شريف محيي الدين إبراهيم - الشيخة عيدة

..وقف الدكتور ممتاز عند زاوية الشارع، مترددًا، يراقب بيت الشيخة عيدة من بعيد.
أصوات تتقاطع، ضحكات أطفال تتلاشى بين الزقاق، وراديو قديم يئن من نافذة بعيدة.
كان قلبه يدق بسرعة، لقد أثار فضوله كل ما سمعه عن هذه السيدة من أهل القرية.
كما أن قلة المرضى، والركود في العيادة، وكل الشائعات عن قواها الغامضة… كل ذلك دفعه لخطوته الأولى نحو بيتها.

كان الصداع يزداد في رأسه؛ ذلك الصداع الذي لازمه شهورًا طويلة، والذي فشلت كل وسائل العلاج معه، حتى كاد يعتاد عليه.
وقف مترددًا؛ كل خطوة كانت صراعًا بين العقل والمنطق، وبين الرغبة في رؤية الحقيقة بعينيه، هل هي كما يصفها الناس؟ أم أن كل هذا مبالغ فيه؟

البيت أمامه صغير، جدرانه باهتة، الباب خشبي متشقق، وأصص الريحان والشيح مصطفّة على العتبة
رائحة الأعشاب ثقيلة، رطبة، غامضة…

رفع يده كي يطرق الباب...
تردد ثانية.
تذكر كل ما قيل عن المرضى، عن همسات أهل القرية، عن الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا في الطب…

هل سيتعارك معها؟
هل سيتهمها بالجهل، ويهددها بإبلاغ الشرطة ليقبضوا عليها؟
هي بالتأكيد ليست وحدها؛ فهي حتمًا محاطة بالخدم والحرس، الذين بوسعهم ضربه أو حتى قتله…
الموضوع حتمًا خطير، خاصة عندما تهدد سيدة ليست عادية… فمن الحمق أن تواجهها وحدك.

طرق الدكتور ممتاز الباب.

فتحت هي بنفسها،
ابتسامتها هادئة… غير متوقعة.
— اتفضل يا دكتور… اتأخرت ليه؟
توقف قليلًا، مندهشًا.
لم تكن مجرد ابتسامة ترحيب، بل معرفة به، ومعرفة بقدومه وهو لم يخبر أحدًا.

دخل متوجسا...
الغرفة ضيقة، لكنها ليست فارغة.
على الأرائك والطاولات، بعض المرضى والزوار جالسين في هدوء غريب.

جلس الدكتور ممتاز...
ابتسمت.
كان يراقبها، يحاول السيطرة على إحساسه بأن هناك شيئًا غير مرئي يراقبه.

كانت جميلة.
شعرها الطويل ينسدل خلف الطرحة، ووجهها يشع نورًا هادئًا.
تبدو أصغر من عمرها.

قالت بثقة:
أنت أتيت كي تتعارك معي؟
الظاهر إنك شجاع، ومش بتخاف.
بس دي مش شجاعة… دي تهور.
انت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه؟

صدمته كلماتها.
تجمد في مكانه.
ابتسمت…
ناولته شرابًا دافئًا.
قال:
— الناس هنا واثقين فيكي بشكل غريب.
— الثقة مش غريبة.
— عيادتي تقريبا بطّلت تستقبل حد…
— مفيش حد بياخد رزق حد… رزقك هييجي لحد عندك. ولو محتاج حاجة… أنا تحت أمرك.

تأمل المكان.
كل شيء عادي… لكن ثمة شعور مختلف.
شيء لا يُرى… لكنه موجود.
— فين خدامك وحراسك؟
قالت بهدوء بسيط:
خدام وحراس إيه يا دكتور؟
أنا ست غلبانة.
مفيش هنا غيري والناس الغلابة اللي جايين يزوروني.
قال:
— قصدك يكشفوا عندك.
قالت بثقة:
— هنا هما مش محتاجين يكشفوا.
— بتعملي إيه بالضبط؟
— أعشاب… وقراءة… والباقي مش بإيدي.

صمت طويل…
في الخارج، صياح ديك بعيد.
في الداخل، شعور بالوقت يتباطأ.

— فيه حالات اتحسنت فعلًا عندك.
— شوفتهم؟
— شوفت التقارير.
— الورق مش بيقول كل حاجة.
تململ في جلسته.
— وفيه حالات مش واضحة.
— برضه شوفت الورق؟
نظرت إليه بهدوء، دون أي انفعال.
بدأ إحساس بخدرٍ غريب يتسلل إلى جسده.
— إنت مصدقة إن اللي بيحصل ده شفاء حقيقي؟
— وإنت مصدق إن كل علاج بينجح؟
— الموضوع ده ورثتيه عن أبيك الشيخ مصباح؟
ابتسمت، وعيناها تحملان ذكريات بعيدة:
— دي حاجة مش بتتورث
— عشان كدة مفيش حد من عيالك ورث منك الحاجة دي.
قالت في حزن : عيالي كدة زيك بالضبط مش مصدقين!
فجأة لاحظ الدكتور ممتاز ظلًا خافتًا، يمتد قليلًا ثم يختفي.

— فيه حد هنا؟
نظرت إليه بابتسامة ثابتة:
— إنت شايف إيه؟
ارتبك.
ثم قال فجأة:
— بتاخدي كام؟
— عيب تسأل السؤال ده يا دكتور.
سأل مرتبكًا:
— عايشة إزاي آمال؟
— كل واحد بيجيب اللي يقدر عليه.
أنا لا أطلب حاجة من حد.
حالات كتيرة اتعالجت عندي من غير مقابل.
توقف.
لم يجرؤ على الكلام.
فجأة قالت:
— إنت عيان يا دكتور؟
قال بسخرية:
— هتكشفي عليّا أنا كمان؟
قالت بهدوءٍ غريب:
— فيه حاجة غلط في راسك.
ازدادت دهشته.
اقتربت منه.
مست جبهته مسّة خفيفة.

الصداع…
المزمن الذي لازمه شهورًا طويلة…
ذلك الألم الحاد الذي لم يخففه الدواء، ولا الراحة، ولا حتى النوم…

اختفى.
بمجرد لمسة.
قفز قلبه.
حرارة غريبة انتشرت في رأسه.
فراغ غريب… مزعج ومريح في الوقت نفسه.
دماغه، الذي كان متعبًا، أصبح صافيًا، حادًا…
كأن شيئًا غير مألوف أعاد ترتيب إحساسه بجسده.
— إنت محتاج راحة.
— راحة من إيه؟
— من اللي بتشوفه ومش مصدقه.

الظل عاد.
هذه المرة لم يختفِ سريعًا.
شيء بين الحضور والغياب.
— ده مش طبيعي…
— الطبيعي عند مين؟

تراجع الظل حتى لامس الحائط.
ثم تلاشى.
— إنتِ شايفة إللي أنا شايفه؟
— بعض الحاجات ما تتشافش… غير لما صاحبها يكون جاهز.

ابتلع ريقه.

— جاهز لإيه؟

— إنه يعرف إن مش كل مرض في الجسد… ولا كل شفاء في الدواء.

فتح حقيبته بعصبية.
أغلقها فورًا.
لم يدري لماذا فتحها أصلًا.

قال بنبرة ساخرة متحدية:
— إللي إنت فيه ده خرافات ودجل،أوعي تكوني شايفة إن اللي بتعمليه ده علم؟
ابتسمت عيدة، بهدوءٍ مفعم باليقين:
— هو علم غير إللي حضرتك اتعلمته في المدارس.
ضحك بخفة واضحة.
— علم ولا خرافة مغلفة بكلمتين كبار
رفعت عينيها نحوه بثبات:
— لكل علم حد… والعلم المادي له آخر
هز رأسه ساخرًا:
— يعني نفتح باب الغيب، والوهم، ونقفل باب العقل؟
— الغيب مش ضد العقل يا دكتور.
قالتها بنبرة هادئة… لكنها قاطعة.
— فيه علوم روحية، فيه طاقات، فيه شفاء…
دي مش حكايات خرافية، دي حقيقة.

— طاقات إيجابية؟

ابتسم بسخرية أوضح:

— موضة العصر.

— لا. علم قائم بذاته.
وفيه علم لدني…
وفيه شفاء بالقرآن…
وفيه قدرات بشرية تتجاوز الحواس الخمسة.

— آه طبعًا…

قالها وهو يضغط على الكلمات.

— قوى خفية، تجليات، استثناءات…البشر مش سواء.
فيه تفاوت، فيه استعدادات، فيه معجزات…

قال في غضب:
— إحنا مش في زمن الرسل.
قالت بهدوءٍ ثابت:
— حتى لو مش في زمن الرسل… لسه فيه ناس طيبين.

قال في تهكم:

— خلاص نجيبهم ونخليهم يدعوا…
لو واحد خف بالدعاء، مكنش حد غُلب.

قالت:
— يخف بالإيمان.
قال غاضبًا:
— يبقى نرمي الكتب والمراجع والأبحاث، ونقفل المعامل والكليات، ونعيش على الإيمان!

قالت ببساطة هادئة:

— مش كل شيء بيتقاس بالتحاليل والأشعة.

اقترب خطوة...
سألته في ثقة : الصداع إللي كان عندك راح؟
نظر إليها بحدة،ولم يجب، أردفت:
— مفيش حد كبير على المرض… لا أنت ولا أنا.
ضحك بمرارة:
— أنا جاي لك عشان أوقفك عند حدك…
تقومي إنتِ تعالجيني؟!
قالت بهدوءٍ عميق:
— يمكن ربنا باعتك مش عشان توقفني… يمكن عشان تفهم.
ساد الصمت.
ثم قالت بهدوءٍ قاطع:
— إنت عندك بنت صغيرة… مشلولة... شفاؤها عندي.
صاح بحدة:
— وكمان عاوزة تعالجي بنتي؟
قالت :
— أنا ما بعالجش يا دكتور… أنا مجرد سبب.


****

في البيت…
وقف دكتور ممتاز أمام طفلته.
جسد صغير ساكن.
عينان واسعتان تراقبانه.
جلس.
ضغط على صدغه.
لا صداع.
— بابا... وشّك منوّر.
— منوّر؟
— آه…
ثم سألت بعفوية:
— إنت كنت مع مين؟
— ليه بتسألي؟
— علشان شكلك مش زي كل يوم…
اقترب... ضحكت... قالت :
— أنا حاسة إني هخف، وهقوم أمشي وألعب زي كل أصحابي في المدرسة ...بابا أنا عارفة إنك خلاص لقيت علاج ليا.
اضطرب... لم يتكلم.
دخلت الزوجة:
— مالك؟
قال ببطء:
— الصداع اللي عندي بقاله شهور ومش عارف أعالجه… راح.
— إزاي؟
— رحت لها.
— عيدة؟
أومأ.
— وقالت إيه؟
— عرضت تعالج البنت.
لم تفرح، بل قالت بحدة:
— إنت كده بتضحي بنفسك وبسمعتك.
— بس دي عالجت الصداع…
— ممكن صدفة،وهم نفسي، أي حاجة.
اسمك مش لعبة.
— مش هنخسر حاجة؟
— إنت إزاي مش شايف إنها بتعمل التمثيلية دي مخصوص قدام البلد كلها
— علشان تنتصر عليك... وفي الآخر كله وهم… وتخسر كل حاجة.
صمت.
— فين العلم يا دكتور؟
لم يرد.
— معقول عيدة تنجح في اللي فشل فيه أكبر الأطباء
خفض رأسه.
— الظاهر إنك نسيت إنك دكتور... ده إنت حاصل على الدكتوراه بتاعتك من أعرق الجامعات في إنجلترا!!
رفع عينيه:
— العلم بتاعنا ما شافش علاج لحالة البنت
— هتمشي ورا الجهل؟
نظرا إلى الطفلة.
— هنروح يا بابا؟
التفتت الزوجة:
— ممتاز…
— لازم أحاول.
— حتى لو وهم؟... حتى لو خسرت كل حاجة؟
— أنا أصلًا بخسر كل يوم.
دمعت عيناها.
نهض...
اقترب من السرير.
حمل طفلته بحنان مرتجف.
تعلّقت بعنقه.
وقف عند الباب.
… بين خوف، وأمل ،وحب عاجز.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى