أحمد رجب شلتوت - حينما تكون الأساطير مرايا للبشر قراءة في رواية "غرام وانتقام بوسوسو" لحجاج أدول




أعتقد أن المبدع الكبير "حجاج أدول" حينما لجأ إلى الأسطورة في رواية "غرام وانتقام بوسوسو" لم يكن يسعى إلى الإدهاش، بقدر ما كان يحاول استخدامها في محاولته لإعادة اكتشاف الإنسان، فبدلًا من مواجهة القارئ مباشرة بأسئلة الحب، والغيرة، والسلطة، والانتقام، قرر أن ينقل هذه الأسئلة إلى فضاء أسطوري، حيث تتحرر من تفاصيل الواقع اليومية، وتظهر في صورتها الإنسانية الخالصة، وهو حين اختار الضباب عنوانًا للمملكة جعل منه استعارة كبرى للوعي الإنساني، فشخصيات الرواية من الجن، مثلها مثل البشر، تتحرك في مساحة تتجاور فيها المعرفة والجهل، والرغبة والخوف، والحقيقة والوهم.

أما قوس قزح الذي يرافق ميلاد بوسوسو، فيعلن منذ البداية أن الرواية ستقوم على التوتر بين الأضداد، فقوس قزح يولد من اجتماع النقيضين (المطر والشمس). ومن ثم فإن الشخصية التي يولد قدرها تحت هذه العلامة سوف تعيش في عالم تتجاور فيه المحبة مع الغيرة، والغرام مع الانتقام. وهكذا يكشف المشهد الافتتاحي، عن البنية العميقة للرواية. فالعناصر التي قد تبدو للقارئ تفاصيل أسطورية ليست سوى إشارات مبكرة إلى أن النص لا يبني عالمًا غرائبيًا بقدر ما يبني نظامًا من الرموز.

يعلن عنوان الرواية، عن ثنائية تقليدية، فبين الغرام والانتقام تتحرك الشخصيات صعودًا وهبوطًا. لكن القراءة المتأنية تكشف أن حجاج أدول يهدم هذا التضاد المألوف منذ الصفحات الأولى، فالحب هنا ليس حالة مستقرة، كما أن الانتقام ليس منفصلًا عن التجربة العاطفية، وكلاهما يصدر عن المنبع النفسي ذاته؛ ومن ثم فإن الانتقام يولد، غالبا، من حب فقد قدرته على الاستمرار.

بهذا المعنى يبدو الغرام مقدمة للانتقام، فكلما ازدادت طاقة الحب، ازداد احتمال أن تتحول، إذا تم انتهاكها بالخيانة أو الإحباط، إلى قوة هدم، وهذا التحول تعتبره الرواية أحد قوانين النفس الإنسانية، ومن هنا فإن الشخصيات تحمل داخلها رغبات متعارضة، تتصارع في صمت، ثم تجد تعبيرها في الأفعال والمواقف، ولعل هذا ما يقرب الرواية من التراجيديا حيث لا يكون البطل شريرًا بطبيعته، بل تقوده سلسلة متصلة من الاختيارات والظروف إلى مصيره. وكذلك تتحول شخصيات حجاج أدول؛ إلى الانتقام عبر سلسلة من الانكسارات الداخلية، وهذه الرؤية تمتد إلى عالم الرواية بأسره، فـمملكة جن الضباب ليست مملكة للصالحين في مواجهة الأشرار، كما عودتنا الحكايات الأسطورية القديمة، وليست عالمًا مثاليًا يهرب إليه الكاتب من فساد الواقع، إنها، على العكس، عالم تتكرر فيه المعضلات الإنسانية نفسها، بما يؤكد أن الكاتب يبحث عن زاوية جديدة لرؤية الكون.

وهنا تحديدا تبدأ الفانتازيا في أداء وظيفتها الحقيقية، فالجن عند حجاج أدول يمثلون إمكانية فنية لتجريد الإنسان من هوياته الجاهزة. لذلك فهو يستخدمهم لتقليل المسافة بين الأسطورة والواقع، فكلما ازداد العالم غرابة، ازدادت الشخصيات قربًا من خبرتنا الإنسانية. وهنا تتحقق مفارقة الرواية الكبرى؛ إذ تتحول الفانتازيا إلى أكثر أشكال الواقعية عمقًا، لأنها لا تصف مظاهر الحياة، وإنما تكشف بنيتها النفسية، ومن هنا يمكن فهم النظام الرمزي الذي يشيد عليه حجاج أدول روايته، فالضباب، ليس خلفية طبيعية، بل رمز لحالة الإنسان الذي يتحرك دائمًا بين ما يعرفه وما يجهله.

أما الطيران، الذي يتكرر في عالم الجن، فيعبر عن الحلم الدائم بتجاوز الحدود التي تحاصر الذات. غير أن الرواية تذكرنا، في كل مرة، بأن الكائن يستطيع أن يتحرر من المكان، لكنه لا يستطيع أن يهرب من ذاته بانكساراتها وإحباطاتها، وفي المقابل، يصبح قوس قزح علامة على إمكان اجتماع المتناقضات. فإذا كان يولد إلا من التقاء المطر بالشمس، فإن شخصيات الرواية تتشكل من اجتماع النور والظل داخلها، لا نجد في الرواية شخصية نقية تماما، ولا أخرى مظلمة كلية؛ الجميع يعيشون داخل المنطقة الرمادية التي هي، في النهاية، منطقة الإنسان، وكأن الرواية تدعونا إلى الشك في الصور الجاهزة التي اعتاد أن ينظر بها الإنسان إلى عالمه.

ومن هنا فإن الرواية تعيد تعريف وظيفة الفانتازيا نفسها، فالخيال عند حجاج أدول ليس نقيضًا للواقع، وإنما طريق آخر للوصول إليه؛ والأسطورة ليست استدعاءً للموروث، بقدر ما هي أداة لإعادة مساءلة الحاضر، وكشف ما تخفيه النفس الإنسانية من تناقضات.

ولهذا فإن "غرام وانتقام بوسوسو" تمثل، في تقديري، لحظة نضج جديدة في المشروع الروائي لحجاج أدول. لأنها حررت السؤال الذي ظل حاضرًا في كتابته من ارتباطه بمكان بعينه، وجعلته سؤالًا مفتوحًا على التجربة الإنسانية في معناها الأوسع، لذلك اختار كائنات لا تنتمي إلى العالم البشري لتكون حاملة لهذه الأسئلة. وهنا تكمن المفارقة التي تمنح الرواية فرادتها. فالأسطورة لا تحجب الإنسان، وإنما تكشفه. والغرابة لا تبعدنا عن أنفسنا، إنما تعيدنا إليها وقد تحررنا من ألفة العادة ومن يقين الأحكام الجاهزة. وكأن الكاتب يخبرنا إننا لن نعرف ذواتنا إلا حين ننظر إليها من خارجها، وأن الأسطورة ليست نقيض الإنسان، بل مرآته الأكثر صفاءً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى