تنفست المريوطية في ذلك المساء بصعوبة. الترعة راكدة، يغطي سطحها غشاء أخضر يشبه ذاكرة لم تعد قادرة على النسيان، وعلى الضفة تنتصب نخيلات متعبة، تتكئ على الريح كعجائز يرفضن السقوط.
جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك هو من فعل ذلك. منذ شهور وهو يعيش داخل صمتٍ يتكاثر بينه وبين "هناء" كطحالب الترعة؛ صمتٌ بدأ بكلمة مؤجلة، ثم صار ليالي كاملة من البرودة، وهاتفٌ بات ينام تحت وسادتها كما لو أنه القلب الوحيد الذي تسمع نبضه.
حين خرجت من المنزل تلك الليلة، لم تنظر خلفها. لحظتها فقط، أدرك أن ظهرها أصبح اللغة الوحيدة التي تتحدث بها معه.
تبعها بسيارته، متخفيًا داخل زحام السيارات وضجيج الطريق الذي يشبه عراكًا يوميًا. لم تتجه نحو السوق، بل انعطفت إلى طريق ترابي جانبي، حيث تخفت المصابيح ويبدأ الصمت المريب. هناك، قرب شجرة توت عتيقة بدت جذورها كأصابع تحاول الإمساك بشيء هارب، توقفت سيارتها.
لم تمر دقائق حتى ظهرت سيارة فارهة، وانزلقت "هناء" إلى داخلها بخفة عرفها جيدًا.. الخفة نفسها التي كانت تسبق ضحكتها في سنواتهما الأولى. لم يشعر عادل بالغضب حينها، بل بشيء أبرد، كأن الدم الدافئ فقد رغبته في الجريان. رفع هاتفه، وبثبات قناص، بدأ يوثق كل شيء بعد أن استخدم خاصية التقريب في جهازه الحديث: ضحكتها التي افتقدها، يد الغريب التي لمست أصابعها، والمسافة التي تلاشت بينهما حتى ابتلعهما الظل. وتمالك أعصابه بشكل لم يتخيله يومًا حين رآها تخلع ثيابها داخل السيارة.
عاد عادل إلى البيت قبلها. لم يختبئ في الظلام، بل أضاء مصابيح الصالة بقوتها القصوى، كأنها غرفة تحقيق. وضع جهاز "اللابتوب" على الطاولة. حين دخلت "هناء"، ملأ عطر "عشيقها" المكان. حاولت رسم قناع الإرهاق المعتاد، لكنها تسمرت حين رأت عادل يشير ببرود مرعب نحو الأريكة: اجلسي يا هناء.. كنتِ تقولين إن حياتنا بلا ذكريات، لذا قررتُ أن أقيم لكِ (عرضًا خاصًا) لأجمل لقطات السنة.
ضغط على زر التشغيل. بدأت الصور بصدمة عاطفية؛ صور زفافهما، ضحكاتهما القديمة، ثم فجأة.. انقطعت الموسيقى وظهر كادر المريوطية على الشاشة. رأت نفسها وهي تنزلق لسيارة الغريب، وسمعت صوتها المسجل بوضوح.
صرخت هناء وهي تحاول إغلاق الجهاز: كفى يا عادل! أغلق هذا القرف. هل كنت تراقبني؟
رد بصوت رخيم قادم من بئر سحيقة: أراقبكِ؟! الكاميرا هي التي سجلت الحقيقة التي رفضت عيناي تصديقها لشهور عديدة. هل تظنين أنني احتفظت بنسخة واحدة فقط؟
اقترب منها حتى لفتت أنفاسه وجهها الشاحب وهمس: هذا الفيديو صار الآن في البريد الإلكتروني لإخوتكِ، ولوالدكِ الذي كان يقسم بأدبك، وحتى (صاحب السيارة) الذي استمتع بجسدك، وصله الرابط مع رسالة تذكره بعقوبة الزنا في القانون.
انهارت عند قدميه تتوسل، لكنه تراجع خطوة للخلف كأن لمسها يلوثه. رمى فوق وجهها الباكي ورقة "إعلان بالطلاق" أعدها مسبقًا، وقال جملته الأخيرة: هذا البيت يجب أن يُخلى خلال ساعة. اخرجي بملابسكِ فقط. انتقامي ليس بضربكِ، انتقامي هو أن أترككِ تعيشين (عارية) أمام كل الذين كنتِ تتجملين في أعينهم.
خرج عادل من الشقة، تاركًا إياها تصرخ في الفراغ، بينما كان ضوء شاشة اللاب توب لا يزال يعرض مقطعها في المريوطية كوصمة عار لا ينطفئ نورها. وفي الخارج، كانت رائحة الماء الراكد لا تزال عالقة في رئتيه، تخبره أن كل ما سقط في الترعة لا يعود أبدًا.
جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك هو من فعل ذلك. منذ شهور وهو يعيش داخل صمتٍ يتكاثر بينه وبين "هناء" كطحالب الترعة؛ صمتٌ بدأ بكلمة مؤجلة، ثم صار ليالي كاملة من البرودة، وهاتفٌ بات ينام تحت وسادتها كما لو أنه القلب الوحيد الذي تسمع نبضه.
حين خرجت من المنزل تلك الليلة، لم تنظر خلفها. لحظتها فقط، أدرك أن ظهرها أصبح اللغة الوحيدة التي تتحدث بها معه.
تبعها بسيارته، متخفيًا داخل زحام السيارات وضجيج الطريق الذي يشبه عراكًا يوميًا. لم تتجه نحو السوق، بل انعطفت إلى طريق ترابي جانبي، حيث تخفت المصابيح ويبدأ الصمت المريب. هناك، قرب شجرة توت عتيقة بدت جذورها كأصابع تحاول الإمساك بشيء هارب، توقفت سيارتها.
لم تمر دقائق حتى ظهرت سيارة فارهة، وانزلقت "هناء" إلى داخلها بخفة عرفها جيدًا.. الخفة نفسها التي كانت تسبق ضحكتها في سنواتهما الأولى. لم يشعر عادل بالغضب حينها، بل بشيء أبرد، كأن الدم الدافئ فقد رغبته في الجريان. رفع هاتفه، وبثبات قناص، بدأ يوثق كل شيء بعد أن استخدم خاصية التقريب في جهازه الحديث: ضحكتها التي افتقدها، يد الغريب التي لمست أصابعها، والمسافة التي تلاشت بينهما حتى ابتلعهما الظل. وتمالك أعصابه بشكل لم يتخيله يومًا حين رآها تخلع ثيابها داخل السيارة.
عاد عادل إلى البيت قبلها. لم يختبئ في الظلام، بل أضاء مصابيح الصالة بقوتها القصوى، كأنها غرفة تحقيق. وضع جهاز "اللابتوب" على الطاولة. حين دخلت "هناء"، ملأ عطر "عشيقها" المكان. حاولت رسم قناع الإرهاق المعتاد، لكنها تسمرت حين رأت عادل يشير ببرود مرعب نحو الأريكة: اجلسي يا هناء.. كنتِ تقولين إن حياتنا بلا ذكريات، لذا قررتُ أن أقيم لكِ (عرضًا خاصًا) لأجمل لقطات السنة.
ضغط على زر التشغيل. بدأت الصور بصدمة عاطفية؛ صور زفافهما، ضحكاتهما القديمة، ثم فجأة.. انقطعت الموسيقى وظهر كادر المريوطية على الشاشة. رأت نفسها وهي تنزلق لسيارة الغريب، وسمعت صوتها المسجل بوضوح.
صرخت هناء وهي تحاول إغلاق الجهاز: كفى يا عادل! أغلق هذا القرف. هل كنت تراقبني؟
رد بصوت رخيم قادم من بئر سحيقة: أراقبكِ؟! الكاميرا هي التي سجلت الحقيقة التي رفضت عيناي تصديقها لشهور عديدة. هل تظنين أنني احتفظت بنسخة واحدة فقط؟
اقترب منها حتى لفتت أنفاسه وجهها الشاحب وهمس: هذا الفيديو صار الآن في البريد الإلكتروني لإخوتكِ، ولوالدكِ الذي كان يقسم بأدبك، وحتى (صاحب السيارة) الذي استمتع بجسدك، وصله الرابط مع رسالة تذكره بعقوبة الزنا في القانون.
انهارت عند قدميه تتوسل، لكنه تراجع خطوة للخلف كأن لمسها يلوثه. رمى فوق وجهها الباكي ورقة "إعلان بالطلاق" أعدها مسبقًا، وقال جملته الأخيرة: هذا البيت يجب أن يُخلى خلال ساعة. اخرجي بملابسكِ فقط. انتقامي ليس بضربكِ، انتقامي هو أن أترككِ تعيشين (عارية) أمام كل الذين كنتِ تتجملين في أعينهم.
خرج عادل من الشقة، تاركًا إياها تصرخ في الفراغ، بينما كان ضوء شاشة اللاب توب لا يزال يعرض مقطعها في المريوطية كوصمة عار لا ينطفئ نورها. وفي الخارج، كانت رائحة الماء الراكد لا تزال عالقة في رئتيه، تخبره أن كل ما سقط في الترعة لا يعود أبدًا.