث البيانات.
شعر منصور وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. شاشة الحاسوب الصامتة تحولت إلى قاضٍ جديد يحكم عليه بالنسيان التام. اسم زوج، وتاريخ، وحياة كاملة اكتملت دونه. تذكر كبرياءه القديم، وصمته الذي ظنه ترفعًا، فإذا به جدارٌ بناه بيده حتى صار سجنه.
رفع رأسه وقال بصوت متهدج: سجّلوا أن لها حياةً كاملة.. حياةً لم أكن جديراً بأن أكون جزءاً منها.
خرج إلى الشارع، والزحام من حوله يبدو كأنه صمتٌ مطبق. عاد إلى مكتبه، لم يفتح ملفات العمل، بل سحب ورقة بيضاء، وبدأ يكتب كمن ينزف، ليس ليرسلها - فحبيبة قلبه ليس لها عنوان - بل ليتطهر من ذنبه:
"إلى ليلى..
أكتب لكِ وأنا أقف أمام حقيقةٍ صدمتني؛ لقد صرتِ زوجة. سألني الموظف عن اسم رجُلٍ شارككِ ضحككِ وقلقكِ لعامين، وقفت أمامه مثل الأطرش في الزفة. كنتُ أظن أنني أبٌ صالح لأنني لم أنقص عليكِ مالاً، ولم أدرك أن المال لا يمسح دمعة توتركِ ليلة زفافكِ. لا أطلب غفراناً، فالبيوت تُبنى بالوجوه التي نألفها، ووجهي صار مجرد صورة باهتة. كوني بخير، فهذا هو العزاء الوحيد لرجلٍ أدرك متأخراً أن الأبوة حضور، وليست مجرد إيصال استلام."
طوى منصور الورقة، ووضعها في الدرج بجوار صور عيد الميلاد القديم والدمية التي لم تصل أبدًا.
خرج إلى الشارع من جديد، ورأى عروسًا تعبر الطريق تمسك بذراع أبيها بقوة. أغمض عينيه، وتخيل ليلى في ليلتها تلك: "تُرى من أمسك يدها؟"
واصل السير، يجر خلفه ظلاً بدا أطول من المعتاد، تاركًا خلفه أوراقًا رسمية تثبت أنه أبٌ في سجلات الدولة، ورجلٌ يبحث عن اسمه في ذاكرةٍ لم تعد تتسع له.
جديد ٢٠٢٦