إبراهيم محمود - الإصحاح الناقص في " سفر التكوين " -قصة

1772361024296.png

يرينا الإصحاح الأول من " سفر التكوين " كيف حدث خلق السموات والأرض، خلق الإنسان والمخلوقات الأخرى، بحيث يُعرَف لكل حيوان اسم، ويختلف عن غيره، وتكون له طبيعة خاصة به، الأمر الذي جعل الرب الإله راضياً مما صنعه، وهو يرى أن كل شيء قد اكتمل ، أي على أحسن وجه، وكما يريد. ولم يعد أمامه سوى أن يستوي على عرشه، لينظر إلى مخلوقاته وملؤه رضا مما تم.
سوى أن نقصاً مقدَّراً في نهاية " الإصحاح الأول " وهو أنه في اللحظة التي استشعر الرب الإله رضى في نفسه الإلهية، ولم يعد هناك ما يشغله، سوى أن يصعد إلى سدرة منتهاه، تاركاً كل شيء للنظام الذي عرِف به. كان هناك صخب في الأسفل، أصغى إليه جيداً.ما هذا؟ تساءل في سره؟ حاول تجاهل ذلك، فهو الرب الإله، ولا بد أن هناك عرَضاً ما، لا يستحق النظر فيه، سوى أن تصاعد وتيرة الصخب دفع به إلى التدقيق في الجاري.. كان هناك اضطراب في المخلوقات أمام ناظريه.ماذا يجري؟ من وراء هذا الصخب؟
استغرب وجود مخلوق غريب، أو هكذا بدا له ، وهو يخترق جموع مخلوقاته ، ويثير بلبلة فيها. من يكون هذا، وكيف يمارس مثل هذه الفوضى وأمام سمعي وبصري؟ أمعن النظر أكثر من ذي قبل. ظهرت المفاجأة: كان مخلوقه الأول الذي اعتنى به. أي عصيان هذا، خلاف كل المخلوقات الأخرى؟
لم يتردد الرب الإله في تعريضه لعقاب أبدي، وهو يجرده من شعره السميك الذي يغطيه، من قوة مخالبه، وسطوة صوته، وقدرته على التحرك والخفة في القفز عالياً، ويجعله عارياً تماماً، إلا من بعض شعر مبعثر في أنحاء من جسمه، وهو عقاب خارجي، أما الداخلي، فهو أن يبليه بقوة عصبية- حيوية خاصة، ليست موجودة في أي مخلوق آخر، داب على الأرض خصوصاً، تكون مثار فخر واعتزاز وتباه له، إلى درجة أنه تحت سيطرة هذه النشوة المتأتية من وهْبه هذه القوة، ينسى ضريبتها وتعريضه لمحن ومآس تتنامى وتتنوع مع الزمن، حيث لا يعود الندم يفيده في شيء، ولا طلب الرجاء أو التوسل من خالقه يُستجاب: العقل.
هنا شعر الرب الإله ببهجة وحبور، على خلفية من هذه القوة التي اصطنعها وبثها في تكوينه، وهو يقدّر تماماً، وباعتباره المطلق القوة والبصيرة ورؤية الزمان في لاتناهية لديه، أن ذلك كاف لمواجهته لنفسه، وبكائه المر، وصرخاته المكتومة، وتبصره للإثم الأكبر الذي ارتكبه والذي تلبسه ما بقيت الحياة، وفي الوقت الذي علِم أن وضعاً كهذا سوف يغيّر في خريطة العالم، والحياة، الطبيعة وكائناتها، بسببه، وما يكون سبباً لأن يبقيه الرب الإله الكلي العظمة والذي لا تفوته شاردة أو واردة، ولحظة تقديره أن ذلك أفضل ضمان لديمومته الرب الإله، حيث تنفر المخلوقات من مخلوقه المعاقب بالعري الكامل، والشعور بالخوف، واشتهاء القتل لكل من حوله، حتى أقرب المقربين إليه، في نزاعات وحروب وخصومات تلهي أفراد سلالته ببعضهم بعضاً، بالطريقة هذه فقط، يمكنه البقاء مستوياً على عرشه، لا تطاله يد، ولا يقلقه صوت،فدون كل ذلك، ما كان له أن يكون كما يعرَف، وحيث إنه ألصق ما اقتطعه من الإصحاح الأول من " سفر التكوين "، والخاص بإجرائه الأخير، وجعله نصْب عينيه وحده، ينظر إليه،مبتسماً بعمق لصنيعه، كلما ألقى نظرة على الجاري الدامي على الأرض!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى