تضعنا الأديبة جمالات عبد اللطيف في قصتها القصيرة المعنونة بـ "والبنون" أمام مرآة كاشفة، لا تعكس ملامح الوجه بل تعكس عورات العلاقات الإنسانية في أقصى لحظات ضعفها. النص ليس مجرد سرد لمشهد الموت، بل هو "تشريح أدبي" يتجاوز الجسد الفيزيائي ليصل إلى عفن الروابط الاجتماعية حين يقتلها الجفاء.
العنوان
تبدأ الكاتبة بذكاء لغوي لافت من "عتبة العنوان"؛ فعبارة "والبنون" هي اقتطاع مقصود من السياق القرآني (المال والبنون زينة الحياة الدنيا). هذا الاجتزاء يضع القارئ فوراً في مواجهة مع "المسكوت عنه"؛ فأين الزينة؟ وأين المال؟ لقد أسقطت الكاتبة مفردة "الزينة"؛ لتترك "البنين" عراة أمام مسؤوليتهم الأخلاقية التي غابت؛ ليتحول حرف الواو من حرف عطف إلى حرف استئناف لفاجعة كبرى.
وبمقارنة بسيطة مع لون أدبي آخر تناول نفس الموضوع، نجد أن الخال عبد الرحمن الأبنودي في قصيدة "العمة يامنة" سأل على لسان عمته:
ما عارفش تجيب لك حتة واد؟
ولا أقول لك:
يعني اللي جبناهم
نفعونا في الدنيا بإيه؟
غيرشي الإنسان مغرور
تجاوز الأبنودي "الحكي" الشعبي لتصل قصيدته إلى مرتبة "الفلسفة الوجودية" بلغة بسيطة وتقطير شعوري مذهل؛ لتعيد تعريف قيمة الأبناء من "منفعة مادية/اجتماعية" إلى مجرد "ونس عاطفي" عابر.
النص الشعري هنا يلامس حقيقة أن الإنسان يجيء وحيداً ويمضي وحيداً. "المنفعة" في الدنيا وهم كبير، وكل ما يحيط بنا من صخب الأبناء والعزوة هو مجرد "ستارة" نخبئ خلفها خوفنا من الفناء.
وصف الإنسان بـ "المغرور" هو تشخيص دقيق لحالة "الإنكار" التي يعيشها البشر؛ فنحن ننجب لنشعر بالأهمية، بينما الحقيقة أن الأيام تأكل الآباء والأبناء معاً ولا يبقى إلا "التراب"، ولا أحد ينفع والديه أو ذويه.
وهو ما يؤكده النص السماوي: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [النساء: 11]، وكذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14].
وهكذا تلتقي قصة "والبنون" لجمالات عبد اللطيف مع "يامنة" الأبنودي عند نقطة الارتطام بالحقيقة العارية؛ فإذا كانت يامنة قد صاغت الفجيعة "فلسفياً" قبل رحيلها بوصفها للإنسان بـ "المغرور" الذي يظن في بنيه نفعاً، فإن بطلة جمالات عبد اللطيف قد قدمت البرهان "المادي" على هذا الغرور وهي تتحلل وحيدة تحت سطوة البكتيريا وجحافل النمل.
إن هذا التقاطع بين النصين يؤكد أن "الموت المعزول" ليس جرماً بيولوجياً فحسب، بل هو ثمرة منظومة من "الإنكار" البشري؛ حيث نبني من الأبناء "ستارة" لنحجب رؤية الفناء، فلا نستفيق إلا وقد تآكل الستار وبقي التراب وحده سيد المشهد. بين سؤالين "أين ابنتي؟" الضائعة في رائحة التحلل، وبين "نفعونا في الدنيا بإيه؟" الساخرة من الوهم، يتجسد شرخ الوجود الإنساني في أقسى صوره، ليبقى النص الإبداعي -سواء كان سرداً أم شعراً- هو الصرخة الأخيرة في وجه صمت الجحود وعبثية الغرور.
من الرمزية إلى الواقعية
تعتمد القاصة تقنية "الراوي المتوفى"، وهي تقنية تمنح النص قدرة على تجاوز الحواس التقليدية. إننا لا نرى الموت هنا كحالة سكون مهيبة، بل نراه "حركة بيولوجية" صاخبة:
* جحافل النمل وكتائب الذباب: استخدام مفردات عسكرية (جحافل، كتائب) يصور الجسد كأرض معركة مستباحة، حيث لا تملك "اليد الطيفية" حق الدفاع عن النفس.
* التحلل البيولوجي: برعت الكاتبة في نقل تفاصيل (البكتيريا، الأمعاء، الرئة) لنقل القارئ من التعاطف الذهني إلى الصدمة الحسية، وهي ضرورة فنية لبيان قسوة الإهمال الذي تعرضت له البطلة.
يبرز الصراع في النص بين "المادي" و"الروحي" من خلال صورة الحلي التي تغوص في اليد المنتفخة. أصبح الذهب، الذي ادخرته الأم لابنتها، قيداً ينهش لحمها الميت، وفي المقابل، نجد أن الابنة "الغائبة" لم تقدم حتى "القماشة البيضاء" (الكفن). هنا ترسم جمالات عبد اللطيف تضاداً حاداً: الأم المسكونة بالحب والتدبير حتى في موتها، والابنة المسكونة بـ "أنانيتها بحجة مشاغل الحياة" التي تبرر لها العقوق.
نقد اجتماعي: الغريب أقرب من القريب
في ذروة النص، تظهر لقطة نقدية واجتماعية بالغة الأهمية؛ تلك المرأة البسيطة التي كانت تتلقى المعونات من الأم، هي الوحيدة التي "سترت" الجثة بنصف ملاءة. هذه الجزئية تعيد صياغة مفهوم "الأهل"؛ فليس الأهل بالدم دائماً، بل بالموقف والوفاء. بينما نجد الجيران يكتفون بـ "هز الرؤوس بأسى" والإمساك بأنوفهم، في إشارة إلى أن الموت بالنسبة إلى الآخرين هو "رائحة منفرة" يجب التخلص منها، وليس فقدان إنسان.
الأسلوب واللغة
اتسمت لغة النص بالتكثيف، والاعتماد على الجمل القصيرة التي تشبه أنفاساً متلاحقة أو نبضات تخبو. كما نجحت الكاتبة في استخدام "تقنية الاسترجاع الفني" (Flashback) من خلال ذكريات الأم عن ابنتها وهاتفها، مما خلق توازناً بين "زمن التعفن" و"زمن الاشتياق".
صرخة في وجه الصمت
إن قصة "والبنون" لجمالات عبد اللطيف هي نص يقرع أجراس الخطر حول "العزلة الإنسانية" في العصر الحديث. لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من "الجثة" بطلاً ناطقاً، لا ليشكو ألم الموت، بل ليشكو مرارة الجحود. إنها قصة تنتهي بسؤال مفتوح على الفجيعة: "أين ابنتي؟"، وهو سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن إدانة لمجتمع فقد بوصلة الوفاء.
لي بعض النقاط التي أود طرحها:
* في الوقت الذي يبرز فيه نص "والبنون" للأديبة جمالات عبد اللطيف كعمل إبداعي يستحق الوقوف عنده، غير أن هذا النص جنح بشكل واضح لـ "المباشرة في الطرح" على حساب "الغموض الفني" والمجاز المفتوح. نجد أن "والبنون" قدمت رسالة أخلاقية (فاجعة العقوق) بصورة حاسمة ومكتملة. هذا الانحياز العاطفي لجانب "الأم الضحية" صبغ النص بصبغة "الوعظ الأدبي" وإن كان مغلفاً بلغة إبداعية.
* ورغم البراعة في رصد التفاصيل الحسية (النمل، البكتيريا، والتحلل العضوي)، إلا أن النص ظل أسيراً لثيمة "الموت المعزول" المكررة في الأدبين العربي والعالمي. إن بقاء الصراع داخل الدائرة التقليدية (الابنة المشغولة مقابل الأم الصابرة) يجعل النص يفتقر إلى ما يسميه جان بول سارتر بـ "المباغتة الوجودية" التي نجدها في الأعمال الأدبية الخالدة لأدباء مثل كامو وسارتر، تلك الأعمال تعيد تعريف علاقة الإنسان بالموت خارج الأطر الجاهزة.
* تفتقر القصة إلى ما يسميه جيرار جينيت بـ "النص الموازي" أو "الخلفية الكونية"؛ فالمأساة هنا تظل حبيسة الجدران الأربعة للشقة (مأساة منزلية). الكاتبة لم تنجح في ربط العفن الجسدي بعفن القيم في "مجتمع ما بعد الحداثة" أو تحويل موت الفرد إلى استعارة لموت المدينة أو التاريخ. غياب هذا الربط الفلسفي الأوسع يجعل من النص قصة وجدانية مؤثرة، لكنها تفتقد للثقل الذي يؤهلها لتكون رمزاً إنسانياً شاملاً.
* استخدمت الكاتبة تقنية "الراوي الميت"، وهي تقنية إبداعية لها تاريخها الطويل. إلا أننا نجد في "والبنون" أن الراوي يتحدث بلغة عاطفية تقليدية تنتمي لنمط السرد الرومانسي-الواقعي، مما يقلل من حدة الصدمة الفنية المطلوبة في أدب الحداثة.
* يعتمد النص في جوهره على شحنة عاطفية مستمدة من "التناص" مع الموروث الديني والبيئة الشعبية (مفاهيم الستر، المسك، الكفن). هذه المفاهيم، رغم قوتها في لغتها الأم، غالباً ما تفقد ثقلها الوجداني لتتحول إلى مجرد "فولكلور شرقي" في نظر القارئ الغربي. هذا الارتباط الوثيق بالخصوصية المحلية يحول النص إلى عمل "إقليمي" بامتياز، لا يتجاوز حدود الجغرافيا الثقافية.
* يمتلك النص طاقة إبداعية هائلة لكنه بحاجة إلى تعميق الغموض الوجودي من خلال تحويل "غياب الابنة" من سبب اجتماعي مبرر إلى حالة وجودية مجهولة السبب.
* يحتاج النص إلى الانتقال للصورة المشهدية من خلال تقليل الاعتماد على الصفات العاطفية المباشرة (أسى، فزع) واستبدالها بـ "حركة الكاميرا ولغتها" التي تترك للصورة وحدها مهمة نقل الرعب.
* بالإضافة إلى ما سبق، فإن النص يحتاج إلى توسيع الأفق الفلسفي من خلال ربط تحلل الجسد بانهيار أوسع، ليكون الموت استعارة كبرى لا مجرد واقعة بيولوجية.
وعلى الرغم من تلك النقاط النقدية، تظل قصة "والبنون" تجربة إبداعية شديدة الكثافة والصدق، استطاعت ببراعة لغوية أن تهز وجدان القارئ، وهي شهادة استحقاق للأديبة جمالات عبد اللطيف في قدرتها على تطويع اللغة لخدمة قضايا الإنسان الشعورية والوجودية
العنوان
تبدأ الكاتبة بذكاء لغوي لافت من "عتبة العنوان"؛ فعبارة "والبنون" هي اقتطاع مقصود من السياق القرآني (المال والبنون زينة الحياة الدنيا). هذا الاجتزاء يضع القارئ فوراً في مواجهة مع "المسكوت عنه"؛ فأين الزينة؟ وأين المال؟ لقد أسقطت الكاتبة مفردة "الزينة"؛ لتترك "البنين" عراة أمام مسؤوليتهم الأخلاقية التي غابت؛ ليتحول حرف الواو من حرف عطف إلى حرف استئناف لفاجعة كبرى.
وبمقارنة بسيطة مع لون أدبي آخر تناول نفس الموضوع، نجد أن الخال عبد الرحمن الأبنودي في قصيدة "العمة يامنة" سأل على لسان عمته:
ما عارفش تجيب لك حتة واد؟
ولا أقول لك:
يعني اللي جبناهم
نفعونا في الدنيا بإيه؟
غيرشي الإنسان مغرور
تجاوز الأبنودي "الحكي" الشعبي لتصل قصيدته إلى مرتبة "الفلسفة الوجودية" بلغة بسيطة وتقطير شعوري مذهل؛ لتعيد تعريف قيمة الأبناء من "منفعة مادية/اجتماعية" إلى مجرد "ونس عاطفي" عابر.
النص الشعري هنا يلامس حقيقة أن الإنسان يجيء وحيداً ويمضي وحيداً. "المنفعة" في الدنيا وهم كبير، وكل ما يحيط بنا من صخب الأبناء والعزوة هو مجرد "ستارة" نخبئ خلفها خوفنا من الفناء.
وصف الإنسان بـ "المغرور" هو تشخيص دقيق لحالة "الإنكار" التي يعيشها البشر؛ فنحن ننجب لنشعر بالأهمية، بينما الحقيقة أن الأيام تأكل الآباء والأبناء معاً ولا يبقى إلا "التراب"، ولا أحد ينفع والديه أو ذويه.
وهو ما يؤكده النص السماوي: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} [النساء: 11]، وكذلك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14].
وهكذا تلتقي قصة "والبنون" لجمالات عبد اللطيف مع "يامنة" الأبنودي عند نقطة الارتطام بالحقيقة العارية؛ فإذا كانت يامنة قد صاغت الفجيعة "فلسفياً" قبل رحيلها بوصفها للإنسان بـ "المغرور" الذي يظن في بنيه نفعاً، فإن بطلة جمالات عبد اللطيف قد قدمت البرهان "المادي" على هذا الغرور وهي تتحلل وحيدة تحت سطوة البكتيريا وجحافل النمل.
إن هذا التقاطع بين النصين يؤكد أن "الموت المعزول" ليس جرماً بيولوجياً فحسب، بل هو ثمرة منظومة من "الإنكار" البشري؛ حيث نبني من الأبناء "ستارة" لنحجب رؤية الفناء، فلا نستفيق إلا وقد تآكل الستار وبقي التراب وحده سيد المشهد. بين سؤالين "أين ابنتي؟" الضائعة في رائحة التحلل، وبين "نفعونا في الدنيا بإيه؟" الساخرة من الوهم، يتجسد شرخ الوجود الإنساني في أقسى صوره، ليبقى النص الإبداعي -سواء كان سرداً أم شعراً- هو الصرخة الأخيرة في وجه صمت الجحود وعبثية الغرور.
من الرمزية إلى الواقعية
تعتمد القاصة تقنية "الراوي المتوفى"، وهي تقنية تمنح النص قدرة على تجاوز الحواس التقليدية. إننا لا نرى الموت هنا كحالة سكون مهيبة، بل نراه "حركة بيولوجية" صاخبة:
* جحافل النمل وكتائب الذباب: استخدام مفردات عسكرية (جحافل، كتائب) يصور الجسد كأرض معركة مستباحة، حيث لا تملك "اليد الطيفية" حق الدفاع عن النفس.
* التحلل البيولوجي: برعت الكاتبة في نقل تفاصيل (البكتيريا، الأمعاء، الرئة) لنقل القارئ من التعاطف الذهني إلى الصدمة الحسية، وهي ضرورة فنية لبيان قسوة الإهمال الذي تعرضت له البطلة.
يبرز الصراع في النص بين "المادي" و"الروحي" من خلال صورة الحلي التي تغوص في اليد المنتفخة. أصبح الذهب، الذي ادخرته الأم لابنتها، قيداً ينهش لحمها الميت، وفي المقابل، نجد أن الابنة "الغائبة" لم تقدم حتى "القماشة البيضاء" (الكفن). هنا ترسم جمالات عبد اللطيف تضاداً حاداً: الأم المسكونة بالحب والتدبير حتى في موتها، والابنة المسكونة بـ "أنانيتها بحجة مشاغل الحياة" التي تبرر لها العقوق.
نقد اجتماعي: الغريب أقرب من القريب
في ذروة النص، تظهر لقطة نقدية واجتماعية بالغة الأهمية؛ تلك المرأة البسيطة التي كانت تتلقى المعونات من الأم، هي الوحيدة التي "سترت" الجثة بنصف ملاءة. هذه الجزئية تعيد صياغة مفهوم "الأهل"؛ فليس الأهل بالدم دائماً، بل بالموقف والوفاء. بينما نجد الجيران يكتفون بـ "هز الرؤوس بأسى" والإمساك بأنوفهم، في إشارة إلى أن الموت بالنسبة إلى الآخرين هو "رائحة منفرة" يجب التخلص منها، وليس فقدان إنسان.
الأسلوب واللغة
اتسمت لغة النص بالتكثيف، والاعتماد على الجمل القصيرة التي تشبه أنفاساً متلاحقة أو نبضات تخبو. كما نجحت الكاتبة في استخدام "تقنية الاسترجاع الفني" (Flashback) من خلال ذكريات الأم عن ابنتها وهاتفها، مما خلق توازناً بين "زمن التعفن" و"زمن الاشتياق".
صرخة في وجه الصمت
إن قصة "والبنون" لجمالات عبد اللطيف هي نص يقرع أجراس الخطر حول "العزلة الإنسانية" في العصر الحديث. لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من "الجثة" بطلاً ناطقاً، لا ليشكو ألم الموت، بل ليشكو مرارة الجحود. إنها قصة تنتهي بسؤال مفتوح على الفجيعة: "أين ابنتي؟"، وهو سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن إدانة لمجتمع فقد بوصلة الوفاء.
لي بعض النقاط التي أود طرحها:
* في الوقت الذي يبرز فيه نص "والبنون" للأديبة جمالات عبد اللطيف كعمل إبداعي يستحق الوقوف عنده، غير أن هذا النص جنح بشكل واضح لـ "المباشرة في الطرح" على حساب "الغموض الفني" والمجاز المفتوح. نجد أن "والبنون" قدمت رسالة أخلاقية (فاجعة العقوق) بصورة حاسمة ومكتملة. هذا الانحياز العاطفي لجانب "الأم الضحية" صبغ النص بصبغة "الوعظ الأدبي" وإن كان مغلفاً بلغة إبداعية.
* ورغم البراعة في رصد التفاصيل الحسية (النمل، البكتيريا، والتحلل العضوي)، إلا أن النص ظل أسيراً لثيمة "الموت المعزول" المكررة في الأدبين العربي والعالمي. إن بقاء الصراع داخل الدائرة التقليدية (الابنة المشغولة مقابل الأم الصابرة) يجعل النص يفتقر إلى ما يسميه جان بول سارتر بـ "المباغتة الوجودية" التي نجدها في الأعمال الأدبية الخالدة لأدباء مثل كامو وسارتر، تلك الأعمال تعيد تعريف علاقة الإنسان بالموت خارج الأطر الجاهزة.
* تفتقر القصة إلى ما يسميه جيرار جينيت بـ "النص الموازي" أو "الخلفية الكونية"؛ فالمأساة هنا تظل حبيسة الجدران الأربعة للشقة (مأساة منزلية). الكاتبة لم تنجح في ربط العفن الجسدي بعفن القيم في "مجتمع ما بعد الحداثة" أو تحويل موت الفرد إلى استعارة لموت المدينة أو التاريخ. غياب هذا الربط الفلسفي الأوسع يجعل من النص قصة وجدانية مؤثرة، لكنها تفتقد للثقل الذي يؤهلها لتكون رمزاً إنسانياً شاملاً.
* استخدمت الكاتبة تقنية "الراوي الميت"، وهي تقنية إبداعية لها تاريخها الطويل. إلا أننا نجد في "والبنون" أن الراوي يتحدث بلغة عاطفية تقليدية تنتمي لنمط السرد الرومانسي-الواقعي، مما يقلل من حدة الصدمة الفنية المطلوبة في أدب الحداثة.
* يعتمد النص في جوهره على شحنة عاطفية مستمدة من "التناص" مع الموروث الديني والبيئة الشعبية (مفاهيم الستر، المسك، الكفن). هذه المفاهيم، رغم قوتها في لغتها الأم، غالباً ما تفقد ثقلها الوجداني لتتحول إلى مجرد "فولكلور شرقي" في نظر القارئ الغربي. هذا الارتباط الوثيق بالخصوصية المحلية يحول النص إلى عمل "إقليمي" بامتياز، لا يتجاوز حدود الجغرافيا الثقافية.
* يمتلك النص طاقة إبداعية هائلة لكنه بحاجة إلى تعميق الغموض الوجودي من خلال تحويل "غياب الابنة" من سبب اجتماعي مبرر إلى حالة وجودية مجهولة السبب.
* يحتاج النص إلى الانتقال للصورة المشهدية من خلال تقليل الاعتماد على الصفات العاطفية المباشرة (أسى، فزع) واستبدالها بـ "حركة الكاميرا ولغتها" التي تترك للصورة وحدها مهمة نقل الرعب.
* بالإضافة إلى ما سبق، فإن النص يحتاج إلى توسيع الأفق الفلسفي من خلال ربط تحلل الجسد بانهيار أوسع، ليكون الموت استعارة كبرى لا مجرد واقعة بيولوجية.
وعلى الرغم من تلك النقاط النقدية، تظل قصة "والبنون" تجربة إبداعية شديدة الكثافة والصدق، استطاعت ببراعة لغوية أن تهز وجدان القارئ، وهي شهادة استحقاق للأديبة جمالات عبد اللطيف في قدرتها على تطويع اللغة لخدمة قضايا الإنسان الشعورية والوجودية