إبراهيم محمود - حـ"مو " رابي... قصة

"إلى الصديق الدكتور ماروكي ملكي"



هأنذا أمشي في شارع لندنيّ. ذاكرتي في مكان آخر. فجأة وجدتني أمام مبنى كبير. لفتت نظري لائحة كبيرة تحمل اسم " مبنى القضاء العام ".شدني فضول إلى الداخل. كان هناك من ينادي. لا يبدو الصوت غريباً علي. تتبعته لأعرف من يكون صاحبه. يا للغرابة! مظهر غريب إلى أبعد الحدود، الزي انكليزي. لكن سيماء الوجه ليست كذلك. هل يُعقَل ذلك؟ أنا دارس وجوه بحكم الهواية التي تعمقت مع الزمن.أيكون هو؟ لا يعقل ثانية. لقد مضى عليه قرابة أربعة آلاف عام بحسابي الزمني. هناك حيث يكون الوطن الذي لم أستطع العيش فيه كما يجب. لكن سيماء وجهه تبقيني إزاءه مدققاً فيها.كان ينادي أسماء بالتسلسل. وفي حالات أخرى. كان يكرر رمزاً وتالياً اسماً مختلفاً في كل مرة.

ماذا يفعل هنا؟ لا بد أنه هو نفسه من لاحظ ذلك. وحين تلاقت نظراتنا. كان لا بد أن أقترب منه:

-تنظر إلي كثيراً؟

قالها وهو يثبت نظراته علي.

بقيت ساكتاً.

-لا بد أنني أذكّرك باسم في غابر التاريخ!

-وكيف عرفت ذلك؟

-وهل يخفى علي أمر كهذا!

اقتربت منه. وجهه، ولحيته الجدائلية المنسدلة إلى السفلى، وفراغ صاعد في الوسط.

-أنا حمو رابي.

اتسعت حدقتا عيني:

-كيف تكون حمو رابي، وماذا تفعل هنا؟

-إنهما سؤالان. اطمئن.

لكنه قبل الإجابة نكس رأسه، وضاقت عيناه، ولمحت جرحاً غائراً في حدقتيهما. ثم قال:

لا بد أنك تعرف تمثالي المنصوب قبل مدخل " دار القضاء " هناك في أرض " بابل "..

هززت رأسي. واستدرك قائلاً:

لم أستطع الاستمرار..لقد تناقص حجمي، وأصبحت أنا نفسي غريباً على نفسي..وحده زرَق الحمام كان يثقل على هامة رأسي، ولا أستطيع حراكاً. وأنا أرى كثيرين ما أن يعبروني حتى ينظروا إلي شذراً، وحين يخرجون، ينظرون إلي نظرة سخرية، فكان علي الخروج من هناك.

-وهنا؟

سألته..اهدأ قليلاً واسمع. قالها سريعاً. لقد وجدتني هنا. اهتموا بأمري كثيراً. رحّبوا بي. كان لديهم معلومات كاملة عن عائلتي ومملكتي وشريعتي.. وقد أثنوا عليها. ومنحوني إقامة وسكناً، ووظفوني هنا.

-لكن..!

أردت أن أخبره أن ذلك إهانة له ولعظمة شخصه وتاريخه المهيب.سوى أنه تابع قائلاً:

لا مجال للمقارنة.. رغم المعاناة.. أعلموني أن هذه الوظيفة تليق بي.. لا بد أنهم فكَّروا في شيء آخر، بالنسبة إلى وضعي..وقالوا لي، حافظ على سيماء وجهك. إنما ارتد مثل زينا، وتعلم بضع كلمات لا غيرها، في هذا المكان، ودون أي تعليق، وإلا سوف نرجعك من حيث خرجت مقهوراً..

وتنهد وتابع بنبرة شجن:

يبقى شعوري بوجودي قائماً. أرى أحياناً تشابهاً بين مواقف هنا وهناك.. أتعرف أن الرمز الذي يتكرر وبعده يأتي اسم مختلف، يخص أشخاصاً معينين، هم أنفسهم لا يدخرون جهداً في السخرية مني دخولاً وخروجاً، إنما بلمحات سريعة، خلاف ما كان يجري هناك. على الأقل أنا محمي من العوارض الجوية، وغيرها علانية ..

لم تفارقه نظراتي. وشعوري بالسخط والألم يزداد..ثم سألني:

هل رأيتني هناك، وماذا فعلوا بي؟

-لا..!

قلتُها سريعاً، ثم:

مضت علي سنوات عدة، ولم أزر بلدي المنكوب.

كأن الكلام احتبس في صوته وقد زاد انكساراً. وقال:

-حاول أن تقوم بزيارة.. لتعرف ذلك.

كلامه دفع بي إلى التفكير في الزيارة، وفي أسرع وقت. وهو ما تم .

يا للهول!

كان الموقع يخص حمورابي نفسه. لكن ما أكثر ما تغيّر فيه!

تمثال لا يزيد عن متر طولاً، كانت سيماء الوجه قريبة جداً من سيماء وجه حموابي العظيم، لكن الرأس لا يخفي نوعه، إنه رأس ابن آوى، وفي الأسفل ثمة ذيل استطال، ذيل ثعلب، أما في الوسط، فقد كان كرشٌ بالغ الضخامة على وشك الانفجار.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى