إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممكنات المطلقة -مقاربة نقدية في كتاب: "الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي"

عندما نكتب عن أساتذتنا - وقتها- نزدهي ونفاخر بما كتبناه عن علماء أجلاء تركوا بصمة حقيقية في العالم.

في مجلة عالم الكتاب مقالنا عن أستاذنا العلامة شاكر عبد الحميد - عليه رحمة الله - وقد عنونته بـ " إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود.. في كتاب الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي."

المقال:


د. محمد عبدالله الخولي

الخيال آلة إدراك الكون، واكتشاف أنماطه، وبقوى التخييل ينبني العالم، وفق تصور حر، يتحرك في مسافة لا مرئية، يلتقي فيها المعلوم بالمجهول، والمطلق بالنسبي، والشخصي بالعام، والمادي بالمعنوي. فالعقل –وحده– غير قادر على استكشاف العالم، واستغوار أسراره؛ إذ العقل مُسَيَّج بأسوار المعطيات المادية التي تفرض على الإنسان تصورًا خاصًّا، يحول بينه وبين إدراك الحقائق المطلقة في عالم الكليات الغيبي.
إذن، لم يكن الخيال –ذات يوم– متعة، أو ترفًا زائدًا على الحياة الإنسانية، بل السبيل الوحيد والطريقة المثلى، التي من خلالها يكتشف الإنسان كنه العالم، بل يعيد بناءه عبر ملكة الخيال، التي تحفزها قوى التخييل في الباطن الإنساني، فالخيال خدن العقل ورفيقه الأوفى، فكلاهما يتماهى مع الآخر، ويرفده بمدركاته الممكنة؛ لتتحقق الغاية القصوى التي ينشدها الإنسان في تعرُّفه على العالم من حوله.

في كتابه: "الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي"، يشير أستاذنا العلامة شاكر عبد الحميد –عليه رحمة الله– إلى تلك الثنائية المتحققة بين العقل والخيال، حيث لا ينفصل الأول عن الأخير –مطلقًا-، فالعلاقة بينهما تنبني على التكامل لا التناقض، فيقول: "لا يتناقض الخيال مع العقل، بل يعمل على تنشيطه وإثرائه." فقوى التخييل تحفز العقل موسِّعَةً في تصوراته؛ ليتمكن من القبض على حقيقة الأشياء. أما الخيال –مع تحرره من قيود الواقع والمادة– فهو مرتهن بشروط التفكير العقلي، التي تحوّل تلك التصورات/الخيالات إلى (خيال عقلاني) تتقبله الذات الإنسانية؛ فالخيال حر في تصوراته، ولكنه مرتهن في ترتيب تلك التصورات بالعقل والمنطق، وهذا ما ألمح إليه المؤلف في قوله: "إنّ الخيال الإنساني إنما يقوم على أساس المبادئ الأساسية نفسها التي يقوم على أساسها التفكير المنطقي العقلاني."، ولعلّ هذه العلاقة الوطيدة بين العقل والخيال، من أهم المرتكزات التي انطلق منها المؤلف إلى عالمه الخاص، وهو يؤطر لمفاهيم معرفية، تمنح العقل والخيال –معا– وجودا خاصا يجعل كلَّ واحدٍ منهما رهينَ الآخر.

ديالكتيك الثابت والمتحرك/ الحركة مفهوم محوري:

يمثل الخيال –عند شاكر عبد الحميد– حركية دائبة متلاحقة، يطمح الإنسان –من خلالها– إلى التعبير عن وجوده، بفعل الحركة المناهض للجاذبية التي تكبل الجسد الإنساني، وتخضعه لعالم المادة. ومن هنا يتحوّل الخيال –بتمثلاته التصويرية– من كونه آلة إدراك وظيفية يكتشف بها الإنسان العالم، إلى طموح تتحقق به الذات من وجودها، فالذات الإنسانية –من منظور شاكر عبد الحميد– واقعة في ديالكتيك :[الثابت/المتحرك]، ومن خلال الأخير تتحرك النفس البشرية من الأدنى (المحسوسات) إلى الأعلى (الكليات)، ويعني بالأخير: عالم الممكنات المطلقة التي تنطلق من عالم الوعي الحسي إلى المدركات الحدسية، التي تستلب مادتها من مراكز قوى التخييل في العالم الباطني للإنسان.

من هنا، يتجاوز الخيال –عند المؤلف– دوره الوظيفي إلى طاقة كامنة في النفس البشرية، يتمرد بها الإنسان على الواقع محاولا استقراءه من أعلى، وبناء ممكنات ترفض الخضوع لمعطيات العالم الحسي. وقد رصد المؤلف تلك الدينامية اللامتناهية لهذه الحركة بداية من عالم الميثولوجيا إلى الواقع الافتراضي، فيقول: "طالما ارتبط الخيال هكذا بالحركة لا بالسكون، بحركة رفرفة الطيور وصعود بروميثيوس، والحصان المجنح بيجاسوس "مكر مفر مقبل مدبر معا" بحركته السريعة على الأرض وطيرانه الخاطف في السماء وهبوطه السريع منها، "كجلمود صخر حطه السيل من عل"، إذا استعرنا لغة امرئ القيس... فحركة النفس من الأدنى إلى الأعلى، وبالعكس عند أفلوطين وعند ابن عربي وغيرهما، والحركة في السينما، وفي الفن التشكيلي، والحركة في المسرح، وحركة الخيال التي تقف وراء كل ما وصلت إليه البشرية من تقدم، وكذلك وراء حركة الشعوب وهي تتحرر من المحتلين الطغاة."
إذن، يتشكل العالم –وفق تصورات الذات الإنسانية– من حركية دينامية منبعها الخيال-وحده-، فالأخير –من منظور شاكر عبد الحميد– الروح التي ينوجد بها العالم، ويتأبّى الإنسان بها على جمود المادة من حوله.
لعلّ تلك الجدلية بين الحركة والسكون، توافقت فيها رؤية المؤلف مع غاستون باشلار، الذي أشار إلى هذه الجدلية وحصرها في حركية (حلم الطيران)، والتي تشير إلى تفاعل دينامي دائم ما بين الخفة والثقل. توزعت حركة الطيران (وفق مفهوم باشلار)، أو حركية الخيال في عموميتها (عند شاكر عبد الحميد)، إلى نمطين: نمط الطيران الخفيف، والآخر الثقيل، ومن خلال ترقب الحركة ومعرفة كنهها، تتجلى الذات الإنسانية بأحوالها وشعورياتها المختلفة. وقد ألمح المؤلف إلى أمر بالغ الأهمية، يخص (علم نفس الخيال)، أنّ الأخير :"لا يمكنه أن يتطور باستخدام أشكال وصور سكونية جامدة، إنه يجب أن يقوم على أشكال تكون في حالة تحول دائم. وإن أهمية كبيرة ينبغي أن تعطى لمبادئ التحول الخاصة بالأشكال في هذا المجال.

تجليات الخيال ورصد تحولاته:

يقدم شاكر عبد الحميد –من خلال هذا المؤلف– رؤية شمولية للخيال، نتعرف من خلالها على ماهية الخيال وتمثلاته المختلفة، كما يرصد هذا المؤلف الرصين تحولات الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي. لم يكن رصد المؤلف لتجليات الخيال، الوقوف عليها فحسب، بل الإشارة الواعية إلى أن الخيال ليس بنية ذهنية ثابتة، بل يتغير الخيال تمثلا وتمثيلا وتتعدد وسائطة باختلاف العصور والأزمنة، فمن النقش على الحجر كمعادل أيقوني، يصور الإنسان –من خلاله– مخاوفه وتوقعاته، إلى الأسطورة التي تحولت إلى أداة تفسير للوجود واستقراء للعالم. ثم تتشكل الأبنية الموازية للعالم عبر أدائيات التمثيل في النصوص/الفنون المختلفة، وفي هذه البناءات الفنية، لم يكتف الإنسان بتصور العالم، ولكنه أعاد تركيبه وترتيبه مرة أخرى؛ ليكون الخيال حالئذ موازيا للوعي المحايث. ثم تتحول عملية التمثيل التخييلي إلى تجسيد أيقوني في العالم الافتراضي. تلك التحولات تشير إلى أنّ الخيال ليس امتدادًا لتفاعلية تاريخية بين الذات الواعية والخيال، فقوى التخييل تتغير تغيرا جذريا باختلاف الأزمنة ومدى وعي الذات بكينونتها، وماهية والعالم من حولها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى