طارق حنفي - {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين (٨٨)} [ص: ٨٧، ٨٨]

يخبرنا الحق سبحانه — وقوله الحق — في قرآنه كثيرًا عن أنبيائه ورسله، وما لاقوه في سبيل نشر كلمة التوحيد وعبادة الله. كما يخبرنا عن أصناف الكافرين وكبرهم وتكذيبهم لهؤلاء الأنبياء والرسل، وعن أصناف أخرى آمنت بالرسل ثم انقلبت على أعقابها فاسقين؛ يعصون أوامر الحق سبحانه، أو يقولون عليه ما لا يليق بجلاله، أو يجعلون له شريكًا في الملك.
عندما مرض أبو طالب جاءت قريش تعوده، وجاءه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فشكوه إلى أبي طالب، فقال له:
"يا ابن أخي، ماذا تريد من قومك؟"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا عم، إنما أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب والعجم، كلمة واحدة".
فسأله أبو طالب:
"ما هي؟"
قال:
"لا إله إلا الله".
فقالوا:
"أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب".
فنزلت سورة ص.
بدأت سورة ص بقوله تعالى:
(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)
وانتهت بقوله سبحانه:
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).
فبدأت بالقسم بالقرآن الذي فيه تذكرة للعالمين، وانتهت بالتأكيد على ما فيه من التذكير للعالمين ووعيد الكافرين.

قال المفسرون:
إن المقصود بالذكر في الآيات هو القرآن، وأن النبأ هو الخبر العظيم.
وقالوا: إن قوله تعالى (بعد حين) قد يُقصد به بعد مدة قريبة، وقال آخرون إن المقصود بالحين هو يوم القيامة.

وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:
إن التذكير بالشيء إنما يأتي بسبب نسيان هذا الشيء؛ فالقرآن يذكرنا بالعهد الأول، عهد الفطرة، حين كنا في طور الذر عندما أشهدنا الله على أنفسنا:
(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)
فكانت إجابتنا:
(قَالُوا بَلَى).

والله أعلم أقول:
إن الرحمن فطرنا على المفاهيم المطلقة؛ كاستحقاق الله للعبادة في ذاته، وأنه لا إله إلا الله ولا رب سواه. وقد أشهدنا على أنفسنا، فبرحمته سبحانه أذن لنا بمعرفته فعرفناه.
لكن بطول الأمد، والكبر، والغرور، والهوى، ووسوسة الشيطان — الذي عرف الله ثم عصاه في ملكوته — نسي كثير من البشر تلك الشهادة الأولى بوحدانية الله وربوبيته وتنزيهه سبحانه عن كل نقص.
فمن البشر من أنكر وجود الله، وهو الموجود قبل وجود أي موجود، قبل حتى أن يكون لكلمة الوجود معنى ودلالة؛ فهو سبحانه واجد كل الوجود.
ومنهم من تقول على الله بعد أن عرفه، فحرّف كلامه عن مواضعه وأخفاه، وجعل له صفات نقص، بل حاول أن يفرض إرادته عليه، فاستحق غضبه سبحانه.
ومنهم من جعله متجسدًا، وجعل له ولدًا وشريكًا في الملك، فضلّ عن سبيله.
فكان القرآن كلام الله الحق — وكلامه سبحانه كله حق — تذكيرًا للعالمين بما نسوه من الفطرة السليمة: أن لا إله إلا الله، ولا رب بحق سواه.
أما الحين فقد يأتي حينًا خاصًا قريبًا بأسباب الله، وقد يأتي حينًا عامًا مؤقتًا بأسبابه لجماعة معينة في الدنيا، وللناس جميعًا يوم القيامة.
واستمرارًا لرحمة الله، وحتى لا يأتي يوم القيامة كافر أو ضال أو مغضوب عليه محتجًا بقوله:
هكذا وجدنا آباءنا يعبدون، تمرّ بكل إنسان لحظات في حياته — وبأسباب مختلفة — تمس فيها معاني الفطرة السليمة قلبه، فيشعر بالحق والحقيقة، ويكون له الاختيار.
وقد يكون ذلك حينًا خاصًا لفرد في الحياة الدنيا،
وقد يكون حينًا لجماعة عندما تعلو كلمة لا إله إلا الله بالعمل الصالح وطاعة الله ورسوله على مرأى من الناس.
أما الحين الأعظم فيكون يوم القيامة، حين يُكشف الحجاب، فيدرك الخلق جميعًا الحق والحقيقة، حيث لا تنفع المعاذير.
وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالتُه التذكير بحقيقة التوحيد، وتنقية المعتقدات من ضلالها، وكشف المفاهيم من زيفها، وغسل القلوب من رانها، وتزكية النفوس من كبرها، وتطهير الأجساد من رجسها.
يبشر من يطيع الله بالجزاء الأوفى، وينذر الكافرين بعذاب أليم.
وقد أمده الله بكلامه وذكره، وأخبره بما عانى الأنبياء والمرسلون من قبله، وكيف أدّوا ما عليهم في سبيل نشر كلمة التوحيد في الأرض، فكان بإخبار الحق له شاهدًا عليهم جميعًا.
وبإذن الله أعطى الحبيب للحقيقة — حقيقة التوحيد — وصفها وشرحها؛ فأعطاها طريق العمل والعبادة، والكلام والسكوت، والهمس والدعاء، والاستغفار والذكر، والنوم والاستيقاظ.
فكان تجسيدًا حيًّا لمعاني القرآن، وأبلغ طريق للدعوة إلى سبيل الله.
وكانت سنته كالنور الذي ترى به الأبصار حقيقة الأشياء نهارًا، وتهتدي به البصائر ليلًا.
فكان سراجًا منيرًا كما وصفه الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا).
صلوات ربي وسلامه عليك يا حبيبي يا رسول الله، فأنت المنهج والدليل، وأنت النور الهادي إلى طريق الحق المبين.
طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى