جعفر الديري - ىسرُّ النفسِ المطمئنّة .. قصة قصيرة

هذا هو الشَّهر العاشر الذي يقضِي معظم ساعاته في العمل، إنَّه يعمل ست عشرة ساعة يوميا، حتَّى في أيَّام العطل الرسميَّة، جاهداً في الوفاء بالتزاماته، محاولاً تقليص القروض التي تثقل ظهره. ما يهوِّن الأمر، تفهُّم زوجِه وتحمَّلها ظروفه الصَّعبة، ونيابتها عنه في القيامِ بحقوق أبنائِه على أكمل وجه.

لقد ألِفَ المكان، والمدرسة التي يعمل فيها، فهو اليوم جزء منها، يحظى بتقدير المدير والطاقم الإداريِّ والتعليمي، أمَّا الفرَّاشون والمنظِّفون، فزملاء مقرَّبون، وصَاحب محلِّ السمبوسة الآسيوي، المُواجِه للمدرسة، يلقي عليه السلام، وقيمُّ المسجد الشاب، يبادره بالتحية، وكلُّ من في هذا الشارع، يلمس في كلماتهم مودَّة صَادقة تجَاهه.

رغم ذلك، لا يخلو الأمر من شعور بالضَّجر بين حين وآخر، فلطالما كانت أمنيَّته أنْ يصْبح مُدرَّسا، يساهم في تربية النشء، غير أنَّ المقادير أبتْ إلاَّ أنْ تحرمه حلمه الصغير، حين أصيب بمرض، أقعده سنوات عدّة، وحين تماثل للشفاء، كان العمر قد تقدَّم به، وأوجب عليه البحث عن أيِّ عمل، ومن ثمَّ الزواج وإنجاب الأبناء، والانشغال بتأمين لقمة العيش، لينتهي به الحال حارس أمن، ينتظر متى يفي بديونه، ويتقاعد ويستريح بعد طول عناء.

وإنَّه ليشفق على نفسه، حين يتذكُّر اجتهَاده في دروسه في الثانويَّة العامّة، وتفوُّقه في مادَّة الرياضيات على وجه الخصُوص، وما زال يتذكٌّر كلمات مدرِّس المَّادة وثنائه عليه، وتوقّعه مستقبلاً باهراً له.

ابنته فاطمة، وحسب، هي ما خرج به من الدنيا، ذكيَّة، طيبة القلب، كأمِّها، متفوِّقة سترفع رأسَه إن شاء الله، وليس ببعيد أن يسعده الحظ بفلاح طفليه التوأم، أمَّا ولده خليل، فقلقٌ دائم فيما يبدو؛ لا تكاد تنقطع مشاكله مع الناس!.

رفع يده، من حيث يقف عند باب المدرسة، فهزَّ الآسيوي رأسه، وأتاه بكوب الكرك الذي يحبُّه. عاد به إلى حجرة الحارس، وتناول رشفات منه، ثمَّ أخرج من جيب الطاولة، كتابا متوسِّط الحجم، تزيُّنه صُوره الكاتب الأثير لديه، راح يقرأ ما تيسَّر منه من قصص، بينما عيناه ترقبان الشَّارع من خصَاص النافذة المفتُوحَة..

- السّلام عليكم.

انتبه إلى مصْدر الصَّوت، فشَاهد من النافذة، حجِّي محمد، متوكَّئاً على عصَاه، إنَّه زميل قديم رافقَه في أكثر من مدرسَة، قبل أن يجبره المرض أو الأمراض على التَّقاعد المبكّر، وكلُّها أمراض مزمنة، لا أمل له في الشفاء منها، وهو المعروف بحماقته وسرعة غضبه..

- وعليكم السلام، أهلاً حجِّي محمد، تفضَّل بالدخول، الباب مفتوح.

ودخل الحَاج يوسف، وألقى بجسمه على الكرسي، ثمَّ قال دون مقدِّمات:

- لا أعلم لمَاذا حظِّي سيء دوناً عن العالمين.

- ماذا حدث؟

- التعساء، دائماً مع أمِّهم في الصَّغيرة والكبيرة، لا يقفون معي في شيء، وهي تعينهم علي.

- هوِّن عليك، لا ترفع ضغطك.

- ومع ذلك لا يكفُّ الناس عن مطالعتي بعيون الحسد.

ثم قال دون مقدِّمات:

- هل تتذكّر أبو أحمد الحَارس الذي سبقك؟

- أجل أتذكّره جيَّدا، ما به؟

- تزوّجت ابنته بالأمس.

- ألف مبروك.

- تزوّجت مُدرّسا!.

- بارك الله له، وماذا في ذلك؟

- مَاذا في ذلك؟ هذا الثور تتزوج ابنته مدرِّساً، وتظل ابنتي دون زواج حتى الآن.

ولم يستطع تحمِّل المزيد من كلامه فقال بحدَّة:

- ارحم نفسك يا أخي، حتَّى متى تظلُّ تأكل في نفسِك هكذا؟

ولم يجب حجي محمد بكلمة، ظلَّ محدِّقا به، ثمَّ وقف دفعة واحدة رغم ثقل جسمه، ومضى وهو يقول:

- العتب علي أن حسبتك صديقي، لا أريد رؤيتك بعد اليوم.

ولم يُحاول منعه من الذهاب، فالحقُّ أنَّه ضاق ذرعاً بتصرُّفاته الرَّعناء، ولم يعد يطيق الحديث مع رجل لا يتوقَّف لسانه عن ذمِّ الناس، واتهامهم بالكذب والخداع، وتمنِّي زوال نعمتهم.

عاد إلى كتابه، حين رنَّ هاتفه، كان رقم تلفون ابنته فاطمة، سمعها تقول بسعادة:

- بارك لي أبي، لقد ظهرت النتائج، الأولى على المدرسة ولله الحمد.

تطلَّع إلى السّماء، ورفع يديه شاكراً الله على هذا التوفيق، وقال مغالباً دموعه:

- ألف مبروك يا ابنتي، ألف مبروك، لقد رفعت رأسي عالياً.

ثم سجد لله شاكراً نعمائه.

تمت


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى