د. عادل جوده - قراءة في قصيدة "أنا لن أعود مجددا" الشاعرة السودانية أريج محمد احمد

نصّ أريج محمد يقوم على بنية تكرارية واعية لعبارة «أنا لن أعود مجدداً» بوصفها مفتاحاً دلالياً وإيقاعياً، يُشيِّد من خلالها الشاعرة خطاب القطيعة لا باعتباره قراراً نهائياً فحسب، بل كحالة وجدانية تتجدّد مع كل مقطع، وتتعمّق مع كل صورة. هذا التكرار ليس آلياً، بل يتلوّن دلالياً في كل مرة:
مرةً بوصفه تعباً من الذات، وأخرى بوصفه عجز الذاكرة عن استيعاب اللحن، وثالثة بوصفه امتلاءً بالفراغ، ورابعة بوصفه تمرّداً على تشكّل الآخر في الحواس.
في المقطع الأول، تتجلّى علاقة الشعر بالذات بوصفها علاقة مغازلة وجودية:
«وأنا أمشط الليل بتنهيدات الحروف».
هنا يتحوّل الليل إلى كيان ملموس يُمشَّط، وتتحول الحروف إلى تنهيدات، أي أن اللغة لم تعد أداة توصيف بل صارت جسداً نفسياً يتنفس.
النصّ يغوي الشاعرة كما يغويها الرجل، فيقبّل جبينها بعنوان جديد ويكنس الفراغ بنغم.
هذه الاستعارات المركّبة توحي بأن الكتابة ليست تعبيراً عن الحب، بل بديله المؤقّت، وملاذاً من خيبة الواقع.
في المقطع الثاني، تنتقل الشاعرة من حميمية اللغة إلى هشاشة الذاكرة: «الثقوب في ناي ذاكرتي باتت أكثر اتساعاً».
الذاكرة هنا آلة موسيقية مثقوبة، لكن ثقوبها لم تعد تنتج لحناً منسجماً مع الشجن، بل تعجز عن احتواء الغياب. الزمن يتجلّى بوصفه مفارقة قاسية:
«إيقاع المطر في زمن القحط»، وهي صورة تجمع بين الوفرة والحرمان، لتؤكد أن العاطفة ما تزال حيّة، بينما الواقع يفرض تصحّره.
ويبلغ المجاز ذروته في تشبيه الشعر بامرأة نسيت قلبها في حقيبة رجل مسكون بالرحيل، حيث يتحوّل الإبداع إلى كائن فاقد لجوهره، تابع لمن لا يقيم.
في المقطع الثالث، يتّسع المشهد من الذات إلى الشارع، ومن الذاكرة إلى الواقع الاجتماعي.
تمتلئ الدفاتر بـ«لعنة الشوارع المزدحمة بالفراغ»، وهي مفارقة بصرية تُبرز ازدحاماً بلا معنى. تتجاور أصوات الباعة مع تآلف العوز والترف، في مشهد بانورامي يفضح تشوّه البداية والنهاية معاً.
حتى العصفور الذي «يدغدغ شمس النهار» لا يملك إلا جناحاً للقبلة وآخر لمسح العرق، في إشارة إلى تعب الحياة رغم جمالها العابر.
أما المقطع الأخير فينقلب إلى فعل مقاومة لغوية:
«أتمترس خلف المجاز»، فتغدو الاستعارة خندقاً، والصورة سلاحاً، والصمت جريمة مقصودة ضد العطر والقبل والهمس.
كل ذلك لتعيده الأمواج رجلاً بلا ملامح لامرأة أخرى، في خاتمة تنزع عن الحبيب فردانيته، وتجعله نسخة قابلة للاستبدال.
النصّ بهذا المعنى لا يكتب الفقد فقط، بل يكتب شجاعة الانفصال عنه عبر اللغة، حيث تتحوّل «اللاعودة» من حزن إلى وعي، ومن انكسار إلى صيغة نجاة.
قراءة بقلم/ د. عادل جوده/العراق



*******




أنا لن أعود مجدداً


قالت له :
أنا لن أعود مجدداً
تعبتُ مني
وأنا أمشط الليل
بتنهيدات الحروف
لم يكتف النص من مغازلتي
بين كل ارتعاشة وأخرى
يقبل جبيني
بعنوان جديد
ويحط على قلبي
بنغم يكنس الفراغ
من زوايا الروح
لأمتليء بك
في كل مرة
وأثقل كاهل الوتر
بأنين سافية الرماد ...

أنا لن أعود مجدداً
فالثقوب في ناي ذاكرتي
باتت أكثر اتساعا
من أن تسكبك لحنا
يتماشى مع شجن
انسحابك من مجال
أغنيتي المهمومة بايقاع المطر
في زمن القحط
وكدتُ أنسى
موعد هطولك على وريد الكتابة
فيأتي الشعر
خاليا من جموح الرغبة
خارجا عن حدود الدهشة
ضجراً يُشبه
امرأة نسيت قلبها
في حقيبة رجل
مسكون بالرحيل ...

أنا لن أعود مجدداً
امتلأت دفاتري
بلعنة الشوارع المزدحمة بالفراغ
حكايات
بداية بألف نهاية مشوهة
مهاترات
أصوات الباعة
تآلف العوز والترف
عند بقايا وجبة على سفرة الطريق
وعصفور يدغدغ
شمس النهار
بجناح يحمل قبلة وآخر يمسح حبة عرق
ثم السكون الطويل
في آخر اليوم
وكأن شيئا لم يكن
لينكمش الطريق نصا في صفحة واحدة
وتغرق في وحدتها أُذن الليل ...

أنا لن أعود مجددا
يغادرني اتزاني
كلما لمحت طينتك
تتشكل في رحم حواسي
بأنامل الضوء
فأتمترس خلف المجاز
أمد الموج على المدى
أجرح الفكرة بأظافر من نحاس
أقطع الهمس بفداحة السكات
أحبس العطر في مداخن السواد
أحرم على القبل طعم الشفاه
ليعيدك الموج
في قصة جديدة
رجلا بلا ملامح
لامرأة أخرى ...
  • Like
التفاعلات: أريج محمد أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى