أحمد رجب شلتوت - الفوشيا بوصفها سيرةً مؤجَّلة

لا يقدّم الشاعر "السمّاح عبد الله" في كتابه الجديد "عندما تعرّفتُ على الفوشيا ... حكايات هيئة الكتاب" سيرة ذاتية بالمعنى المألوف، ولا مذكّرات موظف في مؤسسة ثقافية، ولكنه يمنحنا نصّا هجينا، يقيم عمدًا في المنطقة الرمادية بين الاعتراف والتأمل، بين الحكاية الشخصية والشهادة الجماعية، وهو يعلن منذ الصفحة الأولى، انحيازه لكتابة الهشاشة والالتباس، حين يفتتح الكتاب بنداء شعري بمثابة مفتاح لقراءة الكتاب كله، يقول فيه:
"علينا يا أصدقائي/ أن نثبت ملامحنا في صور فوتوغرافيا/ ونعلّقها في الحجرات كلها/ فلربما نصحو في ذات يوم/ فلا نتعرّف على وجوهنا"
فنحن أمام نصٍّ يخشى فقدان الملامح، ويكتب خشية المحو، الخوف هنا ليس من تغيّر الزمن فحسب، بل من انقطاع الصلة بين الذات وصورتها، بين التجربة وذاكرتها.
شذرات تتجاور
يتكوّن الكتاب من مجموعة نصوص تحمل عناوين تبدو للوهلة الأولى مستقلة، لكن ينتظمها خيط داخلي واحد، الكاتب شاهدًا على زمن ثقافي وشخصي يتآكل ببطء. من «إبراهيم فهمي يصعد للحكايات» إلى «صورة جانبية للويس عوض»، ومن «دعوة على السحور» إلى «مرثية للعمر الجميل»، تتشكّل بنية الكتاب على هيئة شذرات سردية لا تسعى إلى ترتيب زمني صارم، بل إلى التقاط لحظات كثيفة من الحياة الثقافية المصرية، خصوصًا داخل فضاء الهيئة المصرية العامة للكتاب ومجلة القاهرة.
تنسجم هذه البنية الشذرية مع تصور الكاتب للذاكرة بوصفها غير خطّية، مثقوبة، ومراوغة. فالذاكرة تعود إلينا في ومضات، عبر لقاء عابر، أو جملة قيلت في ممر، رائحة عطر، أو ضحكة مكتومة. كل نص يعمل كوحدة قائمة بذاتها، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج الأسئلة الكبرى نفسها، الصداقة، الزمن، الجسد، الشعر، والغياب.
الفوشيا كاستعارة معرفية
في النص الذي يمنح الكتاب عنوانه، نقرأ: "في بداية الأمر كنت أظن أن الفوشيا اسم لأكلة ما، مثل الاستاكوزا أو الكافيار"، هكذا لا تُستدعى الفوشيا كلون فقط، بل بوصفها لحظة تعرّف متأخرة، أو بالأحرى لحظة سوء فهم جميلة. عبر هذا الاعتراف الساخر ينسج الكاتب شبكة دلالات كثيفة، فالفوشيا هنا، لون، وجسد، وذاكرة. هي فستان امرأة، وهي لحظة وعي متأخرة بالأنوثة والجمال، وهي أيضا استعارة للكيفية التي نتعرّف بها على العالم، وحين يربط الكاتب الفوشيا بقصيدة حلمي سالم، ويستعيد نهايتها "هو همس المرأة للرجل تعال/ وهمس الرجل إلى المرأة آت"، فإنه يجعل اللون بوابة للتأمل في الرغبة، وفي النظرة، وفي اللغة ذاتها. الفوشيا هنا أداة معرفة، طريقة في الفهم، ومجاز للتمايز داخل عالم رمادي بطبيعته.
كتابة بلا أقنعة
يمتلئ الكتاب بأسماء شعراء وكتّاب ونقّاد، لكن اللافت أن السمّاح عبد الله لا يكتب عنهم بوصفهم رموزًا أو أيقونات، بل ككائنات بشرية، لها ضعفها ومرحها وسخريتها. في حديثه عن محمد أبو دومة، أو فتحي عبد الله، أو إبراهيم فهمي، لا نجد مديحًا تقليديًا ولا تصفية حساب، بل حميمية سردية تجعل القارئ شريكًا لا متفرجًا، وعلى الرغم من أن الكتاب مشغول باستعادة الماضي، فإنه لا يسقط في رثاء فجّ أو حنين مبتذل. حتى نص "مرثية للعمر الجميل" يتأمل الزمن بوصفه شريكًا خائنًا. يقول: "يا لها من أيام خضراء"، جملة قصيرة، لكنها محمّلة بإحساس الفقد دون خطاب مباشر عنه. وهذا من أهم إنجازات الكتاب، الاقتصاد العاطفي، حيث لا يُقال كل شيء، ويُترك فراغ للقارئ ليملأه بخبرته الخاصة.
بين قصيدتين: بنية الدائرة
يبدأ الكتاب بمقطع شعري ويختتمه بمقطع شعري آخر، مما يكشف عن بنية دائرية واعية تحكم الكتاب كله، الشعر عتبتي الدخول والخروج، وما بينهما نثر يتحرّك بوصفه اختبارًا للذاكرة، المقدمة الشعرية تمثل لحظة القلق، المتن النثري يمثل الاشتباك مع الذاكرة، الخاتمة الشعرية تمثل لحظة التأمل بعد الاشتباك، فتبدو وكأنها هدنة مؤقتة مع الزمن، و فهو اللغة الوحيدة القادرة على قول ما لا يستطيع النثر قوله بعد أن يستنفد أدواته.
وأخيرا يُحسب للكتاب أنه لا يقع في فخ المقال الثقافي التقليدي، رغم أن كثيرًا من نصوصه نُشر في صحف ومجلات، إذ يعيد الكاتب صهر هذه النصوص داخل سياق كتابي واحد، يمنحها وحدة شعورية واضحة، كما أنه ليس كتابًا عن مؤسسة ما، بل عن الإنسان داخلها، حين يتمسّك بلون داخلي (فوشيا) ولا يسمح للنسق الرمادي بابتلاعه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى