للإبداع الجيد في ظني - وليس كل الظن إثما - ثلاثة شروط:
1- أن يكون المبدع صادقا.
2- وأن يكون مختلفا.
3- وأن يلقى إبداعه تجاوبا معقولا من شريحة لا بأس بها من جمهور عريض متنوع الاهتمامات والأذواق.
أما عن الصدق، فيشعر به القارئ من كيفية إدارة الكاتب لعناصر قصصه، وتمكنه من استخدام أدواته: (الفكرة، الحبكة، الأحداث، الشخصيات، الزمان والمكان، السرد، الحوار، اللغة.. إلخ)، فالكاتب الصادق تنسكب روحه قطرة بقطرة، وتُظلُّ قصصه أثناء نموها حرفا بحرف، فيحيطك دفء الكتابة بلطف، أما الكاتب المفتعل، فقد يجيد استخدام تلك العناصر والأدوات بحرفية تامة، لكنك تفتقد روحه فتبدو الكتابة باردة أو محايدة نوعا ما.
وأما عن الاختلاف، فيمكنك أن تلمسه عندما ينجح الكاتب في أن يحكي عما يعرفه هو والقارئ تمام المعرفة، لكنه يبدو جديدا ومختلفا بالنسبة لكليهما، أما الأكثر صعوبة وإبداعا، فهو أن ينجح في أن يحكي عما لا يعرفه هو أو القارئ تمام المعرفة، لكنه يبدو لهما مألوفا وقابلا للتصور، وهو يلجأ في ذلك إلى حيل وخدع فنية وسردية متنوعة، تبرز هذا الاختلاف وتؤكده.
وقد يكون تجاوب القراء هو أصعب هذه الشروط - وبصفة خاصة في زماننا هذا - فقد تغير ذوق القراء وتغيرت اهتماماتهم بدرجة يصعب وصفها أو التكهن بها لأي كاتب، وهو تغير مستمر ومتسارع، تحفزه ولا شك سقوط معظم الحواجز - إن لم يكن كلها -، والثورة الرقمية بجوانبها المختلفة: (الاتصالات - المعلومات - الذكاء الاصطناعي.. إلخ)، لكن لحسن الحظ ليس مطلوبا أن يصل الكاتب إلى كل القراء، يكفي أن يصل إلى شريحة معقولة منهم، ولحسن الحظ أيضا أنه إذا نجح الكاتب في تحقيق الشرطين السابقين: الصدق والاختلاف، فسوف ينجح بدرجة معقولة في الوصول إلى شريحة مقبولة من القراء.
وأظن أن الكاتب الصديق / مجدي القشاوي قد نجح في استيفاء هذه الشروط الثلاثة بدرجة كبيرة في مجموعته القصصية الأولى "شروط الوردة"، وقد تناولتها في قراءة سابقة، وكذلك في مجموعته الثانية "كل الألوان أزرق"، التي أتناولها اليوم.
عند قراءتي لمجموعة "شروط الوردة" تحدثت عن:
1- رؤية الكاتب.
2- سيطرته على عناصر قصصه.
3- البناء السردي المتماسك.
4- المزج ببراعة بين الواقع والخيال.
5- التمكن اللغوي.
لن أعود للحديث مرة أخرى عن تلك النقاط فهي موجودة بالتأكيد في "كل الألوان أزرق"، لكنني سوف أتناول على مهل بعضا من قصص المجموعة الجديدة، لكنني يجب أن أشير قبل أن أفعل ذلك إلى أن هناك فكرة مركزية/ثيمة تغلب على معظم قصص المجموعة، ألا وهي: علاقة الرجل بالمرأة، أو علاقة المرأة بالرجل، فأغلب النصوص ليست إلا تنويعات مدهشة على لحن تلك العلاقة الخالدة والأزلية، ويتجلى نجاح الكاتب في قدرته على تناول هذه الفكرة المركزية/الثيمة بتنوع مؤثر ومبهج، ويستخدم حيلا فنية وسردية، فينجح في تحويل الواقع والخيال وما هو بينهما إلى نصوص حية ومتجددة.
طبيعة صامتة:
في الفن التشكيلي، نعرف ما يُطلق عليه "لوحات الطبيعة الصامتة"، وهو أمر شائع ومقبول، أما في الأدب فهو ممكن أيضا.
ينقل إلينا الكاتب من خلال هذا النص - وغيره من النصوص - صورا كثيفة لبطلي النص، وما يحيط بهما من أشياء وموجودات.
يصف الكاتب كل شيء، كوبي القهوة، الحلوى المصنوعة من البطاطا ودقيق الشوفان، طبق الحلوى المستطيل وعلى أحد أضلاعه وردتان صغيرتان، وعشرات التفاصيل التي يصعب حصرها، لكن الأهم أنه يصف بدقة الحالة النفسية والجسدية لبطلي النص، يغوص في الأعماق، وفي العوالم الداخلية، فنتابع تشكّل قرص الموزاييك من قطع صغيرة مهشمة وحادة، كتلك القطع المهشمة داخل كل منهما، ويستمر الوصف ويتصاعد حتى تنتهي البطلة من اللوحة:
(ما أسميته منضدة هو إطار سيارة قديم، عليه قرص من الخشب بنفس الاستدارة، لُصق سطحه بمئات من قطع الموزاييك، وبألوان اشتُقّت كلها من الأزرق...)
ويعطل البطل أربع حواس ليشحذ الحاسة الخامسة: حاسة الشم، حيث:
(الروائح مجتمعة تذوب في أنفي وتنتقل مباشرة للروح..)
(قلت بصوت بدا رغم وهنه مرتفعا: لا زمن للرائحة.)
(توجهت نحوها وقلت: دائما ما تمنيت أن يكتب أحد الأدباء نصا يصلح لأن نطلق عليه "طبيعة صامتة".
ضحكت، ثم صمتت، ثم قالت: ما تكتبه أنت.
قلت: أنا؟
وقلت: أنا أجلس أسفل الأشجار.
فأشارت إلى المنضدة وكوبي القهوة وطبق الحلوى.
قالت إن الضباب صنع بروازا عظيما أطر المشهد. وما عليك إلا أن تمسك بقلمك وتنقل ما ترى.)
لكن اللوحة تتجدد عند كل استدارة، كتجدد الحياة، وينتهي النص باستعادة لوحة أخرى غير مكتملة، لكنها تكتمل بوصف البطل، وتفجر مشاعره وأحاسيسه:
(والآلة جعلتني أشعر بإحساس عائد من سفر طويل، يبحث فيه عن وردة الصحراء، وعن ماء يسقيها، وحاجز يحميها من زحف الرمال. وعندما اطمأن عليها تركها في صحرائها، وعاد يلملم ذاته.)
يقدم النص بنعومة وسلاسة تشريحا هادئا لعلاقة غنية ومؤثرة، ويغوص في أعماق بطلي القصة لينقل ويحلل مشاعر وتجارب إنسانية، تبدأ بالصمت وبه تنتهي.
إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت:
يستخدم الكاتب في هذا النص خدعا فنية وسردية بسيطة مثل الفراشة السوداء، آلة الفلوت، صوت الموسيقى، بالإضافة إلى مجموعة رسائل قصيرة، ليست في حقيقة الأمر إلا تأملات فلسفية حرة، فيبدو النص جديدا ومختلفا.
يرسل البطل إلى صديقته الفنانة التشكيلية على موقع إنستجرام ردا يتضمن إحدى وعشرين رسالة:
(أرسلت صديقتي مقطعا مصورا لامرأة رقيقة تعزف على آلة الفلوت..)
(على حاجب العين اليسرى تقف فراشة سوداء، أقدامها الست ثابتة، وجناحاها يتحركان ليحافظا على توازن ضروري فوق حاجب يتحرك تأثرا بالموسيقى.)
أما الرسائل فهي تأملات فلسفية حرة ولدتها الفراشة ونغمات الفلوت، وصاغها تطبيق إنستجرام في قالب محدد:
(جاءت الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة..)
ولنأخذ بعض نماذج من تلك الرسائل، أو الدفقات الشعورية، أو التأملات الفلسفية.
1. وإذن... تستطيع فراشة صغيرة فوق الوجه أن تغير الإحساس بالمشهد إلى هذا الحد؟
4. تأتي الفراشة لعالمنا - فقط - لكي تغادر.
8. الفلوت والريح توأمان، الفراشة والريح توأمان، والموسيقى هي المسعى المقدس. لولا الموسيقى ما تحررت الريح، ما رقصت الفراشة.
10. وحدهن الأمهات يعرفن أن الأطفال لا يتلقون من الحكايات إلا ألوانها.
15. هل كانت ابنتي الرضيعة هي فراشتي؟ حين وُلدت أعادت برقتها تشكيل المشاهد، ولما كبرت واندفعت في الوجود، عادت للحياة جهامتها.
17. مضحكة للغاية فكرة الفراشة الزاهدة. ما معنى الزهد في حياة لا يتخطى زمنها الأيام العشرة؟
18. فارق مذهل بين عشرة أيام هي عمر الفراشة، ومائة عام هي عمر الإنسان. مذهل ومتباين في كل تفاصيله، بخلاف أن كليهما ينتهي بالموت.
21. إحدى وعشرون رسالة هي فصول حكايتي معك، واحد وعشرون جراما هي وزن الروح. في الفيلم الشهير... كان البطل على سرير الموت يفكر في انخفاض وزنه بما قيمته واحد وعشرون جراما فور وفاته. اسم الفيلم ذاته كان بهذا المعنى. تُرى ما وزن رسائلي إليك؟ وماذا إن كانت الرسائل كبذور الخروب ثابتة الوزن، والواحدة منها بجرام؟.
لكن البطل يتمرد على: (حدود يجب ألا تُخترق)، ويقرر: (على صديقتي أن تستيقظ وتتقبل مني ألف رسالة حتى أفرغ أنا وتمتلئ هي لأقصى حدود التخمة.)، ويعيد رسم اللوحة كما قد ترسمها هي: ("رجل فارغ يمتلئ على مهل". وبعد الانتهاء من رسمتها، يكون لها أن تفرغ عالمها في جوفي على مهل، في ليلة نسهرها حتى آخرها، وننام في النهار التالي بعمق كامل. جسدانا وذاكرتنا مخدرة، فلا نعرف من منا الفارغ ومن الممتلئ، والشمس على وجهينا تعبر ببطء.).
ما أعرفه عن إصلاح:
يعرض الراوي - أو الكاتب - سيرة نمطية لحياة تقليدية لامرأة بائسة، ترعى أمها المريضة الملازمة للفراش:
(لم أر الناس يتفقون على أخلاق شخص مثلما رأيتهم في حالة إصلاح، جزء من هذا الإجماع يعود لطيبتها الحقة، وجزء لعدم تمتعها بأي قدر من الأنوثة. فكانت في مساحة آمنة من أنياب الرجال آكلة اللحوم، وأنياب النساء المرتابات والمدربات على التهام الأنثى حاملة الرائحة. والحاصل أن إجماع الناس على خُلُقها القويم كان في جانب منه سببا في الدفع بها خارج اللعبة، خارج العرض، حيث الأرض الجرداء التي جف فيها البئر، وتأكل الظل من أجساد كانت لرجال عبروا وغابوا.)
لكن الراوي يفاجئنا في خاتمة نصه بانقلاب محير، فيقوم وهو الذي كان طفلا ثم كبر فأصبح رجلا بإغواء إصلاح واختراقها وهي في أسوأ أحوالها، حيث بلغ منها كبر السن والمرض ورتابة الحياة وقسوتها مبلغا زادها بؤسا وجفافا.
قد يبدو انقلاب النص مفاجئا ومحيرا، ولعله يفتقد لأي تفسير منطقي، لكن الكاتب يقود القراء - أو شريحة منهم على الأقل - لاكتشاف ما هو غير متوقع وغير مألوف، فالحياة والبشر لا تسير أحوالها وأحوالهم دائما على وتيرة واحدة، بل هناك مساحات واسعة للاختلاف، للصدمات والمفاجآت.
أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع:
في هذه القصة تأتي اللمسة التي تجعل الكاتب مختلفا وصادقا، تأتي على صورة أربعة أسئلة صباحية توجهها المرأة إلى الرجل:
(سألته: "أين ابتسامتك؟")
(سألته: "متى اشتريتها؟")
(سألته: "ماذا أكلت أمس؟")
(سألته: "تفتكر هتمطر النهاردا؟")
أربعة أسئلة عادية وبسيطة لكنها ترسم حدودا لعلاقة غير بسيطة:
(كانت السهولة تتسرب لرمال الأيام، وهو لا يعرف لمن يلجأ سواها. وحين همَّ أن يفعل ويشكو لها حاله، خاف أن يتسبب في تداخل خيوط القصة، ويفسد الثوب الذي غزلاه معا، غزلته هي إن أردنا الدقة، وكان معظم دوره في الحكاية هو أن يرتديه ويفرح.)
(لو كان يعرف أنها ستمطر، فلن يخبرها... أمطاره حامضة، وكل مياهها عذبة.. "شُهْد" إن أردنا الدقة.)
كل الألوان أزرق:
على نفس الفكرة المركزية/الثيمة يعزف الكاتب لحنا جديدا، فعلى شاطئ البحر الأحمر يخبئ الكاتب ظهور المرأة في الأحداث قليلا، أما الرجل فهو موجود منذ الجمل الأولى، يتأمل زرقة السماء، فتقوده إلى تأملات عن النساك، عن المقيم والمغادر والأنصاف، ويظن القارئ أن الرجل سيواصل تأملاته وحيدا، لكن الكاتب يلجأ إلى حيلة من حيله الفنية والسردية: (أصابته الحمى وارتفعت حرارته)، حينها تظهر المرأة الشابة:
(لماذا اختارت وقت الصيد؟ أم أنها جاءت لتمنح السمكة للصياد وتُطعم انتظاره الأبدي؟)
ثم يلجأ الكاتب إلى حيلة أخرى، فتتبدل الأدوار:
(كانت تبكي، وأمامها لوحة مكتملة البياض.)
(أحاطها بيديه، للحظات شعر أنها تكفيه عمرا. لا يعرف ما يعنيه تعبير "تكفيه"، ولكنه يشعر بأنه تسامح مع الآتي.)
(وقال لنفسه: لا بد أن تبتعد عنها حتى تهدأ مشاعرها المضطربة. يبتعد؟ وهل اقترب؟)
لكن لا مفر من الاقتراب، من التقاء الروحين والجسدين:
(وهي تحتضنه، تسرب أكسجين رقبتها إلى رئتيه، واجتاحته موجة فائرة البياض.)
أُمُّ خَلَاوِي:
لا تنتهي حيل الكاتب الفنية والسردية، حيث تأخذنا أحداث هذه القصة إلى عالم البدو، حيث يعيد رجل المدينة اكتشاف نفسه، ويعيد اكتشاف معانٍ عديدة، من بينها معنى الحب، ومعنى الحياة، يصاحب السماء والجبال والوادي والصحراء، وترافقه في رحلة بحثه الماعز الجبلية، وخاتم فضي يقودنا معه إلى حكاية أسطورية عن تلك المرأة "سجايا":
(خطبتني سجايا في زمن قديم. دائما ما شعرت بوجودها. كنت متأكدا أن الحياة ليست بهذا المنع. تاريخها معي لا يخلو من تجاوب؛ تمنحني الصحراء حين أعاني الصخب، وتجري أمامي النهر حين ينحبس مائي. وتجعل طفلا يناديني باسمي فيُعيد لحروفه الحياة.)
(كنت أعترف من اللحظة الأولى بهزيمتي، فيصرخن انتصارا بقتل ذكر آخر. لم تدرك نساء المدن أن هزيمتي كانت أهم إنجازاتي، وأنها دفعتني خارج تيار الرداءة. وحيدا حقا، لكن متحررا من اللزوجة على جسدي.)
(كانت سجايا في واديها تنتظرني، لكني لم أبذل جهدا حقيقيا في البحث عنها، اكتفيت بأن كنت رجلا حزينا يسير على الشريط الملفوف بإحكام فوق بكرة الأيام.)
(من أجلي تركت سجايا الخاتم والوادي، والاسم. وحدها كانت تعرف أننا سنلتقي، ولكن في أزمان مختلفة)
(تعجلت الاقتراب منها، وتركتني أفعل ولم تهتز، كدت ألمسها لكن ثباتها أعادني خطوة. تعرف سجايا الانتظار والصبر، تعرف الخطو الطبيعي للشمس على أرض الوادي، وكانت تنتظر موعده، تنتظر موعدنا.)
(تخيلت نفسي أسفلها، تغمرني بشعرها المحلول من ضفائر حافظت على الأسود بكرا، تغمرني ببياض جسدها المصون أسفل طبقات الثياب، بكفيها وعينيها وشفتيها ونهديها وساقيها، هي اثنتان، ليست أبدا واحدة، هي عشرون، ترددت رغباتها بين الجبال عبر السنوات، تضاعفت حتى صارت سيلا جارفا في طريقه سدودي، تفجرت صرخة نشوتي من قدمي وسارت بطول الجسد حتى الحلق.)
(عندما انتهت تركتني وفعلت مع ساق إحدى ماعزها مثلما فعلت مع ساقي، نفس الزيت وأوراق الشجر ونظرات السماء. وبقيتُ والماعز ننظر لبعضنا ونبتسم للشفاء.)
كنتُ جالسا على الأرض بجوار رأسها:
يلجأ الكاتب في هذه القصة إلى حيلة فنية وسردية جديدة، فالنص يسجل رؤيا عاشها الراوي:
(بدأت الرؤيا بخروجي من وردية مسائية في مصنع ضخم لا أعرف ماذا يُنتج. كنت أسير وسط العمال والعاملات المجهدين، مندهشا لكوني موظفا لدى آخرين، وهو شيء لم يحدث في حياتي.)
ثم تظهر المرأة في تلك الرؤيا:
(وجه المرأة الشابة فرض نفسه كأول ما أُسجل)
(والمرأة الشابة واقفة أمام الآلة، تضع فيها الكارت وتسحبه لفشل المحاولة. ترتدي بنطالا من قماش رخيص، وفي منتصف ظهرها ضفيرة طويلة غليظة تهتز مع حركاتها المتوترة.)
وكالعادة، يتولّد عن التقاء: (رجل ستيني لم يغير يوما معتقداته.) بالمرأة الشابة اهتزازات في جسد الرجل وروحه:
(اضطربت لعينيها عندما واجهتني، وأخذني جمال وجهها، انسحب ثقل قديم من صدري واندفع مكانه الهواء... فارتددت للخلف خطوتين.)
(كانت جلستي الأخيرة في الحلم قُبالة صدرها، أراقب أنفاسها، ناسيا كل شيء إلا رائحتها التي صعدت فجأة وملأتني.
حررت رائحتها لأنها أحست احتياجي، تركتها عندي كأمانة لأنها اطمأنت لطيبتي.)
(وأنا أمامها أتنفس الجمال والنعومة، أتنفس النجابة، ولا أنتبه لحواف أمانيها المتكسرة وهي تجرح شعاب رئتي مع كل شهيق وزفير)
سيارة محملة بالحصى:
في هذا النص يظهر الرجل والمرأة والابن، وكالعادة، يعاني الرجل من علةٍ ما:
(في الشهور الأخيرة تتكرر معه الحكاية. ليس بانتظام، لكنها تتكرر. وقد يكون بانتظام، دون أن ينتبه للربط بين صورة انطفأت ألوانها، وصوت يصل متأخرا.)
ويعاني من علةٍ أخرى في العلاقة مع زوجته:
(من أربع سنوات توقف، ضاعت من فوق كتفيه نياشين البطولة، وبقي منه الموظف، يعود في الثالثة عصرا، ولا يفعل إلا انتظار صباح العمل التالي. في هذه السنوات الأربع، سقط بجسده ورأسه كان في منتصف تناقضات زوجته، ولم يستطع الخروج. أحيانا يمرض، ترتفع حرارته، ويهذي بحكايات يندهش لها ابنه الوحيد.)
أما الابن فقد تحول إلى ساحة صراع بين الرجل وزوجته التي تركت البيت، واقتربت من نهاية الطريق:
(الابن هو الوحيد الناجي من الانشطار، يستوعب أمه كقديس، ويمارس ارتدادات طويلة، جعلته يقف في بداية الطريق. بعيدا عن القبضتين اللتين تحاولان شطره إلى نصفين، غضب الأم، وكبد الأب.)
ثم يهتدي الرجل إلى الحل:
(سيحرص أن يكون شفافا، حتى لا يراه السائقون ولا يبادر واحد أخرق بالضغط طويلا على آلة التنبيه ليبعده عن طريقه. الأمر الذي يخلق ميزة عظمى تتمثل في عدم اضطراره للبحث عن الصورة التي مرت عليه منذ أيام ليربطها بنفير آلة السيارة التي كان سيسمع، لو رآه السائق، ولو ضغط على النفير، ولو انشغل بأهمية أن يُزيحه من طريقه.)
خاتمة:
تحمل نصوص المجموعة القصصية "كل الألوان أزرق" بعدا ميتافيزيقا واضحا، يتجاوز السطح الهادئ ليغوص في الأعماق المضطربة، ويستكشف دروبا مجهولة، متجاوزا الرؤى والمفاهيم التقليدية عن الأشياء والموجودات، ليعيد إنتاج وطرح الأسئلة ذاتها حول قضايا الوجود والإنسان الكبرى في قوالب جديدة.
مايو 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما بين الأقواس مقتطفات من قصص المجموعة.
1- أن يكون المبدع صادقا.
2- وأن يكون مختلفا.
3- وأن يلقى إبداعه تجاوبا معقولا من شريحة لا بأس بها من جمهور عريض متنوع الاهتمامات والأذواق.
أما عن الصدق، فيشعر به القارئ من كيفية إدارة الكاتب لعناصر قصصه، وتمكنه من استخدام أدواته: (الفكرة، الحبكة، الأحداث، الشخصيات، الزمان والمكان، السرد، الحوار، اللغة.. إلخ)، فالكاتب الصادق تنسكب روحه قطرة بقطرة، وتُظلُّ قصصه أثناء نموها حرفا بحرف، فيحيطك دفء الكتابة بلطف، أما الكاتب المفتعل، فقد يجيد استخدام تلك العناصر والأدوات بحرفية تامة، لكنك تفتقد روحه فتبدو الكتابة باردة أو محايدة نوعا ما.
وأما عن الاختلاف، فيمكنك أن تلمسه عندما ينجح الكاتب في أن يحكي عما يعرفه هو والقارئ تمام المعرفة، لكنه يبدو جديدا ومختلفا بالنسبة لكليهما، أما الأكثر صعوبة وإبداعا، فهو أن ينجح في أن يحكي عما لا يعرفه هو أو القارئ تمام المعرفة، لكنه يبدو لهما مألوفا وقابلا للتصور، وهو يلجأ في ذلك إلى حيل وخدع فنية وسردية متنوعة، تبرز هذا الاختلاف وتؤكده.
وقد يكون تجاوب القراء هو أصعب هذه الشروط - وبصفة خاصة في زماننا هذا - فقد تغير ذوق القراء وتغيرت اهتماماتهم بدرجة يصعب وصفها أو التكهن بها لأي كاتب، وهو تغير مستمر ومتسارع، تحفزه ولا شك سقوط معظم الحواجز - إن لم يكن كلها -، والثورة الرقمية بجوانبها المختلفة: (الاتصالات - المعلومات - الذكاء الاصطناعي.. إلخ)، لكن لحسن الحظ ليس مطلوبا أن يصل الكاتب إلى كل القراء، يكفي أن يصل إلى شريحة معقولة منهم، ولحسن الحظ أيضا أنه إذا نجح الكاتب في تحقيق الشرطين السابقين: الصدق والاختلاف، فسوف ينجح بدرجة معقولة في الوصول إلى شريحة مقبولة من القراء.
وأظن أن الكاتب الصديق / مجدي القشاوي قد نجح في استيفاء هذه الشروط الثلاثة بدرجة كبيرة في مجموعته القصصية الأولى "شروط الوردة"، وقد تناولتها في قراءة سابقة، وكذلك في مجموعته الثانية "كل الألوان أزرق"، التي أتناولها اليوم.
عند قراءتي لمجموعة "شروط الوردة" تحدثت عن:
1- رؤية الكاتب.
2- سيطرته على عناصر قصصه.
3- البناء السردي المتماسك.
4- المزج ببراعة بين الواقع والخيال.
5- التمكن اللغوي.
لن أعود للحديث مرة أخرى عن تلك النقاط فهي موجودة بالتأكيد في "كل الألوان أزرق"، لكنني سوف أتناول على مهل بعضا من قصص المجموعة الجديدة، لكنني يجب أن أشير قبل أن أفعل ذلك إلى أن هناك فكرة مركزية/ثيمة تغلب على معظم قصص المجموعة، ألا وهي: علاقة الرجل بالمرأة، أو علاقة المرأة بالرجل، فأغلب النصوص ليست إلا تنويعات مدهشة على لحن تلك العلاقة الخالدة والأزلية، ويتجلى نجاح الكاتب في قدرته على تناول هذه الفكرة المركزية/الثيمة بتنوع مؤثر ومبهج، ويستخدم حيلا فنية وسردية، فينجح في تحويل الواقع والخيال وما هو بينهما إلى نصوص حية ومتجددة.
طبيعة صامتة:
في الفن التشكيلي، نعرف ما يُطلق عليه "لوحات الطبيعة الصامتة"، وهو أمر شائع ومقبول، أما في الأدب فهو ممكن أيضا.
ينقل إلينا الكاتب من خلال هذا النص - وغيره من النصوص - صورا كثيفة لبطلي النص، وما يحيط بهما من أشياء وموجودات.
يصف الكاتب كل شيء، كوبي القهوة، الحلوى المصنوعة من البطاطا ودقيق الشوفان، طبق الحلوى المستطيل وعلى أحد أضلاعه وردتان صغيرتان، وعشرات التفاصيل التي يصعب حصرها، لكن الأهم أنه يصف بدقة الحالة النفسية والجسدية لبطلي النص، يغوص في الأعماق، وفي العوالم الداخلية، فنتابع تشكّل قرص الموزاييك من قطع صغيرة مهشمة وحادة، كتلك القطع المهشمة داخل كل منهما، ويستمر الوصف ويتصاعد حتى تنتهي البطلة من اللوحة:
(ما أسميته منضدة هو إطار سيارة قديم، عليه قرص من الخشب بنفس الاستدارة، لُصق سطحه بمئات من قطع الموزاييك، وبألوان اشتُقّت كلها من الأزرق...)
ويعطل البطل أربع حواس ليشحذ الحاسة الخامسة: حاسة الشم، حيث:
(الروائح مجتمعة تذوب في أنفي وتنتقل مباشرة للروح..)
(قلت بصوت بدا رغم وهنه مرتفعا: لا زمن للرائحة.)
(توجهت نحوها وقلت: دائما ما تمنيت أن يكتب أحد الأدباء نصا يصلح لأن نطلق عليه "طبيعة صامتة".
ضحكت، ثم صمتت، ثم قالت: ما تكتبه أنت.
قلت: أنا؟
وقلت: أنا أجلس أسفل الأشجار.
فأشارت إلى المنضدة وكوبي القهوة وطبق الحلوى.
قالت إن الضباب صنع بروازا عظيما أطر المشهد. وما عليك إلا أن تمسك بقلمك وتنقل ما ترى.)
لكن اللوحة تتجدد عند كل استدارة، كتجدد الحياة، وينتهي النص باستعادة لوحة أخرى غير مكتملة، لكنها تكتمل بوصف البطل، وتفجر مشاعره وأحاسيسه:
(والآلة جعلتني أشعر بإحساس عائد من سفر طويل، يبحث فيه عن وردة الصحراء، وعن ماء يسقيها، وحاجز يحميها من زحف الرمال. وعندما اطمأن عليها تركها في صحرائها، وعاد يلملم ذاته.)
يقدم النص بنعومة وسلاسة تشريحا هادئا لعلاقة غنية ومؤثرة، ويغوص في أعماق بطلي القصة لينقل ويحلل مشاعر وتجارب إنسانية، تبدأ بالصمت وبه تنتهي.
إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت:
يستخدم الكاتب في هذا النص خدعا فنية وسردية بسيطة مثل الفراشة السوداء، آلة الفلوت، صوت الموسيقى، بالإضافة إلى مجموعة رسائل قصيرة، ليست في حقيقة الأمر إلا تأملات فلسفية حرة، فيبدو النص جديدا ومختلفا.
يرسل البطل إلى صديقته الفنانة التشكيلية على موقع إنستجرام ردا يتضمن إحدى وعشرين رسالة:
(أرسلت صديقتي مقطعا مصورا لامرأة رقيقة تعزف على آلة الفلوت..)
(على حاجب العين اليسرى تقف فراشة سوداء، أقدامها الست ثابتة، وجناحاها يتحركان ليحافظا على توازن ضروري فوق حاجب يتحرك تأثرا بالموسيقى.)
أما الرسائل فهي تأملات فلسفية حرة ولدتها الفراشة ونغمات الفلوت، وصاغها تطبيق إنستجرام في قالب محدد:
(جاءت الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة..)
ولنأخذ بعض نماذج من تلك الرسائل، أو الدفقات الشعورية، أو التأملات الفلسفية.
1. وإذن... تستطيع فراشة صغيرة فوق الوجه أن تغير الإحساس بالمشهد إلى هذا الحد؟
4. تأتي الفراشة لعالمنا - فقط - لكي تغادر.
8. الفلوت والريح توأمان، الفراشة والريح توأمان، والموسيقى هي المسعى المقدس. لولا الموسيقى ما تحررت الريح، ما رقصت الفراشة.
10. وحدهن الأمهات يعرفن أن الأطفال لا يتلقون من الحكايات إلا ألوانها.
15. هل كانت ابنتي الرضيعة هي فراشتي؟ حين وُلدت أعادت برقتها تشكيل المشاهد، ولما كبرت واندفعت في الوجود، عادت للحياة جهامتها.
17. مضحكة للغاية فكرة الفراشة الزاهدة. ما معنى الزهد في حياة لا يتخطى زمنها الأيام العشرة؟
18. فارق مذهل بين عشرة أيام هي عمر الفراشة، ومائة عام هي عمر الإنسان. مذهل ومتباين في كل تفاصيله، بخلاف أن كليهما ينتهي بالموت.
21. إحدى وعشرون رسالة هي فصول حكايتي معك، واحد وعشرون جراما هي وزن الروح. في الفيلم الشهير... كان البطل على سرير الموت يفكر في انخفاض وزنه بما قيمته واحد وعشرون جراما فور وفاته. اسم الفيلم ذاته كان بهذا المعنى. تُرى ما وزن رسائلي إليك؟ وماذا إن كانت الرسائل كبذور الخروب ثابتة الوزن، والواحدة منها بجرام؟.
لكن البطل يتمرد على: (حدود يجب ألا تُخترق)، ويقرر: (على صديقتي أن تستيقظ وتتقبل مني ألف رسالة حتى أفرغ أنا وتمتلئ هي لأقصى حدود التخمة.)، ويعيد رسم اللوحة كما قد ترسمها هي: ("رجل فارغ يمتلئ على مهل". وبعد الانتهاء من رسمتها، يكون لها أن تفرغ عالمها في جوفي على مهل، في ليلة نسهرها حتى آخرها، وننام في النهار التالي بعمق كامل. جسدانا وذاكرتنا مخدرة، فلا نعرف من منا الفارغ ومن الممتلئ، والشمس على وجهينا تعبر ببطء.).
ما أعرفه عن إصلاح:
يعرض الراوي - أو الكاتب - سيرة نمطية لحياة تقليدية لامرأة بائسة، ترعى أمها المريضة الملازمة للفراش:
(لم أر الناس يتفقون على أخلاق شخص مثلما رأيتهم في حالة إصلاح، جزء من هذا الإجماع يعود لطيبتها الحقة، وجزء لعدم تمتعها بأي قدر من الأنوثة. فكانت في مساحة آمنة من أنياب الرجال آكلة اللحوم، وأنياب النساء المرتابات والمدربات على التهام الأنثى حاملة الرائحة. والحاصل أن إجماع الناس على خُلُقها القويم كان في جانب منه سببا في الدفع بها خارج اللعبة، خارج العرض، حيث الأرض الجرداء التي جف فيها البئر، وتأكل الظل من أجساد كانت لرجال عبروا وغابوا.)
لكن الراوي يفاجئنا في خاتمة نصه بانقلاب محير، فيقوم وهو الذي كان طفلا ثم كبر فأصبح رجلا بإغواء إصلاح واختراقها وهي في أسوأ أحوالها، حيث بلغ منها كبر السن والمرض ورتابة الحياة وقسوتها مبلغا زادها بؤسا وجفافا.
قد يبدو انقلاب النص مفاجئا ومحيرا، ولعله يفتقد لأي تفسير منطقي، لكن الكاتب يقود القراء - أو شريحة منهم على الأقل - لاكتشاف ما هو غير متوقع وغير مألوف، فالحياة والبشر لا تسير أحوالها وأحوالهم دائما على وتيرة واحدة، بل هناك مساحات واسعة للاختلاف، للصدمات والمفاجآت.
أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع:
في هذه القصة تأتي اللمسة التي تجعل الكاتب مختلفا وصادقا، تأتي على صورة أربعة أسئلة صباحية توجهها المرأة إلى الرجل:
(سألته: "أين ابتسامتك؟")
(سألته: "متى اشتريتها؟")
(سألته: "ماذا أكلت أمس؟")
(سألته: "تفتكر هتمطر النهاردا؟")
أربعة أسئلة عادية وبسيطة لكنها ترسم حدودا لعلاقة غير بسيطة:
(كانت السهولة تتسرب لرمال الأيام، وهو لا يعرف لمن يلجأ سواها. وحين همَّ أن يفعل ويشكو لها حاله، خاف أن يتسبب في تداخل خيوط القصة، ويفسد الثوب الذي غزلاه معا، غزلته هي إن أردنا الدقة، وكان معظم دوره في الحكاية هو أن يرتديه ويفرح.)
(لو كان يعرف أنها ستمطر، فلن يخبرها... أمطاره حامضة، وكل مياهها عذبة.. "شُهْد" إن أردنا الدقة.)
كل الألوان أزرق:
على نفس الفكرة المركزية/الثيمة يعزف الكاتب لحنا جديدا، فعلى شاطئ البحر الأحمر يخبئ الكاتب ظهور المرأة في الأحداث قليلا، أما الرجل فهو موجود منذ الجمل الأولى، يتأمل زرقة السماء، فتقوده إلى تأملات عن النساك، عن المقيم والمغادر والأنصاف، ويظن القارئ أن الرجل سيواصل تأملاته وحيدا، لكن الكاتب يلجأ إلى حيلة من حيله الفنية والسردية: (أصابته الحمى وارتفعت حرارته)، حينها تظهر المرأة الشابة:
(لماذا اختارت وقت الصيد؟ أم أنها جاءت لتمنح السمكة للصياد وتُطعم انتظاره الأبدي؟)
ثم يلجأ الكاتب إلى حيلة أخرى، فتتبدل الأدوار:
(كانت تبكي، وأمامها لوحة مكتملة البياض.)
(أحاطها بيديه، للحظات شعر أنها تكفيه عمرا. لا يعرف ما يعنيه تعبير "تكفيه"، ولكنه يشعر بأنه تسامح مع الآتي.)
(وقال لنفسه: لا بد أن تبتعد عنها حتى تهدأ مشاعرها المضطربة. يبتعد؟ وهل اقترب؟)
لكن لا مفر من الاقتراب، من التقاء الروحين والجسدين:
(وهي تحتضنه، تسرب أكسجين رقبتها إلى رئتيه، واجتاحته موجة فائرة البياض.)
أُمُّ خَلَاوِي:
لا تنتهي حيل الكاتب الفنية والسردية، حيث تأخذنا أحداث هذه القصة إلى عالم البدو، حيث يعيد رجل المدينة اكتشاف نفسه، ويعيد اكتشاف معانٍ عديدة، من بينها معنى الحب، ومعنى الحياة، يصاحب السماء والجبال والوادي والصحراء، وترافقه في رحلة بحثه الماعز الجبلية، وخاتم فضي يقودنا معه إلى حكاية أسطورية عن تلك المرأة "سجايا":
(خطبتني سجايا في زمن قديم. دائما ما شعرت بوجودها. كنت متأكدا أن الحياة ليست بهذا المنع. تاريخها معي لا يخلو من تجاوب؛ تمنحني الصحراء حين أعاني الصخب، وتجري أمامي النهر حين ينحبس مائي. وتجعل طفلا يناديني باسمي فيُعيد لحروفه الحياة.)
(كنت أعترف من اللحظة الأولى بهزيمتي، فيصرخن انتصارا بقتل ذكر آخر. لم تدرك نساء المدن أن هزيمتي كانت أهم إنجازاتي، وأنها دفعتني خارج تيار الرداءة. وحيدا حقا، لكن متحررا من اللزوجة على جسدي.)
(كانت سجايا في واديها تنتظرني، لكني لم أبذل جهدا حقيقيا في البحث عنها، اكتفيت بأن كنت رجلا حزينا يسير على الشريط الملفوف بإحكام فوق بكرة الأيام.)
(من أجلي تركت سجايا الخاتم والوادي، والاسم. وحدها كانت تعرف أننا سنلتقي، ولكن في أزمان مختلفة)
(تعجلت الاقتراب منها، وتركتني أفعل ولم تهتز، كدت ألمسها لكن ثباتها أعادني خطوة. تعرف سجايا الانتظار والصبر، تعرف الخطو الطبيعي للشمس على أرض الوادي، وكانت تنتظر موعده، تنتظر موعدنا.)
(تخيلت نفسي أسفلها، تغمرني بشعرها المحلول من ضفائر حافظت على الأسود بكرا، تغمرني ببياض جسدها المصون أسفل طبقات الثياب، بكفيها وعينيها وشفتيها ونهديها وساقيها، هي اثنتان، ليست أبدا واحدة، هي عشرون، ترددت رغباتها بين الجبال عبر السنوات، تضاعفت حتى صارت سيلا جارفا في طريقه سدودي، تفجرت صرخة نشوتي من قدمي وسارت بطول الجسد حتى الحلق.)
(عندما انتهت تركتني وفعلت مع ساق إحدى ماعزها مثلما فعلت مع ساقي، نفس الزيت وأوراق الشجر ونظرات السماء. وبقيتُ والماعز ننظر لبعضنا ونبتسم للشفاء.)
كنتُ جالسا على الأرض بجوار رأسها:
يلجأ الكاتب في هذه القصة إلى حيلة فنية وسردية جديدة، فالنص يسجل رؤيا عاشها الراوي:
(بدأت الرؤيا بخروجي من وردية مسائية في مصنع ضخم لا أعرف ماذا يُنتج. كنت أسير وسط العمال والعاملات المجهدين، مندهشا لكوني موظفا لدى آخرين، وهو شيء لم يحدث في حياتي.)
ثم تظهر المرأة في تلك الرؤيا:
(وجه المرأة الشابة فرض نفسه كأول ما أُسجل)
(والمرأة الشابة واقفة أمام الآلة، تضع فيها الكارت وتسحبه لفشل المحاولة. ترتدي بنطالا من قماش رخيص، وفي منتصف ظهرها ضفيرة طويلة غليظة تهتز مع حركاتها المتوترة.)
وكالعادة، يتولّد عن التقاء: (رجل ستيني لم يغير يوما معتقداته.) بالمرأة الشابة اهتزازات في جسد الرجل وروحه:
(اضطربت لعينيها عندما واجهتني، وأخذني جمال وجهها، انسحب ثقل قديم من صدري واندفع مكانه الهواء... فارتددت للخلف خطوتين.)
(كانت جلستي الأخيرة في الحلم قُبالة صدرها، أراقب أنفاسها، ناسيا كل شيء إلا رائحتها التي صعدت فجأة وملأتني.
حررت رائحتها لأنها أحست احتياجي، تركتها عندي كأمانة لأنها اطمأنت لطيبتي.)
(وأنا أمامها أتنفس الجمال والنعومة، أتنفس النجابة، ولا أنتبه لحواف أمانيها المتكسرة وهي تجرح شعاب رئتي مع كل شهيق وزفير)
سيارة محملة بالحصى:
في هذا النص يظهر الرجل والمرأة والابن، وكالعادة، يعاني الرجل من علةٍ ما:
(في الشهور الأخيرة تتكرر معه الحكاية. ليس بانتظام، لكنها تتكرر. وقد يكون بانتظام، دون أن ينتبه للربط بين صورة انطفأت ألوانها، وصوت يصل متأخرا.)
ويعاني من علةٍ أخرى في العلاقة مع زوجته:
(من أربع سنوات توقف، ضاعت من فوق كتفيه نياشين البطولة، وبقي منه الموظف، يعود في الثالثة عصرا، ولا يفعل إلا انتظار صباح العمل التالي. في هذه السنوات الأربع، سقط بجسده ورأسه كان في منتصف تناقضات زوجته، ولم يستطع الخروج. أحيانا يمرض، ترتفع حرارته، ويهذي بحكايات يندهش لها ابنه الوحيد.)
أما الابن فقد تحول إلى ساحة صراع بين الرجل وزوجته التي تركت البيت، واقتربت من نهاية الطريق:
(الابن هو الوحيد الناجي من الانشطار، يستوعب أمه كقديس، ويمارس ارتدادات طويلة، جعلته يقف في بداية الطريق. بعيدا عن القبضتين اللتين تحاولان شطره إلى نصفين، غضب الأم، وكبد الأب.)
ثم يهتدي الرجل إلى الحل:
(سيحرص أن يكون شفافا، حتى لا يراه السائقون ولا يبادر واحد أخرق بالضغط طويلا على آلة التنبيه ليبعده عن طريقه. الأمر الذي يخلق ميزة عظمى تتمثل في عدم اضطراره للبحث عن الصورة التي مرت عليه منذ أيام ليربطها بنفير آلة السيارة التي كان سيسمع، لو رآه السائق، ولو ضغط على النفير، ولو انشغل بأهمية أن يُزيحه من طريقه.)
خاتمة:
تحمل نصوص المجموعة القصصية "كل الألوان أزرق" بعدا ميتافيزيقا واضحا، يتجاوز السطح الهادئ ليغوص في الأعماق المضطربة، ويستكشف دروبا مجهولة، متجاوزا الرؤى والمفاهيم التقليدية عن الأشياء والموجودات، ليعيد إنتاج وطرح الأسئلة ذاتها حول قضايا الوجود والإنسان الكبرى في قوالب جديدة.
مايو 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما بين الأقواس مقتطفات من قصص المجموعة.