جعفر الديري - أيّام في الكتّاب - قصة قصيرة -

كان معلِّم القرآن، أبو أمينة، يسكن في بيت صغير في الطرف الغربي الشّمالي من القرية، في زاوية محَاذية للمسجد الوحيد فيها، وكانت أمام البيت، أرض واسعة متربة، تتأثّر بأقلِّ قدر من الأمطار، وتتحوّل إلى بركة يتحاشى الناس الخوضَ في مياهها وأوحَالها.​

ورغم ضيقه الشديد بالتلاميذ وشكواه الدائمة من شقاوتهم وبلادتهم، كان المعلّم الضرير يشدِّد عليهم في حضور دروس التحفيظ، حتّى لو ابتلّت ثيابهم وتلطُّخت بالأوحال، إذ كان لا يجد سبيلاً آخر يعتاش منه، ويوفّي به شيئاً من التزاماته تجاه زوجه وابنتيه الصغيرتين - اللتين يجد فيهما العوض، ويتحمّل من أجلهما الكثير، سوى هذه الدروس، إلى جانب صناعته "القراقير" أقفاص صيد الأسماك، متى كلّفه أحدٌ بذلك.

وكان على جابر وشقيقه أحمد أن يقطعا الطريق الطويل داخل القرية، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، مشياً على أقدامهما، حاملين شيئا من الطعام يقدِّمانه للمعلِّم، كما أمرهما والدهما، كونهما على قدر يسير من الغنى، يميّزهما عن بقية التلاميذ.

ورغم أنّ جابر يكبر أخاه بسنة واحدة وحسب، وتتشابه ملامح وجهيهما بشكل واضح، كان أحمد على خلافه، مرِحاً، كثير الصَّخب، عنيداً، تجد أمُّهما مشقّةً في حملِه على الذهاب إلى الكُتّاب، ويحدث كثيراً أن "يحرن" هذا الولد، فلا تجد والدتهما بدّا عن الاستعانة بخيزرانة أبيه، وإذا كان الخوف يضطره للذهاب أحياناً، فلا يعني ذلك أنَّه سيظلّ نموذجاً للتلميذ المهذّب، فما ان يدخل بيت المعلّم، حتى يبدأ بإطلاق النكات همساً، وعمل الحركات، لينفجر بعدها ضحك مكتوم بين التلاميذ، يدفع المعلّمَ للتلفت يمنة ويسرة، حتى إذا أدرك أن أحمد وراء ذلك، استدعاه وضربه بالعصا، فكان في ذلك تأديباً له ولبقية التلاميذ.

وذات يوم، بدى المعلّم مشغولاً بحالته الصِّحية أكثر من اهتمامه بالتلاميذ، إذ يبدو أن موجة البرد الشديدة، تخلّلت جسده، فأوقعته في براثن المرض، فهو في غاية التعب، يتعرَّق جبينه ويرتجف جسده لشدّة البرد، وهو ذاهل لا يستطيع تمييز صوت تلميذ عن الآخر، وكان صوت سعاله الشديد، يشبه صوت مرجل يغلي، وحين تأكَّد من إصَابته بالتهاب رئوي، لم يجد بداً عن تسريح التلاميذ، حتى أجل غير معلوم، لحين عودة صحّته إليه.

وهنا اكتشف جابر مزيَّة في أخيه، فهو على عكس بقيِّة التلاميذ، لم ينقطع عن بيت المعلّم، بل كان يصرُّ على الذهاب، حاملاً شيئا من الطعام معه، وكان المعلِّم يعجب لأمره، ويشدِّد على زوجه أن لا تدخله غرفته، خشية انتقال العدوى، فكان يكتفي بسماع صوته من وراء باب الغرفة، حتى حين هطلت الأمطار بشدّة، وأغرقت الساحة قرب البيت، أصرَّ أحمد على زيارة المعلّم، وخاضَ الوحلَ، وطَرقَ البابَ، وسلَّم الطعام لزوجته التي بدت متأثِّرة جدّا لمنظره والمطر يتساقط على وجهه وثيابه، ورجع أحمد إلى بيته، لكنَّ شيئا تغيَّر فيه، فقد أصَابته الحمّى، وألزمته الجلوس في البيت، ولولا أنَّ سارع به أبوه إلى طبيب هندي في المدينة القريبة من القرية، وحقنه بإبره كان لها مفعول السحر، لظلَّ يعاني المرض لأيّام عديدة.

وكان يتوقّع وأخوه بعد أن صفى الطقس وتوقّفت الأمطار، أن يعاودا الذهاب لبيت المعلِّم، لكنُّهما ذُهلا حين أخبرهما والدهما أنَّ عليهما الانضمام قريباً لتلاميذ المدرسة، التي افتتحت في القرية المجاورة لقريتهما، فقد انتهى زمن المعلّم في الكتّاب، وبدأ عصر التعليم النظامي.

تمت​

السبت 10 يناير 2026

  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى