غانية ملحيس - العقل الأداتي تحت النار: الحروب وفخ الأزمات المركّبة في النظام العالمي

أولا: مأزق حضارة الحداثة الغربية المادية
العقل الأداتي الذي حكم الحداثة المادية، والقائم على تحويل العالم إلى منظومة موارد قابلة للإدارة والسيطرة، يجد نفسه اليوم أمام حدود قدرته على إنتاج الاستقرار الذي وعد به. فبدلا من نظام عالمي مستقر تقوده السوق والتكنولوجيا، يتشكل تدريجيا فضاء دولي أكثر هشاشة وانقساما، تتنافس فيه الكتل الجيوسياسية على التحكم في الموارد والممرات الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحرب الأمريكية - الاسرائيلية على إيران والمنطقة مجرد أزمة إقليمية، بل لحظة كاشفة لمرحلة انتقالية يعيشها النظام العالمي نفسه، حيث تتآكل الأسس التي قامت عليها العولمة الليبرالية، دون أن تتبلور بعد قواعد نظام بديل قادر على تنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية على مستوى الكوكب.
فالأزمة التي تكشفها الحرب الحالية على فلسطين وإيران ولبنان لا تقتصر على اختلالات الاقتصاد العالمي، أو إعادة توزيع القوة والنفوذ داخل الإقليم، بل تمسّ البنية الأعمق للخيال الحضاري الذي حكم الحداثة الغربية المادية العنصرية منذ قرون. فقد قام هذا الخيال على تصور العالم بوصفه منظومة قابلة للقياس والإدارة، حيث تُختزل الطبيعة والإنسان والمجتمعات إلى موارد داخل شبكة عقل أداتي تسعى إلى التحكم الغربي وتعظيم السيطرة. لكن حين تصل هذه المنظومة إلى حدودها، لا تجد أمامها سوى توسيع مجال إدارتها للأزمات، حتى لو كان ذلك عبر إنتاج أشكال جديدة من الحروب المدمرة والعنف المنظم.
في هذا السياق، لا تبدو الحروب المعاصرة مجرد وسائل لتحقيق أهداف سياسية، بل تتحول إلى جزء من آلية أوسع لإدارة الاختلالات البنيوية للنظام نفسه. فبدلا من ان تعالج الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية جذورها العميقة، يجري تحويلها إلى صراعات جيوسياسية يعاد من خلالها ترتيب الموارد والأسواق وموازين القوة. وهنا يظهر التناقض الأكثر خطورة في منطق الحداثة الأداتية: فهي قادرة على إدارة التعقيد التقني الهائل الذي أنتجته، لكنها تفشل في إنتاج معنى أخلاقي أو حضاري يحدّ من اندفاعها نحو الحروب. ومن هذه الزاوية، تصبح مشاهد التدمير والإبادة التي يشهدها العالم اليوم - من غزة إلى لبنان وإيران وجبهات أخرى في المنطقة وخارجها - ليست مجرد انحرافات عن النظام الدولي، بل أعراضا لنموذج حضاري بلغ حدا من الاختزال جعل إدارة الحياة نفسها تمرّ عبر إدارة الموت. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه هذه اللحظة التاريخية لا يتعلق فقط بمن سيربح هذه الحرب أو تلك، بل بما إذا كان النظام الذي أنتجها ما يزال قادرا على الاستمرار دون أن يقود العالم إلى دورات متزايدة من الفوضى تهدد استمرار الوجود الانساني على كوكب الأرض.

ثانيا: من إبادة غزة إلى الحرب على إيران:
لم تعد الحروب المعاصرة مجرد صراعات على الأرض أو الموارد، بل أصبحت مرايا تكشف عن أعمق أزمات النظام العالمي نفسه.
الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على فلسطين وإيران ولبنان والمنطقة ليست مجرد مواجهة جيوسياسية حول النفوذ أو الأمن الإقليمي. فالأحداث الجارية تكشف، على نحو متزايد، عن مأزق بنيوي أعمق في النظام السياسي والاقتصادي الدولي، الذي تشكّل منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن العشرين. لقد قام هذا النظام على افتراض أن القوة العسكرية والعولمة الاقتصادية سيضمنان استقرارا دائما للأسواق الدولية وممرات الطاقة والتجارة. غير أن الحروب المتكررة في العقود الأخيرة، من أفغانستان إلى العراق إلى أوكرانيا، ومحاولة حسم الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وعموم الصراع العربي - الصهيونى بالقوة لاستيلاد شرق أوسط جديد يقوده الكيان الاستعماري الغربي الصهيوني الإحلالي، وصولا إلى حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية المتواصلة منذ السابع من تشرين الأول 2023، واتساع ساحات الحرب في لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، تشير إلى أن هذا الاستقرار لم يكن سوى توازن هشّ، يعتمد في جوهره على إدارة الأزمات بالقوة.

ثالثا: لحظة انكشاف العقل الأداتي في اختبار الفخ المركب
الحرب الأمريكية - الصهيونية على فلسطين وإيران ولبنان وعموم المنطقة العربية - الإسلامية ليست استثناء. وتمثل تطبيقا حيا لمفهوم الفخ المركّب، كما بينه المقال السابق“ الفخ المركّب: تفكّك المعنى وتزامن الاختبارات في عالم يتجاوز حدوده " ، الذي يشير إلى تأثير تزامن الأزمات الاستراتيجية، على بعضها البعض في منظومة واحدة متشابكة. إذ لم تعد الأزمات والحروب أحداثا منفصلة، بل نظاما معقدا تتقاطع فيه الحروب العسكرية والاقتصادية وحروب الطاقة في لحظة واحدة.
خلال الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية - الاسرائيلية على إيران، والتي امتدت إلى لبنان والقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية في دول الخليج والعراق والأردن وقبرص، وإلى ومضيق هرمز الذي تعبر منه خمس التجارة النفطية العالمية. تتجلى تأثيرات الحرب بوضوح في ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، اضطراب أسواق الأسهم، تعطل سلاسل الإمداد، وتحويل الاستثمار نحو الصناعات العسكرية. كل هذه المؤشرات تؤكد أن الصراع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل آلية لإعادة ضبط النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. فالحروب اليوم ليست مجرد أحداث عابرة، بل اختبار عملي للفخ المركّب، واختبار لحدود العقل الأداتي، ولقدرة الحداثة المادية على الاستمرار.
وهذا يطرح سؤالا جوهريا: " إلى أي حد يمكن للنظام الذي صاغ الحداثة المادية أن يواصل إدارة العالم دون أن يفقد مشروعيته الأخلاقية؟”
رابعا: الحرب والاقتصاد
الحرب الأمريكية على مصادر الطاقة العالمية عموما، والحرب الأمريكية - الإسرائيلية الحالية على إيران خصوصا، لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تكشف عن الترابط العميق بين الصراع العسكري والبنية الاقتصادية للنظام الدولي. ففي عالم مترابط يعتمد على تدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية، تتحول أي مواجهة عسكرية كبرى إلى صدمة اقتصادية عابرة للحدود.
خلال الأسبوع الأول من الحرب ظهرت مؤشرات واضحة على هذا الترابط:
• ارتفاع أسعار النفط وفق تقارير الأسواق العالمية من 70 إلى نحو 90 دولارا للبرميل، مع توقعات ببلوغها 150 دولارا إذا استمر الصراع.
• خسارة الأسواق المالية العالمية تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية خلال أيام قليلة نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.
• ارتفاع تكاليف النقل البحري والجوي والتأمين، وتعطل بعض سلاسل الإمداد الصناعية وتحويل مسارات الشحن الدولية.
هذه المؤشرات تعكس حقيقة أن الاقتصاد العالمي لم يعد قادرا على الفصل بين الحرب والسياسة والأسواق، وأن أي صراع كبير في مناطق استراتيجية للطاقة أو التجارة يتحول مباشرة إلى عامل عدم استقرار اقتصادي عالمي.
الحرب الحالية تعكس انتقال العالم تدريجيا من نموذج العولمة الاقتصادية إلى اقتصاد الحرب، حيث تتحول الصراعات العسكرية إلى آلية لإعادة توزيع القوة، وإعادة توجيه الصناعات الاستراتيجية، مثلما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، لكن بخصوصية العصر الحديث:
• تزايد ميزانيات الدفاع في الغرب ودول حلف الناتو بشكل غير مسبوق منذ بدء الحرب في أوكرانيا في شباط/ فبراير 2022.
• تحويل الاقتصاد الصناعي نحو الإنتاج العسكري
• عودة دور الدولة في توجيه الاقتصاد، بعد عقود من هيمنة نموذج السوق الحرة في مرحلة العولمة النيوليبرالية.
• محاولة تأجيل الأزمات البنيوية للرأسمالية الغربية التي تواجه تباطؤ النمو، ارتفاع معدلات التضخم، ارتفاع الديون السيادية إلى معدلات غير مسبوقة، وتراجع الإنتاج السلعي لصالح الاقتصاد المالي.
هذه الصدمات الاقتصادية ليست مجرد آثار جانبية، بل تعكس تحولا أعمق، إذ تكشف الحرب الراهنة عن مفارقة أساسية: فالنظام الذي سعى إلى تنظيم العالم عبر السوق والعولمة، يجد نفسه مضطرا إلى الاعتماد على آليات اقتصاد الحرب للحفاظ على توازنه.
خامسا: العولمة المتصدعة تحت ضغط الفخ المركب
تكشف الحرب على إيران هشاشة العولمة الاقتصادية النيوليبرالية:
• الاعتماد على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20٪ من النفط التجاري العالمي، يجعل الأسواق العالمية عرضة لتقلبات حادة.
• تزامن تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على المنطقة مع حرب الرسوم الجمركية الأمريكية على العالم،
ومع التراجع التدريجي في استخدام الدولار كعملة دولية، لتشكل ضغطا مزدوجا على المركز الأمريكي المهيمن.
• تزامن الصراع في الشرق الأوسط، مع الحرب الغربية - الروسية في أوكرانيا، والتوترات مع الصين حول تايوان، يدفع العالم نحو نظام متعدد الكتل بدل العولمة المفتوحة.
سادسا: أزمة الشرعية في النظام الدولي
لم تعد غزة تُقرأ بوصفها ساحة صراع فلسطيني - إسرائيلي فحسب، بل بوصفها لحظة اختبار مكثفة للبنية السياسية والأخلاقية للنظام الدولي. والحروب المتسلسلة على امتداد الكرة الأرضية تكشف أزمة شرعية في النظام الدولي نفسه:
• مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية، منظمة الطاقة العالمية، ومؤسسات العدالة الدولية (محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية)، تواجه تحديات هائلة بسبب الهيمنة الأمريكية والغربية التي تقوض دورها الوظيفي في حل الصراعات الجيوسياسية.
• التصدعات المجتمعية التي يعمّقها الصراع الطبقي، والانهيار الأخلاقي للنخب النيوليبرالية المعولمة التي تمتلك السلطة والقوة والثروة، والتي كشف فضائحها ملف إبستين، في بيئة إعلامية كونية فورية، حيث لم يعد من الممكن احتواء السرديات ضمن حدود جغرافية. الصور، التقارير، والخطابات تتداول عالميا في اللحظة ذاتها، ما يعيد تشكيل المجال الأخلاقي الدولي.
• فقدان الثقة في النظام الليبرالي العالمي يعكس أزمة أعمق في القدرة على إنتاج سردية مقنعة توازن بين القوة والشرعية.
سابعا: لحظة الاختبار
إذا كان العالم قد عرف في مراحل سابقة أزمات متعاقبة يمكن احتواؤها عبر إعادة توزيع القوة وترميم التحالفات، فإن ما يواجهه اليوم يختلف في طبيعته. فالأزمة الراهنة لا تتعلق بحدث منفرد أو جبهة محددة، بل بحالة تزامن كثيفة للاختبارات تضغط على النظام الدولي في وقت واحد: حرب مفتوحة في أوكرانيا والشرق الأوسط، استنزاف اقتصادي عالمي، سباق تقني يعيد تشكيل القوة، تصدعات داخلية متنامية، تآكل متزايد في شرعية الحكومات، وانهيار القواعد التي استند إليها النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال الأساسي متعلقا بمن ينتصر في معركة هنا أو هناك، بل بقدرة النظام الدولي القائم، بعد سقوط القواعد التي قام عليها، على الاستمرار في إنتاج المعنى الذي يبرر سلطته وقواعده.
فحين تتسع الفجوة بين القوة التي تمارس الهيمنة والمعايير التي تزعم تمثيلها، يصبح النظام أكثر عرضة لما يمكن تسميته تفكك المعنى، وهو الشرط الذي يجعل الأزمات المتزامنة تتحول من أحداث منفصلة إلى ما يشبه الفخ المركّب الذي يضغط على بنيته من جهات متعددة في آن واحد.
من هنا، قد لا يكون ما نشهده اليوم مجرد تصاعد في مستوى الصراعات، بل لحظة اختبار تاريخية لقدرة النظام العالمي على إعادة إنتاج نفسه.
فإما أن ينجح في امتصاص هذه الاختبارات عبر إعادة تشكيل قواعده وشرعيته. وإما أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انعطاف تاريخيّ تكشف حدود النموذج الذي حكم العالم خلال العقود الماضية.
ثامنا: تآكل فكرة السيطرة الكاملة
النموذج السائد في النظام الدولي الحديث يفترض أن: القوة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية المتفوقة يمكنها إدارة الصراعات والتحكم في نتائجها. لكن الواقع في غزة، والحرب الجارية على إيران، يشير إلى أن الصراعات الحديثة أصبحت أكثر تعقيدا وأقل قابلية للسيطرة.
• لماذا قد تتحول غزة وإيران معا - رغم اختلافهما الكبير - إلى حالتين تكشفان الأزمة البنيوية في النظام العالمي الحديث نفسه، وليس فقط في توازنات الشرق الأوسط فقط؟ هذا الربط بدأ يظهر بقوة في بعض النقاشات الفكرية مؤخرا.
قد يبدو الربط بين ما يحدث في قطاع غزة وما يحدث في إيران للوهلة الأولى غير بديهي، لأن السياقين مختلفان تماما:
الأول يتعلق بمنطقة متناهية الصغر جغرافيا ومحدودة ديموغرافيا، ومحاصرة تعيش حرب إبادة جماعية لاجتثاثها من الجغرافيا، والديموغرافيا، والتاريخ، والذاكرة.
والثاني يتعلق بدولة إقليمية ممتدة جغرافيا ووازنة ديموغرافيا وعريقة حضاريا. لكن الحالتين تكشفان أزمة أعمق في النظام الدولي الحديث نفسه. الفكرة يمكن فهمها في النقاط التالية:
1. اختبار حدود القوة العسكرية
حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023 كشفت مفارقة مهمة:
القوة العسكرية الهائلة لا تؤدي بالضرورة إلى حسم سياسي سريع.
وإذا امتد المنطق نفسه إلى الحرب الجارية على إيران، فإن السؤال يصبح أكبر: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها إعادة تشكيل نظام إقليمي كامل؟
2. أزمة الشرعية الدولية
الحرب في قطاع غزة حفزت حركة تضامن عالمي غير مسبوق مع الشعب الفلسطيني في مسعاه التحرري لبلوغ حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف وحقه في تقرير المصير، ودفعت مؤسسات دولية إلى التدخل، مثل محكمة العدل الدولية التي نظرت في اتهامات تتعلق بالإبادة الجماعية. وهذا يعكس مشكلة أعمق: وجود فجوة متزايدة بين القانون الدولي والواقع السياسي. عندما تتكرر هذه الفجوة، يبدأ النظام الدولي نفسه بفقدان جزء من شرعيته.
3. صعود الفاعلين خارج الدولة
في قطاع غزة، تلعب حركة مثل حماس دورا مركزيا رغم أنها ليست دولة.
وفي الإقليم الأوسع هناك شبكات متعددة كحزب الله اللبناني وأنصار الله في العراق والحوثيين في اليمن، يمثلون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية محور مقاومة للهيمنة الأمريكية - الصهيونية على عموم المنطقة.
هذا يعكس تحولا مهما: لم تعد الدول وحدها هي التي تشكّل النظام الإقليمي.
تاسعا: صراع المعنى وحدود القوة
في الصراعات بين أنماط حضارية مختلفة في فهم الحياة والموت، تتحول القوة في النموذج الأداتي - كما حلّل فلاسفة مدرسة فرانكفورت مثل ماكس هوركهايمر وتيودور دبليو أدورنو - إلى أداة تقنية لإدارة الواقع، بحيث تُدار الحياة والموت ضمن معادلات الكلفة والمنفعة وضرورات السيطرة.
في المقابل، تنطلق أنماط حضارية أخرى من رؤية عقائدية ترى أن الحياة هبة إلهية، وأن الموت ليس ملكا لإرادة البشر، وأن التضحية في الدفاع عن الحق والوطن والشعب تكتسب معنى أخلاقيا وروحيا يتجاوز الحسابات المادية.
وعندما يتواجه هذان المنطقان، لا يعود الاختلاف مجرد تفاوت في القدرات أو الموارد، بل اختلافا في بنية المعنى نفسها، ما يكسب الصراع بعدا حضاريا ويحوّله إلى اختبار أعمق للشرعية والمعنى في النظام الدولي. وإذا وضعنا نموذجي غزة وإيران معا، يظهر نمط أوسع:
• حرب إبادة للإنسان والمكان في قطاع غزة الصغير المحاصر، دون حسم سياسي واضح.
• وحرب مدمرة على إيران تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
هذا التوازي يشير إلى أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمي، بل أصبح مختبرا لتحولات أعمق في بنية النظام العالمي. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن العالم قد دخل مرحلة لم تعد فيها الأزمات مجرد وقائع عابرة في مسار النظام الدولي، بل مؤشرات على تحوّل أعمق في بنيته ومعناه.
مرحلة لا يعود فيها السؤال فقط عمّن يملك القوة، بل عن أي تصور حضاري للعالم يمتلك القدرة على الاستمرار.

تعليقات

خالد عطية


الدكتورة العزيزة غانية
يقدّم هذا المقال قراءة عميقة تتجاوز التحليل الجيوسياسي التقليدي للحروب الدائرة في المنطقة، ليضعها في إطار أزمة أوسع تتعلق ببنية النظام العالمي نفسه وحدود العقل الأداتي الذي حكم الحداثة المادية خلال القرون الأخيرة. لعل أهم ما يلفت في طرحك هو الربط بين تزامن الأزمات العالمية وما تسميه “الفخ المركّب” ، حيث لم تعد الحروب أحداثًا منفصلة بل اختبارات متزامنة تضغط على بنية النظام الدولي في لحظة واحدة.
ومع ذلك، ربما يفتح هذا التحليل سؤالاً إضافياً: إلى أي مدى تعكس هذه الحروب فقط أزمة في نموذج الحداثة الغربية، وإلى أي مدى تعكس أيضاً تحولات في توازنات القوى وصعود فاعلين إقليميين باتوا يمتلكون مشاريعهم الخاصة؟
في كل الأحوال، يبقى المقال إضافة فكرية مهمة للنقاش حول التحولات الجارية في النظام الدولي، ويطرح أسئلة تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة إلى أفق أعمق يتعلق بمستقبل المعنى والشرعية في عالم يتغير بسرعة
خالد عطية
8/3/2026

الصديق العزيز خالد
خالص الشكر على هذه القراءة المتأنية للمقال، وعلى الأسئلة المهمة التي طرحتها، خصوصا ما يتعلق بالعلاقة بين أزمة نموذج الحداثة الغربية والتحولات في توازنات القوى وصعود فاعلين إقليميين.
في تقديري، لا يتعارض هذان البعدان بقدر ما يكشف أحدهما حدود الآخر. فصعود الفاعلين الإقليميين لا يصبح عاملا مفسرا كافيا إلا إذا نُظر إليه أيضا في سياق الأزمة الأعمق في بنية المعنى والشرعية التي حكمت النظام الدولي خلال القرون الأخيرة.
وفي هذا الإطار، تبدو الحالة الإيرانية مثالا معقدا. فالمشروع الإيراني لا يتحرك فقط ضمن منطق جيوسياسي تقليدي، بل يحمل في جوهره بعدا حضاريا ورمزيا أوسع. غير أن أحد مفاصل الضعف في هذا المسار يكمن في أن المشروع الجيوسياسي الإيراني يتقدم في كثير من الأحيان على المشروع الحضاري الأشمل، بدل أن يتموضع داخله. وربما يكون أحد شروط تعزيز قدرة هذا المشروع على الصمود هو إعادة تموضعه ضمن أفق حضاري أوسع يمنحه معنى يتجاوز منطق القوة المباشرة.
ومع ذلك، فإن هذه الإشكالية لا تخص إيران وحدها. فجزء كبير من المعضلة الحضارية في المنطقة يرتبط أيضا بتموضع قوى أخرى داخل النظام الذي أنتجته الحداثة الغربية. فالعالم العربي، في معظمه، أعاد تموضعه داخل المشروع الغربي بدل تطوير أفق حضاري مستقل، بينما تسعى تركيا بدورها إلى بلورة مشروع جيوسياسي إقليمي يتقدم غالبا على صياغة مشروع حضاري جامع. وحتى المشروع الاستقلالي الكردي يجد نفسه موضوعيا ضمن معادلات القوة التي تشكلت داخل الإطار الغربي الصهيوني نفسه.
لهذا يبدو أن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بصعود قوى جديدة، بل بقدرتها - أو عجزها - عن تحويل هذا الصعود من مجرد إعادة توزيع للقوة إلى إعادة إنتاج للمعنى والشرعية في النظام الدولي.
أشكرك مرة أخرى على هذه المداخلة الثرية التي تفتح بالفعل بابا مهما لهذا النقاش.
غانية ملحيس
8/3/2026
 
نائل التونسي


الأستاذة الدكتورة غانية ملحيس،
أود أن أبدأ بتقديم خالص الشكر والتقدير لك، فمقالاتك دائمًا تمثل مصدرًا غنيًا بالقيمة الفكرية والرؤية العميقة، وتعكس مكانتك العالية كمفكرة متعمقة في قضايا العصر. ما تطرحينَه ليس مجرد قراءة للأحداث، بل تحليل ثري يشق طريقه إلى جوهر الظواهر ويكشف أبعادها الخفية. وبصدق، مقالاتك تفتح أمامي مساحة للرد والتأمل، فهي تحمل وزنًا فكريًا كبيرًا يجعلني أعيد النظر في ما أتابعه وأفكر فيه، وتدفعني للكتابة رغم ابتعادي لفترة عن هذا النوع من التأمل والتحليل.
إن ما يطرحه المقال حول مأزق “العقل الأداتي” الذي حكم الحداثة الغربية ليس مجرد تأمل فلسفي، بل توصيف لواقع يتجلى بوضوح في الحروب التي تتسع رقعتها اليوم. فالنظام الدولي الذي بُني على وعود الاستقرار عبر العولمة والسوق والتفوق التكنولوجي، يبدو اليوم عاجزًا عن إدارة التناقضات التي أنتجها بنفسه. لقد نجح هذا النظام في تعظيم أدوات السيطرة والقوة، لكنه فشل في إنتاج منظومة أخلاقية قادرة على كبح اندفاع تلك القوة نحو التدمير.
ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى: فالعالم الذي امتلك من وسائل التنظيم والإدارة ما لم تعرفه أي حضارة سابقة، يجد نفسه يلجأ مرة أخرى إلى الحرب بوصفها أداة لإدارة أزماته. وكأن النظام العالمي لم يعد قادرًا على إعادة التوازن إلا عبر دورات متكررة من العنف، حيث تتحول الجغرافيا البشرية إلى ساحات اختبار للقوة، وتتحول المجتمعات إلى ضحايا لصراعات لا تصنعها.

وفي هذا السياق تحديدًا، تبدو غزة أكثر من مجرد ساحة حرب. إنها لحظة كاشفة في تاريخ النظام الدولي المعاصر. فحين يقف العالم، بمؤسساته وقوانينه وخطابه الحقوقي، عاجزًا عن وقف إبادة جماعية تُنقل صورها إلى البشرية لحظة بلحظة، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بميزان القوى، بل بشرعية النظام نفسه. إن الفجوة المتسعة بين ما يدّعيه هذا النظام من قيم العدالة والقانون، وما يسمح بحدوثه على الأرض، تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة تتجاوز حدود الصراع في الشرق الأوسط.
كما أن ما نشهده اليوم يعيد طرح سؤال قديم في الفكر السياسي: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تنتج نظامًا مستقرًا؟ التجربة التاريخية خلال العقود الأخيرة توحي بالعكس تمامًا. فالحروب التي كان يُراد لها أن تعيد تشكيل العالم وفق ميزان القوة، غالبًا ما فتحت أبوابًا أوسع للفوضى وعدم الاستقرار. ومن أفغانستان إلى العراق، ومن أوكرانيا إلى غزة، تتكرر الحقيقة نفسها: القوة قادرة على التدمير، لكنها عاجزة عن خلق معنى سياسي دائم.
لهذا ربما ينبغي قراءة ما يجري اليوم ليس فقط بوصفه تصاعدًا في مستوى الصراعات، بل كإشارة إلى تحوّل أعمق في بنية النظام العالمي نفسه. فالعالم يبدو وكأنه يدخل مرحلة انتقالية تتآكل فيها القواعد التي حكمت العقود الماضية، دون أن تتبلور بعد ملامح نظام بديل قادر على تنظيم العلاقات الدولية بطريقة أكثر عدلًا واستقرارًا.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح بعض الجغرافيا الصغيرة أكبر من حجمها بكثير. وغزة، رغم ضيق مساحتها وحصارها الطويل، تحولت إلى واحدة من تلك النقاط التي تكشف هشاشة النظام العالمي المعاصر. فهي لم تعد مجرد قضية سياسية أو صراع إقليمي، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في علاقة القوة بالأخلاق، وفي قدرة النظام الدولي على التوفيق بين مصالحه ومبادئه المعلنة.
وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ النظام الدولي، لم يعد السؤال فقط عمن يملك القوة، بل عن أي رؤية حضارية وأخلاقية ستنجو من اختبار التاريخ، وهل ستستطيع الإنسانية أن تصنع نظامًا عالميًا يوازن بين القوة والعدالة، بين السيطرة والمسؤولية، قبل أن يتحول العالم إلى فضاء متواصل من الفوضى والدمار؟

نائل التونسي
9/3/2026



***
الأستاذ العزيز نائل التونسي،
ممتنة جدا لتفاعلك الثري وقراءتك التأملية العميقة لمقالي، وأود أن أشكرك على إضافة بعد شخصي وفلسفي يثري النص ويحوّله من مجرد تحليل للأحداث إلى تأمل في معنى النظام الدولي وأفقه الأخلاقي.
لفت انتباهي تساؤلك حول قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج استقرار دائم، وكيف يمكن لرؤية حضارية وأخلاقية أن تحافظ على التوازن بين القوة والعدالة. كما أن قراءتك لغزة كمؤشر مرآوي لأزمة النظام العالمي تجعلنا نعيد التفكير في حدود الشرعية والأخلاق في الممارسة الدولية، وتسائلنا حول مدى قدرة المؤسسات العالمية على إعادة إنتاج مشروع قيمها في ظل هذه التحديات.
أتساءل معك: كيف يمكن تصور شرعية دولية جديدة تجمع بين القوة والمسؤولية، دون أن تتحول إلى مجرد إعادة ترتيب ميزان قوى؟ أعتقد أن هذا السؤال يمكن أن يكون نقطة انطلاق لحوار أوسع ومشترك حول آفاق النظام الدولي المعاصر وإمكانيات هذا البناء النظري والعملي معا.
غانية ملحيس
9/3/2026
 
أعلى