علي البدر - وفاء تحت معطف أبيض...

مرت السنون كأنها لمحة بصر، وغزا الشيب رأسي، حتى انتهى بي المطاف على سرير أبيض في مستشفى بارد. كانت العملية دقيقة وخطيرة، والمؤشرات الحيوية تتراقص على الشاشات كأنها تودعني. قبل أن يستسلم وعيي للتخدير، لمحتُ عينًا مألوفة، فيها لمعةٌ لم أستطع تحديد مكانها في ذاكرتي المنهكة، ثم غَرَقَ كل شيء في صمت مطبق.
بعد ساعات لا أعلم مداها، بدأ الضباب ينقشع عن عيني. لم أسمع صوت أجهزة القلب، بل سمعت صوتًا دافئًا يرتجف كأنه صوتٌ جاء من أعماق سنوات التدريس الطويلة:
- بابا. بابا. استيقظ يا أستاذي، الغرسُ قد أثمر.
فتحت عينيّ بصعوبة بالغة، فرأيت ذلك الجرّاح يقف بجانبي، وقد خلع كمامته لتظهر ملامح وجه فتى كأنني اعرفه. أمسك يدي وقبلها وهو يبكي كالطفل أمام طاقم التمريض المندهش، وقال بصوت مخنوق:
- أستاذي، هل كنت تظن أن تلك المساعدات والدقائق التي كنت تقتطعها من وقتك لترميم انكساري قد ضاعت؟ لقد كنتُ أعرف في كل مرة أنها منك. كنتُ اعلم ان النقود التي تدسها في حقيبتي وقت الفرص بين الدروس عندما يخرج الطلاب من الصف واعرف ان رسالة الأمل والتشجيع بمستقبل ينتظرني كانت منك رغم أنك كتبتها بالة كاتبة.
يا إلهي. موقف لا أحسد عليه. رغبة شديدة على البكاء انتبتني. لم أستطع منع دموعي
وانا أرى دموعه تنهمر على خده. يا ترى كيف عرف هذا السر الذي لا يعلمه ألا الله؟ ذلك الفتى في المقعد الأخير؛ كان نابغًا في الدرس هادئ الطبع متزنا لكن الفقر واليتم يطوقان أحلامه. كنت أرى في عينيه مستقبلًا يرفض الانكسار،
- لم أكن انا. اجل يا ولدي. لم أكن أنا. وأنت، لم تكن محتاجًا لأحد يا ولدي. كنت رمزًا للطالب المثابر المتزن والمهذب.
- اليوم، لم أجر عمليةً لجسد مريض، بل كنت أحاول إنقاذ قلبي الذي علمني كيف أكون إنساناً. اعرف أجل اعرف كل شيء حتى الأقساط التي تدفعها عني واجرة الباص واتذكر كيف خرجت من الصف وحملتني عندما كُسِرَت ساقي في درس التربية الرياضية ونقلتني بسيارتك الى المستشفى بعد ان ساعدتني في شرب قدح الماء وراحة يدك على رأسي؟
نظرتُ إليه، فشعرتُ أن كل أوجاع العملية قد تلاشت. أدركتُ حينها أن أعظم استثمار في الحياة ليس في العقارات ولا الأسهم، بل في الإنسان. خرجتُ من المستشفى ليس بقلب جديد فحسب، بل بروح جديدة تؤمن أن المعروف لا يضيع، وأن الله يخبئ لنا مكافآت صنيعنا في أكثر اللحظات التي نحتاج فيها إلى يدٍ تمتد إلينا.
علي البدر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى