يؤمن مصطفى أن البيوت أسرار، وأن الفراق فنٌّ لا يجيده إلا النبلاء. حين انصرم حبل الوصال بينه وبين "ليلى"، لم يبعثر ذكرياتهما في ردهات المحاكم، بل لملم ما تبقى من كرامة المودة، ومضى يقتفي أثر ذلك العهد القديم الذي قطعه يوم دخلت بيته أول مرة؛ عهدٌ قوامه الثقة، وسياجه الاحترام.
لكن ليلى لم تكن تمشي وحدها في ممرات الانفصال؛ إنها تتحرك كدميةٍ خشبية، يبدو ذلك واضحا في نظرتها المرتعشة نحو أمها قبل كل كلمة تنطق بها. تحولت تلك المرأة الرقيقة ذات الوجه الملائكي إلى صدىً لأصوات غريبة، تنطق بلسان جاف، وتغلق أذنيها عن نداء العشرة. لا تسمع إلا صرخات أمها التي تمرست على قضايا الطلاق والنفقة لسنوات طويلة.
في مكتب مدير المدرسة، وقفت ليلى ترتدي جواهر مبالغ فيها اشتراها لها مصطفى قبل أشهر قليلة، وبملامح غلفها الجمود، تُنكر أمام ابنتها استلام المصروفات المدرسية، وتطالب بحقٍ قد استوفته يدًا بيد قبل أيام.
صمتَ مصطفى طويلاً، أخذ ينظر إلى الجواهر التي أهداها إليها يوم الاحتفال بعيد ميلادها الأخير، وقف يهز رأسه في ذهول؛ لم تكن صدمته من إنكارها الحق، بل من ذلك الوجه الذي عشق تفاصيله، عاش لسنوات يعتدل مزاجه من ابتسامة عينيها، وهمس كلماتها، أما الآن فأصبح يراها لأول مرة؛ وكأن غشاءً سميكًا قد انقشع عن عينيه، ليدرك أنه عاش سنواتٍ طوال مع امرأة لم يفهم كنهها قط، امرأة نجحت في الاختباء خلف قناع الوداعة حتى حانت لحظة الاختبار.
تساءل مصطفى في جنون: "هل كانت لتفعل بي كل هذا إن كنت من الغلاظ الشُّداد؟!"
نظر إلى ابنته وقد تجمد الدمع كبلورة من الكريستال، ثم أخرج يده من جيبه بهدوءٍ لا يشي بالعاصفة التي تسكن صدره، وأخرج ورقةً بيضاء وقلمًا، وضعهما أمام مطلقته وقال بصوتٍ رخيم يسكنه وقار الانكسار: اكتبي بخط يدكِ إقرارًا باستلام هذا المبلغ. وقعي هنا، وليشهد الورق على ما لم تعد تشهد عليه عزة النفس.
ارتجفت يدها قليلاً، وعلت وجهها دهشةٌ لم تستطع مواراتها، وكأنها لم تتوقع منه هذا الحزم المباغت أو هذه المكاشفة الصريحة. نظرت إليه بعينين زائغتين تتساءلان عن سر هذا التغير المفاجئ.
لم يترك مصطفى للدهشة متسعًا لترتاح في عينيها، اقترب خطوة واحدة، وبابتسامة شاحبة تحمل مرارة السنين، همس بكلماتٍ كانت كفيلة بهدم ما تبقى من جدران واهية: أنتِ مندهشة؟! لا تتعجبي؛ فأنا أعلم ضعفك أمام الوسوسة، ولا أرغب في دفع المصروفات ذاتها للمرة الثالثة!
انحنت الابنة برأسها، ومسحت دمعتها بطرف كُمّها المدرسي، لكنها لم تمسح أثر "الوسوسة" التي تسللت إلى وعيها. لقد كبرت في تلك اللحظة أعوامًا؛ لم تعد ترى في البيت "أسرارًا" كما يؤمن أبوها، بل رأت فيه "خنادق". وحين خطت أول خطوة خارج مكتب المدير، لم تكن تتبع أمها كابنة، بل مشت بجانبها بحذر، كمن يخشى أن تنتقل إليه عدوى "الزيف" الذي يغلف سماء حياتها.
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل
لكن ليلى لم تكن تمشي وحدها في ممرات الانفصال؛ إنها تتحرك كدميةٍ خشبية، يبدو ذلك واضحا في نظرتها المرتعشة نحو أمها قبل كل كلمة تنطق بها. تحولت تلك المرأة الرقيقة ذات الوجه الملائكي إلى صدىً لأصوات غريبة، تنطق بلسان جاف، وتغلق أذنيها عن نداء العشرة. لا تسمع إلا صرخات أمها التي تمرست على قضايا الطلاق والنفقة لسنوات طويلة.
في مكتب مدير المدرسة، وقفت ليلى ترتدي جواهر مبالغ فيها اشتراها لها مصطفى قبل أشهر قليلة، وبملامح غلفها الجمود، تُنكر أمام ابنتها استلام المصروفات المدرسية، وتطالب بحقٍ قد استوفته يدًا بيد قبل أيام.
صمتَ مصطفى طويلاً، أخذ ينظر إلى الجواهر التي أهداها إليها يوم الاحتفال بعيد ميلادها الأخير، وقف يهز رأسه في ذهول؛ لم تكن صدمته من إنكارها الحق، بل من ذلك الوجه الذي عشق تفاصيله، عاش لسنوات يعتدل مزاجه من ابتسامة عينيها، وهمس كلماتها، أما الآن فأصبح يراها لأول مرة؛ وكأن غشاءً سميكًا قد انقشع عن عينيه، ليدرك أنه عاش سنواتٍ طوال مع امرأة لم يفهم كنهها قط، امرأة نجحت في الاختباء خلف قناع الوداعة حتى حانت لحظة الاختبار.
تساءل مصطفى في جنون: "هل كانت لتفعل بي كل هذا إن كنت من الغلاظ الشُّداد؟!"
نظر إلى ابنته وقد تجمد الدمع كبلورة من الكريستال، ثم أخرج يده من جيبه بهدوءٍ لا يشي بالعاصفة التي تسكن صدره، وأخرج ورقةً بيضاء وقلمًا، وضعهما أمام مطلقته وقال بصوتٍ رخيم يسكنه وقار الانكسار: اكتبي بخط يدكِ إقرارًا باستلام هذا المبلغ. وقعي هنا، وليشهد الورق على ما لم تعد تشهد عليه عزة النفس.
ارتجفت يدها قليلاً، وعلت وجهها دهشةٌ لم تستطع مواراتها، وكأنها لم تتوقع منه هذا الحزم المباغت أو هذه المكاشفة الصريحة. نظرت إليه بعينين زائغتين تتساءلان عن سر هذا التغير المفاجئ.
لم يترك مصطفى للدهشة متسعًا لترتاح في عينيها، اقترب خطوة واحدة، وبابتسامة شاحبة تحمل مرارة السنين، همس بكلماتٍ كانت كفيلة بهدم ما تبقى من جدران واهية: أنتِ مندهشة؟! لا تتعجبي؛ فأنا أعلم ضعفك أمام الوسوسة، ولا أرغب في دفع المصروفات ذاتها للمرة الثالثة!
انحنت الابنة برأسها، ومسحت دمعتها بطرف كُمّها المدرسي، لكنها لم تمسح أثر "الوسوسة" التي تسللت إلى وعيها. لقد كبرت في تلك اللحظة أعوامًا؛ لم تعد ترى في البيت "أسرارًا" كما يؤمن أبوها، بل رأت فيه "خنادق". وحين خطت أول خطوة خارج مكتب المدير، لم تكن تتبع أمها كابنة، بل مشت بجانبها بحذر، كمن يخشى أن تنتقل إليه عدوى "الزيف" الذي يغلف سماء حياتها.
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل