في النادي، جلست الطفلة كطردٍ بريدي بانتظار الفحص. لم تنظر إلى الألعاب البلاستيكية المتهالكة حولها، بل راقبت انعكاس وجهها في مرآة حقيبة يد أمها الصغيرة. الأم، التي ترتدي ثيابًا أنيقة لا تليق بمعلمة لغات في مدرسة دولية فحسب، بل بسيدة أعمال، لم تنظر إلى الطفلة؛ تحركت أصابعها بآلية مدهشة على شاشة هاتفها، أخذت تراجع تطبيق البنك تارة، وتتحقق من تاريخ الجلسة القادمة في "محكمة الأسرة" تارة أخرى.
على المقاعد الخشبية المقابلة، جلس ثلاثة رجال. لم يلقِ أحدهم التحية على الآخر، لكن الصمت بينهم ارتفع بضجيج رائحة المحاكم. أمسك الزوج الثاني بدمية، وحاول الجد مغالبة دمعة عصية، أما الزوج الثالث - الذي لم يجف حبر قسيمة طلاقه بعد - فقد راح ينظر إلى الساعة في هاتفه المحمول، كمن ينتظر انتهاء نوبة حراسة إجبارية.
لم تجد "مربية الأجيال" فيهم رجالاً خذلوها أو خذلتهم، بل رأتهم "أرقامًا" في معادلة حسابية معقدة. تذكرت ببرود مشهد "عربات النقل" وهي تحمل أثاث البيت الثالث من أمام قسم الشرطة، وكيف عرضت "أثاث الزوجية" للبيع، على مواقع التواصل الاجتماعي، في ذات المساء الذي تسلمتها فيه بحكم المحكمة. بالنسبة إليها، لم يكن "الخشب والذهب" ذكرى شهور العرس، بل "سيولة نقدية" تضمن لها تفوقًا في لعبة الشطرنج التي تديرها ضد فرائسها.
خمس وأربعون عريضة دعوى كافية لتحويل حياتها إلى أرشيف من الأوراق الرسمية. إنها تستمتع بصوت "القاضي" وهو يحكم ويرفع الجلسة، تمامًا كما تستمتع بصوت ماكينة صرف الراتب كل شهر. لكن المفارقة تكمن في "قاعة الدرس"؛ هناك تشرح للأطفال معنى "الانتماء" و"الصدق"، وهنا في ساحات المحاكم، تمارس فن "التشتيت"؛ حيث تقتلع الطفلة من جذورها لتزرعها في أوحال النفقة والنزاع المادي.
بينما همّت بإيقاع زبون جديد، جاء ليرى ابنته بعد انفصاله عن زوجته، وصلها خبر عبر الهاتف. اهتزت يدها قليلاً، ليس حزنًا، بل ارتباكًا في الحسابات. والدها، "السند" الذي علمها كيف تمسك بمشرط القانون لتقصّ به جيوب الخصوم، سقط في نفس الفخ "أكل المال". صدر الحكم: الحبس، والعزل من وظيفته، والتشهير به.
نظرت إلى الطفلة، ثم إلى الرجال الثلاثة، ثم إلى هاتفها. لم يتغير وجهها كثيرًا، بل استعادت برودها المعتاد. مسحت غبارًا واهيًا عن تنورتها، وأمسكت يد صغيرتها بقوة، ومضت نحو باب الخروج. لم تخرج من جلسة الرؤية، بل اتجهت بخطى واثقة نحو "الدعوى رقم ستة وأربعين".
في تلك اللحظة، سقطت من حقيبتها ورقة صغيرة.. لم تكن حكمًا قضائيًا، بل تحضيرًا للدرس القادم لطلابها، وعنوانه: "حرمة مال الغير".
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل
على المقاعد الخشبية المقابلة، جلس ثلاثة رجال. لم يلقِ أحدهم التحية على الآخر، لكن الصمت بينهم ارتفع بضجيج رائحة المحاكم. أمسك الزوج الثاني بدمية، وحاول الجد مغالبة دمعة عصية، أما الزوج الثالث - الذي لم يجف حبر قسيمة طلاقه بعد - فقد راح ينظر إلى الساعة في هاتفه المحمول، كمن ينتظر انتهاء نوبة حراسة إجبارية.
لم تجد "مربية الأجيال" فيهم رجالاً خذلوها أو خذلتهم، بل رأتهم "أرقامًا" في معادلة حسابية معقدة. تذكرت ببرود مشهد "عربات النقل" وهي تحمل أثاث البيت الثالث من أمام قسم الشرطة، وكيف عرضت "أثاث الزوجية" للبيع، على مواقع التواصل الاجتماعي، في ذات المساء الذي تسلمتها فيه بحكم المحكمة. بالنسبة إليها، لم يكن "الخشب والذهب" ذكرى شهور العرس، بل "سيولة نقدية" تضمن لها تفوقًا في لعبة الشطرنج التي تديرها ضد فرائسها.
خمس وأربعون عريضة دعوى كافية لتحويل حياتها إلى أرشيف من الأوراق الرسمية. إنها تستمتع بصوت "القاضي" وهو يحكم ويرفع الجلسة، تمامًا كما تستمتع بصوت ماكينة صرف الراتب كل شهر. لكن المفارقة تكمن في "قاعة الدرس"؛ هناك تشرح للأطفال معنى "الانتماء" و"الصدق"، وهنا في ساحات المحاكم، تمارس فن "التشتيت"؛ حيث تقتلع الطفلة من جذورها لتزرعها في أوحال النفقة والنزاع المادي.
بينما همّت بإيقاع زبون جديد، جاء ليرى ابنته بعد انفصاله عن زوجته، وصلها خبر عبر الهاتف. اهتزت يدها قليلاً، ليس حزنًا، بل ارتباكًا في الحسابات. والدها، "السند" الذي علمها كيف تمسك بمشرط القانون لتقصّ به جيوب الخصوم، سقط في نفس الفخ "أكل المال". صدر الحكم: الحبس، والعزل من وظيفته، والتشهير به.
نظرت إلى الطفلة، ثم إلى الرجال الثلاثة، ثم إلى هاتفها. لم يتغير وجهها كثيرًا، بل استعادت برودها المعتاد. مسحت غبارًا واهيًا عن تنورتها، وأمسكت يد صغيرتها بقوة، ومضت نحو باب الخروج. لم تخرج من جلسة الرؤية، بل اتجهت بخطى واثقة نحو "الدعوى رقم ستة وأربعين".
في تلك اللحظة، سقطت من حقيبتها ورقة صغيرة.. لم تكن حكمًا قضائيًا، بل تحضيرًا للدرس القادم لطلابها، وعنوانه: "حرمة مال الغير".
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل