المقدمة
تُعد سوسن الشريف من الأصوات السردية التي تميل إلى استثمار التفاصيل اليومية بوصفها فضاءً كاشفًا للبنى النفسية والاجتماعية التي تنتظم العلاقات الإنسانية من الداخل.
ويبدو هذا المنحى متسقًا مع تكوينها العلمي في مجال اجتماعيات التربية، وخبرتها المهنية في الاستشارات النفسية والاجتماعية، غير أن هذه الخلفية لا تُستدعى هنا بوصفها مرجعًا لتفسير النص أو اختزال دلالاته، وإنما بوصفها سياقًا ثقافيًا يضيء جانبًا من اهتمام الكاتبة بأسئلة الوعي الإنساني وآليات تشكله، مع بقاء النص نفسه المرجع الأول والأخير في بناء القراءة النقدية.
وتأتي قصة “طاسة تيفال”[1] ضمن المجموعة القصصية “مشهد خارجي”[2]، وهو عنوان يلفت الانتباه منذ البداية إلى العلاقة بين الظاهر والخفي؛ فالمشهد الخارجي لا يُقدَّم بوصفه غاية في ذاته، بل بوصفه نقطة انطلاق نحو ما يختبئ خلفه من أنساق نفسية واجتماعية وثقافية.
ومن هذا المنظور، لا يبدو اختيار الكاتبة لأداة منزلية مألوفة مجرد رهان على غرابة الموضوع أو مفارقته، وإنما استراتيجية سردية تقوم على تحويل الهامشي إلى مركز دلالي، بحيث يصبح الشيء اليومي مدخلًا لاستكشاف البنية العميقة التي تحكم الشخصيات وعلاقاتها.
وتكشف القراءة المتأنية أن النص لا ينشغل بالحادثة الظاهرة بقدر ما ينشغل بالشروط التي تمنحها هذا الأثر الطاغي في وعي الشخصية. فالمثير الخارجي يظل محدودًا في حجمه الواقعي، بينما يتسع حضوره النفسي حتى يعيد تشكيل إدراك البطلة للعالم من حولها.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بما حدث فعلًا، وإنما بالكيفية التي تُنتج بها الذات معنى الحدث، وبالآليات التي تجعلها تستجيب لسلطة قد لا تكون حاضرة بالفعل، لكنها تظل فاعلة في أعماق الوعي.
ومن ثم يتحول النص من حكاية تبدو في ظاهرها مرتبطة بخدشٍ متوهَّم في أداة منزلية إلى مساءلة سردية لطبيعة السلطة حين تنتقل من حضورها الخارجي إلى استقرارها الداخلي.
وانطلاقًا من ذلك، تقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها أن
قصة “طاسة تيفال” لا تتمحور حول الخوف بوصفه موضوعها الرئيس، ولا تقتصر على تصوير علاقة زوجية مضطربة أو بنية اجتماعية ضاغطة، وإنما تكشف الكيفية التي تتحول بها السلطة الخارجية (ممثلة في سلطة الزوج، وسلطة التنشئة، وسلطة الثقافة الاجتماعية) إلى رقابة داخلية تستقر في وعي الشخصية، حتى تغدو الذات شريكًا في إعادة إنتاج القيود التي تخضع لها.
وبهذا يغدو الخوف أثرًا نفسيًا لهذه السلطة المستبطنة، لا مصدرها الأول؛ إذ تنجح السلطة، بعد تراكم الخبرة وإعادة إنتاجها اجتماعيًا، في أن تجعل الفرد يحمل رقيبَه في داخله، ويعيد تفسير الواقع من خلاله، حتى يصبح الإدراك النفسي أكثر تأثيرًا في تشكيل السلوك من الوقائع المادية ذاتها.
واختبارًا لهذه الفرضية، تعتمد الدراسة قراءة سوسيو–سيكولوجية تنطلق من النص ذاته، وتتتبع البنية السردية ومسارات تشكل الدلالة فيه، وصولًا إلى الكشف عن التفاعل بين البعدين النفسي والاجتماعي في إنتاج المعنى، وكيفية انتقال السلطة من المجال الخارجي إلى المجال الداخلي عبر أدوات السرد ورموزه.
وتظل هذه القراءة ملتزمة بالمبدأ المنهجي الحاكم للدراسة: أن النص هو نقطة البداية، وهو كذلك نقطة الوصول، وأن أي تأويل لا يكتسب مشروعيته إلا بقدر ما يستند إلى ما ينتجه النص نفسه من شواهد وعلاقات ودلالات.
تمهيد: العتبات النصية
لا تُقرأ العتبات هنا بوصفها مفاتيح جاهزة لتفسير النص، وإنما بوصفها إشارات أولية تُسهم في تشكيل أفق انتظار يظل مفتوحًا للمراجعة كلما تقدمت القراءة، بحيث لا تستقر دلالة أي عنصر منها إلا في ضوء ما يكشفه المتن السردي.
تبدأ القراءة مع عنوان المجموعة القصصية “مشهد خارجي”، وهو عنوان يلفت الانتباه إلى فعل الرؤية أكثر مما يحيل إلى موضوعها. فـ”المشهد” يوحي بلقطة محددة، أما وصف “خارجي” فيخلق منذ البداية مسافة بين ما يظهر للعين وما يبقى مستترًا خلفه، وكأن المجموعة تعلن أن الواقع المرئي ليس سوى سطح يخفي طبقات أعمق من المعنى.
ومن ثم يتهيأ القارئ لتوقع نصوص تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لكنها لا تكتفي بظاهرها، بل تنفذ إلى ما يختبئ خلفها من أبعاد نفسية واجتماعية.
ويعزز غلاف المجموعة هذا الأفق؛ إذ يتخذ هيئة “الكلاكيت” السينمائي الذي يحتضن عدة مشاهد حياتية متجاورة، بما يوحي بأن القصص ليست سوى لقطات مقتطعة من الواقع، يلتقط السرد من خلالها لحظات عابرة تختزل تجارب إنسانية كاملة.
وهكذا تتكامل العتبتان البصرية واللفظية في الإيحاء بأن الظاهر ليس سوى مدخل إلى عالم أعمق، لا يُكشف إلا عبر القراءة.
وفي هذا السياق يأتي عنوان القصة “طاسة تيفال” بوصفه أكثر العتبات إثارة للتساؤل؛ فهو يحيل إلى أداة منزلية مألوفة، لا توحي (في ظاهرها)بإمكان حملها لمعنى درامي أو إنساني واسع.
غير أن هذا الاختيار ذاته يوقظ فضول القارئ، ويدفعه إلى التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لشيء شديد الاعتياد أن يتحول إلى مركز للحكاية.
ومن هنا تنشأ منذ البداية مفارقة بين بساطة الشيء المشار إليه في العنوان، واتساع الدلالة التي قد يكتسبها داخل المتن السردي.
وتكتسب هذه العتبات بعدًا إضافيًا إذا استحضرت الخلفية المعرفية للكاتبة سوسن الشريف، التي تجمع بين الممارسة الإبداعية والخبرة الأكاديمية في الاجتماعيات والاستشارات النفسية والاجتماعية.
غير أن هذه الخلفية لا تُتخذ مفتاحًا لتفسير النص، بقدر ما تُعد سياقًا ثقافيًا يفسر جانبًا من حساسية الكاتبة تجاه العلاقات الإنسانية والبنى الاجتماعية، مع بقاء المرجعية النهائية لما يتيحه النص نفسه من إمكانات للتأويل.
أولًا: من الحدث إلى الوعي... كيف يبدأ استبطان السلطة
1- شرارة الحدث... حين يتجاوز الأثر حجم سببه
يفتتح النص بمشهد منزلي بالغ الاعتياد؛ امرأة أنهت إعداد طعامها، وتتهيأ لتناوله بشهية واضحة: “يبدو الطعام اليوم من أطيب ما طهوت، لا يمكنني الانتظار، سأتناوله على الفور...”[3]. ويحرص السرد في هذه البداية على ترسيخ حالة من الرضا والطمأنينة، قبل أن يقطعها صوت عابر: “آآه... صوت احتكاك الملعقة بالطاسة التيفال مرعب.”[4]
ولا يمر وصف هذا الصوت بأنه “مرعب” مرورًا عابرًا؛ فالرعب لا يصدر عن الصوت ذاته، وإنما عن المعنى الذي يستدعيه في وعي البطلة. وهنا تتجلى المفارقة الأولى في النص؛ إذ يتضاءل الحدث الخارجي إلى أقصى حد، بينما يتسع أثره النفسي اتساعًا لا يتناسب مع حجمه الواقعي، فيصبح محور السرد ليس الإناء، بل الوعي الذي يستجيب له.
وتبدأ الحركة السردية الحقيقية مع قول البطلة: “سيجلب ذلك كثيرًا من المشاكل مع زوجي.”[5] فمنذ هذه اللحظة يغدو توقع العقاب القوة المحركة لما يلي من أحداث، بينما ينتهي الحدث المادي تقريبًا عند لحظة الاحتكاك، لتبدأ سلسلة متصلة من الهواجس والاستدعاءات.
وهنا تتجلى قدرة الكاتبة على الاقتصاد السردي؛ إذ تستخرج عالمًا نفسيًا كاملًا من لحظة عابرة، وتجعل الأثر الداخلي أكبر بكثير من سببه الخارجي.
2- الجسد المرتبك... حين يستجيب الإدراك قبل الواقع
لا يظل الاضطراب النفسي حبيس الوعي، بل يجد طريقه سريعًا إلى الجسد، فيتحول الجسد نفسه إلى لغة موازية تكشف ما تعجز الشخصية عن التصريح به. تقول البطلة: “اللقيمات القليلة التي تناولتها من وجبتي الشهية الساخنة تصلبت داخل فمي، تأبى ابتلاعها، أرشف جرعات مياه، لكنها لا تزيل الغصة من حلقي ولا تعيد خفقات قلبي لنبضها الطبيعي.”[6]
وتتسم هذه الصورة بدقة لافتة؛ فالاستجابة الجسدية تسبق تحقق الخطر نفسه، حتى يبدو الجسد وكأنه يتعامل مع الاحتمال بوصفه واقعًا قائمًا.
وهنا لا يقدم النص الخوف بوصفه فكرة ذهنية مجردة، وإنما بوصفه خبرة وجودية تشمل الإنسان كله، فيغدو الجسد أول من يصدق ما لم يقع بعد.
وتكشف هذه اللغة الجسدية جانبًا مهمًا في بناء الشخصية؛ إذ تستقبل البطلة الموقف بكامل كيانها، وكأن سنوات طويلة من التوجس قد جعلت الجسد نفسه يتعلم آليات الاستجابة قبل أن يصدر العقل حكمه النهائي. وبذلك يصبح الجسد شاهدًا على عمق الأثر النفسي، لا مجرد وعاء يحمل الانفعال.
3- زمن الاحتمالات... حين يسبق الخوف وقوع الحدث
بعد أن يستقر الاضطراب في الداخل، يتخلى السرد عن خطيته الزمنية، ويتحرك بحرية بين الماضي والحاضر والمستقبل. فاللحظة الراهنة تستدعي مباشرة ذكرى شراء الطاسة، حين فضّل الزوج اقتناءها على شراء قطرة العين التي أكد الطبيب ضرورتها. ولا يأتي هذا الاسترجاع لمجرد استعادة واقعة سابقة، بل للكشف عن طبيعة العلاقة بين الزوجين ومنظومة القيم التي تحكمها.
ومن هذا الماضي يقفز السرد إلى مستقبل لم يقع بعد، لكنه يحتل وعي البطلة كما لو كان حقيقة قائمة: “سيتحول المنزل إلى سجن... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ... سيرفض إعطاء الأولاد مصروفهم... وقد يصل الأمر إلى تخاذله عن دفع تكلفة الدروس الخصوصية...”.[7]
ولا تكمن دلالة هذا التتابع في كثرة الاحتمالات، وإنما في منطقها؛ فكل احتمال يفضي إلى ما هو أشد منه، حتى يغدو المستقبل، في وعي البطلة، فضاءً مفتوحًا للعقاب لا للانتظار.
واللافت أن السرد لا يقدم دليلًا على أن الزوج قال أو فعل شيئًا في اللحظة الراهنة؛ فجميع سيناريوهات العقاب تنشأ داخل وعي البطلة.
ومن ثم لا يتولد التوتر السردي من الحدث ذاته، بل من آلية توقعه، وهو ما يمنح البناء النفسي أولوية واضحة على البناء الحدثي، ويجعل الزمن خاضعًا لحركة الوعي أكثر من خضوعه لتعاقب الوقائع.
ويبلغ هذا البناء ذروته في خاتمة القصة، حين تكتشف البطلة فجأة: “يا الله... إنه الطاجن الفخار الذي اشتريته بالأمس.”[8] وهكذا يعيد النص تأويل كل ما سبقه؛ إذ يتبين أن المأساة لم تنشأ من وقوع الضرر، بل من اعتقاد سابق بوقوعه.
وبذلك ينتقل مركز الثقل من الحدث إلى الإدراك، ويكشف النص عن ذات أصبحت مهيأة لبناء عالم كامل من العقاب قبل أن تتحقق من الواقع.
ثانيًا: تشكل الذات واستبطان السلطة
1- الخوف المقيم... حين يصبح الوعي مستعدًا للعقاب
لا يقدم النص بطلته بوصفها امرأة ترتبك أمام موقف عابر، وإنما يكشف منذ بداياته أن التوجس أصبح جزءًا من بنيتها النفسية، يسبق الوقائع ولا ينتظر حدوثها.
فمجرد اعتقادها أن طاسة التيفال قد خُدشت كان كافيًا لاستدعاء سلسلة طويلة من العقوبات المحتملة، دون أن يكون الزوج حاضرًا، أو أن يصدر عنه في تلك اللحظة أي رد فعل.
ومن ثم لا يعود مصدر الاضطراب الحدث الخارجي، بل الصورة الإدراكية الراسخة التي كوَّنتها الخبرة السابقة عنه.
ولا تقف الشخصية عند حدود توقع الغضب، وإنما تتعامل مع العقاب بوصفه أمرًا محسومًا؛ فهي لا تقول إن الزوج قد يغضب، بل تقفز مباشرة إلى: “سيتحول المنزل إلى سجن غليظ... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ...” [9]
ويكشف هذا الانتقال السريع من السبب إلى النتيجة عن آلية إدراكية لم تعد تختبر الواقع، بل تعيد إنتاجه وفق خبرات ترسخت حتى غدت مرجعها التلقائي في تفسير كل موقف جديد.
ومن هنا لا يبدو الاضطراب استجابة لحادثة بعينها، بل طريقة مستقرة في إدراك العالم؛ فكل احتمال يتحول إلى يقين، وكل خطأ صغير يفتح أبوابًا واسعة للعقاب.
2- سُلَّم المخاوف... كيف تُبنى الذات داخل ثقافة القلق
لا يكتفي النص بتصوير هذه البنية النفسية، بل يعود إلى الجذور التي صنعتها، حين تستدعي البطلة منظومة التنشئة التي أحاطت بجيلها قائلة: “زرعوا الخوف بداخلنا من كل شيء... زمن الخوف من عدم الزواج، وبعده الخوف من عدم الإنجاب، والخوف الأكبر من الطلاق.”[10]
ولا تبدو هذه العبارات مجرد تعداد لمخاوف متفرقة، وإنما تكشف بناءً دلاليًا متدرجًا؛ إذ تبدأ بما يسبق تكوين الأسرة، ثم تنتقل إلى استمرارها، لتنتهي بما يهدد بقاءها.
وبذلك يغدو القلق خيطًا ناظمًا لمراحل الحياة كلها، لا حالة مرتبطة بظرف واحد. ولا تنتقل الشخصية من مرحلة إلى أخرى عبر الأمل أو الاختيار، بل عبر سلسلة من المحاذير التي تُرسم لها مسبقًا، حتى يصبح المستقبل مساحة لتوقع الفقد أكثر منه أفقًا للاحتمال.
وتتجاوز دلالة الفعل “زرعوا” مجرد الإشارة إلى التربية؛ فهو يوحي بعملية طويلة وبطيئة، تتغلغل في النفس كما تتغلغل البذرة في التربة، حتى يصبح ما غُرس في الطفولة جزءًا من الطبيعة الثانية للإنسان.
وهكذا لا يظهر التوجس بوصفه انفعالًا مكتسبًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل ثمرة تنشئة ممتدة أعادت تشكيل رؤية الشخصية إلى نفسها وإلى العالم.
3- الاعتراف الأخير... حين تكتشف الذات تاريخها النفسي
يبلغ النص إحدى أكثر لحظاته عمقًا عندما تتوقف البطلة عن تفسير سلوك الزوج، وتلتفت إلى نفسها قائلة: “لا يمكنني قبول التحدي يا سيدتي، فأنا امرأة من زمن الخوف.”[11] وتمثل هذه الجملة لحظة وعي فارقة؛ إذ تنقل تفسير الأزمة من مستوى العلاقة الزوجية إلى مستوى تكوين الذات.
ويترسخ هذا الوعي أكثر حين تضيف: “هذا ميراث وفير من أزمنة مضت، فقد كنت منذ طفولتي أكثر إخوتي خوفًا، وأقلهم جرأة.”[12] وهنا لا تلقي الشخصية بالمسؤولية كاملة على المجتمع، وإنما تكشف تداخل الاستعداد الشخصي مع التنشئة الاجتماعية في تشكيل بنيتها النفسية، مبتعدة بذلك عن أي تفسير أحادي.
ومن هنا لا تعود البطلة مجرد امرأة تخشى زوجها، بل تصبح نموذجًا لذات تشكلت داخل ثقافة أعادت إنتاج القلق جيلًا بعد جيل، حتى غدا جزءًا من إدراكها للعالم.
ولذلك يكتسب اعترافها قيمته لأنه يعيد تأويل القصة كلها؛ فما بدا في بدايتها استجابة لموقف عابر، يتكشف في النهاية بوصفه الأثر المتأخر لتاريخ طويل من التنشئة استقر في الوعي حتى صار يرى الواقع بعينيه.
ثالثًا: سلطة الغائب... حضور الزوج بوصفه بنية لا شخصًا
1- الغائب الأكثر حضورًا... بناء الشخصية بالأثر لا بالفعل
من اللافت أن الزوج، على الرغم من كونه المحرك الرئيس للأحداث، لا يظهر في القصة ظهورًا مباشرًا؛ فلا يشارك في حوار، ولا يدخل مشهدًا، ولا يسمع القارئ صوته، ومع ذلك يظل حضوره مهيمنًا على كل لحظة من لحظات السرد.
فالقصة تبني شخصيته من خلال الأثر الذي استقر في وعي الزوجة، حتى يغدو الغائب أكثر حضورًا من الشخصيات الظاهرة.
ويبدأ هذا الحضور منذ اللحظة التي تسمع فيها البطلة صوت احتكاك الملعقة بالطاسة، إذ لا تنشغل بالخدش ذاته، بل تقفز مباشرة إلى صاحبه الرمزي: “سيجلب ذلك كثيرًا من المشاكل مع زوجي.”[13]
وهنا لا يستدعي الصوت الشيء، وإنما يستدعي السلطة المرتبطة به، وكأن الأشياء داخل هذا البيت لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بموقعها في منظومة الرضا والعقاب التي يمثلها الزوج.
ولا يقدم النص هذه الشخصية عبر الوصف المباشر، وإنما من خلال أثرها المتراكم في ذاكرة البطلة؛ فهو “يحب النظام والترتيب، ويكره، بل يرفض، أن ينكسر أو يتلف أي شيء مهما كان ضئيلًا.”
وبهذا الأسلوب يرسم السرد شخصية لا تحتاج إلى الحضور الجسدي حتى تُعرف، لأن حضورها مستقر في وعي من يعيش تحت تأثيرها.
2- اختلال ميزان القيمة... حين تتقدم الأشياء على الإنسان
يبلغ هذا الحضور ذروته في عبارة البطلة: “كان أهون عليّ جرح يدي ولا جرح الطاسة التيفال.”[14]
وهي من أكثر الجمل كثافة في النص؛ لأنها لا تصف الزوج بقدر ما تكشف طبيعة العلاقة التي أعادت ترتيب سلّم القيم داخل الأسرة.
فالمقارنة هنا ليست بين جرحين، وإنما بين قيمتين؛ سلامة الإنسان من جهة، وسلامة الشيء من جهة أخرى. وحين يصبح خدش الطاسة أشد وطأة من جرح اليد، فإن النص لا يحدثنا عن قيمة إناء منزلي، بل عن منظومة نفسية فقدت فيها الأشياء حيادها، واكتسبت قيمة استثنائية لأنها أصبحت مرتبطة برضا السلطة أو غضبها.
وهكذا تغدو الطاسة وسيطًا رمزيًا تُقاس من خلاله درجة الأمان داخل البيت، فتتحول الأشياء اليومية إلى مرايا للعلاقات الإنسانية، لا مجرد أدوات للاستعمال.
3- الرقابة الداخلية... حين تستغني السلطة عن حضور صاحبها
غير أن القراءة تكشف أن السلطة في هذا النص لم تعد تُمارس من الخارج، بل انتقلت إلى الداخل، حتى أصبحت البطلة أول من يراقب نفسها ويصدر الأحكام عليها.
فالزوج لم يرَ الطاسة، ولم يسمع صوت احتكاك الملعقة، ولم يعد إلى المنزل بعد، ومع ذلك تبدأ هي في بناء سلسلة كاملة من العقوبات المحتملة، وكأن الحكم قد صدر بالفعل.
ولهذا لا يشغلها التحقق من حقيقة ما حدث، بقدر ما يشغلها البحث عن رواية مناسبة: “ماذا سأخبره عندما يراها؟! سأقول له إنها انزلقت من يدي...”[15]
فلا يعود سؤالها الأول عن حقيقة ما حدث، بل عن كيفية النجاة من نتائجه، بما يكشف أن الرقابة أصبحت جزءًا من آلية التفكير نفسها.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا مع تصاعد السيناريوهات التي تتخيلها البطلة: “سيتحول المنزل إلى سجن غليظ... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ...”[16]
ورغم أن هذه العقوبات ما تزال احتمالات ذهنية، فإنها تُعاش انفعاليًا كما لو كانت وقائع مؤكدة، وهو ما يكشف أن السلطة تجاوزت حضور صاحبها لتغدو بنية نفسية مستقرة تعيد إنتاج نفسها تلقائيًا.
ومن هنا لا يعود الزوج مجرد فرد يمارس سلطته داخل الأسرة، بل يتحول إلى تمثيل سردي لسلطة استبطنتها الشخصية حتى غدت تمارس وظيفتها من داخل الوعي؛ وبذلك تكتمل رحلة السلطة من حضورها الخارجي إلى استقرارها في الوعي، حيث لا يعود الإنسان خاضعًا لسلطة تُمارس عليه، بقدر ما يغدو مشاركًا، من حيث لا يشعر، في إعادة إنتاجها داخل ذاته.
رابعًا: حدود الوعي... حين لا يكفي الإدراك للتحرر
1- الخطاب القادم من الخارج... حين يصطدم المثال بحدود الواقع
في ذروة توتر البطلة، يقطع السرد تسلسل هواجسها بصوت خارجي يتمثل في المذيعة صاحبة البرنامج الجماهيري، التي تخاطب النساء بلغة واثقة، داعيةً إلى رفض القهر، واختيار الحرية، والإيمان بأن المرأة تستحق حياة أفضل.
ولا يأتي هذا الصوت بوصفه عنصرًا عارضًا، بل ليضع أمام البطلة نموذجًا مغايرًا لما تعيشه، فتتشكل داخل النص مواجهة صامتة بين خطابين ينتميان إلى عالمين مختلفين.
وتستعرض المذيعة تجربتها الشخصية باعتبارها دليلًا على إمكان تجاوز القيود؛ إذ تروي أنها كانت تعاني السمنة، ولا تعمل، ولا تملك مالًا، ثم اختارت الطلاق، لتنتهي إلى حياة أكثر نجاحًا واستقلالًا.
غير أن السرد لا يمنح هذا الخطاب سلطة الحقيقة المطلقة، بل يختبره داخل تجربة تختلف جذريًا عن تجربة صاحبته، ليكشف المسافة بين المثال المجرد والواقع المعيش.
2- مساءلة الخطاب... حين يرفض الواقع تعميم التجارب
لا تتلقى البطلة حديث المذيعة بوصفه مصدرًا للإلهام، وإنما تمارس عليه نقدًا هادئًا، لكنه بالغ الدلالة، حين تقول: “وكأنها صارت عاملة في مصنع تغليف، وليست صاحبة برنامج بقناة معروفة.”[17]
ولا تنال هذه السخرية من تجربة المذيعة ذاتها، بقدر ما تنال من آلية تعميمها؛ فنجاح امرأة تمتلك حضورًا إعلاميًا ومكانة اجتماعية وفرصًا استثنائية، لا يمكن أن يتحول إلى وصفة جاهزة لجميع النساء.
وهنا يكشف النص إحدى إشكاليات الخطاب الثقافي المعاصر؛ إذ يتجاهل اختلاف الشروط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تحدد قدرة كل امرأة على اتخاذ القرار نفسه.
ومن ثم لا يعارض النص خطاب التحرر، وإنما يعارض اختزاله في قرار فردي معزول عن شروطه الواقعية، لتغدو المفارقة بين الخطابين جزءًا من البنية الفكرية للنص.
3- الوعي المأزوم... حين يعرف الإنسان قيده ولا يملك تجاوزه
بعد أن تنتهي البطلة من مساءلة الخطاب الخارجي، تعود إلى مساءلة ذاتها قائلة: “لا يمكنني قبول التحدي يا سيدتي، فأنا امرأة من زمن الخوف.”[18]
وتنقل هذه العبارة تفسير الأزمة من مستوى العلاقة الزوجية إلى مستوى تكوين الذات، قبل أن يبلغ هذا الوعي ذروته في الصورة البليغة: “صرنا نهذب أجنحتنا لكي لا تنمو أكثر، لنجد قليلًا من البراح كلما ضاق بنا المكان.”[19]
ولا تكمن قوة هذه الصورة في القفص وحده، بل في فعل “نهذب”؛ فالذات لم تعد تنتظر من يقص أجنحتها، بل أصبحت تمارس ذلك بنفسها، حتى غدت الرقابة الخارجية فعلًا داخليًا تتولاه الشخصية دون حاجة إلى من يفرضه عليها.
ويزداد هذا الوعي تعقيدًا حين تؤكد البطلة: “لا... لا يذهب فكرك إلى أنني أحبه ولا يمكنني الاستغناء عنه، أنا أبغضه، بل أخافه كثيرًا.”[20]
فالنص يسقط بذلك أحد أكثر التفسيرات شيوعًا لاستمرار العلاقة، إذ لا يصدر هذا الاستمرار عن الحب، بل عن بنية نفسية واجتماعية جعلت الخروج من العلاقة أكثر رهبة من البقاء داخلها.
وهكذا لا يرسم النص امرأة تجهل واقعها، بل امرأة تمتلك وعيًا نقديًا واضحًا به، لكنها تدرك أن الوعي وحده لا يكفي لتحرير الإنسان من البنى التي تشكلت عبر سنوات طويلة من التنشئة.
خامسًا: الرمز اليومي وتحولات الدلالة... حين تصبح الأشياء مرايا للعلاقات
1- الرمز الذي يولد من اليومي... تشكل الدلالة من الأشياء
يلفت عنوان القصة منذ البداية إلى اختيار غير مألوف؛ فـ”طاسة تيفال” اسم لشيء منزلي شديد الاعتياد، لا يحمل في ذاته قيمة رمزية جاهزة.
غير أن السرد لا يمنحه هذه القيمة مسبقًا، بل يبنيها تدريجيًا عبر حركة الأحداث، حتى تتحول الأداة المنزلية من عنصر وظيفي إلى مركز تدور حوله شبكة كاملة من الانفعالات والعلاقات.
ولا يعتمد النص في هذا التحول على الوصف، وإنما على الأثر؛ فكل ما يتعلق بالطاسة يتصل بما تثيره في وعي البطلة من قلق وتوجس، حتى تصبح قيمة الشيء مستمدة من موقعه داخل العلاقة الزوجية، لا من طبيعته المادية.
وهنا تتجلى إحدى السمات الفنية البارزة للنص؛ إذ يستخرج رموزه من أكثر تفاصيل الحياة اليومية ألفة، فيجعل المألوف حاملًا لمعانٍ تتجاوز وظيفته المباشرة.
وبذلك يغدو الرمز ثمرة لمسار السرد، لا نقطة انطلاق له.
2- الأشياء بوصفها لغة للعلاقات... حين تكشف المادة ما تخفيه النفوس
يكشف الاسترجاع الخاص بيوم شراء الطاسة هذا التحول بوضوح؛ إذ تتذكر البطلة أنها كانت في حاجة ملحة إلى قطرة تحمي بصرها، بينما اختار الزوج شراء الطاسة.
ولا يورد السرد هذه الواقعة لمجرد استعادة ذكرى، وإنما يجعل منها لحظة كاشفة لمنظومة القيم التي تحكم العلاقة.
وهنا لا تصبح الطاسة رمزًا في ذاتها، بل علامة على ترتيب الأولويات داخل البيت؛ إذ تكشف الأشياء، بصمتها، ما تعجز الشخصيات عن قوله صراحة.
فالنص لا يصرح بأن الزوج يمنح الأشياء قيمة تفوق الإنسان، وإنما يترك الوقائع اليومية تكشف ذلك من تلقاء نفسها، وهو ما يمنح الرمز قوته الإيحائية ويجنبه المباشرة.
وهكذا تتحول الأدوات المنزلية إلى لغة موازية للسرد، لا تنقل الأحداث فحسب، بل تكشف طبيعة العلاقات الإنسانية التي تنتجها، فيغدو الشيء شاهدًا على اختلال ميزان القيم داخل الأسرة.
3- مفارقة النهاية... حين يعيد الواقع تأويل الرمز
يبلغ البناء الرمزي ذروته في الجملة الأخيرة: “يا الله... إنه الطاجن الفخار الذي اشتريته بالأمس.”[21] ولا تأتي هذه النهاية بوصفها مفاجأة حكائية فحسب، بل تؤدي وظيفة تأويلية تدفع القارئ إلى إعادة النظر في جميع ما سبقها.
فالطاسة التي احتلت وعي البطلة لم تكن قد خُدشت أصلًا، وإنما كان الصوت صادرًا عن الطاجن الفخاري. وهنا لا يُلغى الرمز، بل يعاد تأويله؛ إذ يتبين أن مصدر الرعب لم يكن الشيء نفسه، وإنما الدلالة التي أضفاها عليه وعي الشخصية. وبذلك يتحول الطاجن من أداة منزلية عابرة إلى كاشف سردي يفضح المسافة بين الواقع كما هو، والواقع كما تعيد الذاكرة والانفعال تشكيله.
وتكشف هذه النهاية عن براعة الكاتبة في إدارة الرمز؛ فهي لا تستخدم الأشياء بوصفها إشارات ثابتة، بل تجعل دلالتها تتطور مع تطور السرد، حتى يغدو الكشف الأخير إعادة قراءة للنص كله، لا مجرد حل للعقدة الحكائية.
ومن ثم لا تنتهي القصة بانكشاف حقيقة الطاجن، وإنما بانكشاف حقيقة الإدراك الإنساني؛ فالأشياء لا تمارس سلطتها بما هي عليه، بل بما يودعه الإنسان فيها من معانٍ وتجارب.
وهكذا يعود النص، في لحظته الأخيرة، إلى فكرته المركزية: إن ما يحكم الإنسان ليس الواقع دائمًا، بل الصورة التي يصنعها عنه وعيه.
سادسًا: الرؤية الثقافية والفلسفية... الخوف حين يتحول من انفعال إلى ثقافة
1- من التجربة الفردية إلى البنية الثقافية
بعد أن يتتبع النص تفاصيل حياة امرأة تعيش تحت وطأة علاقة زوجية غير متوازنة، يتضح أن غايته لا تقف عند حدود إدانة سلوك فرد بعينه، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة بنية ثقافية يصبح فيها الخوف جزءًا من عملية التنشئة الاجتماعية، لا مجرد استجابة لمواقف عابرة.
ولهذا تكتسب عبارة البطلة: “أنا امرأة من زمن الخوف.”[22] قيمة تتجاوز الاعتراف الشخصي؛ فهي لا تشير إلى مرحلة زمنية، بل إلى زمن ثقافي تشكلت داخله تصورات بعينها عن المرأة والأسرة والاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق يغدو الخوف أحد أدوات الضبط الاجتماعي، ويتحول مع الزمن إلى عنصر من عناصر تكوين الشخصية نفسها.
2- الهيمنة الهادئة... حين تمارس الثقافة سلطتها بصمت
لا يكشف النص أثر هذه الثقافة عبر مشاهد صاخبة أو مواقف عنيفة، وإنما يرصد حضورها في التفاصيل اليومية الصغيرة؛ في لقمة تعجز البطلة عن ابتلاعها، وفي طعام يبرد قبل أن يؤكل، وفي امرأة تبحث عن تبرير قبل أن تتحقق من وقوع الخطأ.
ومن خلال هذه التفاصيل يطرح النص تصورًا بالغ الدلالة لطبيعة الهيمنة؛ فالأشد رسوخًا ليس ما يُفرض بالقوة المباشرة، وإنما ما يتحول إلى جزء من وعي الإنسان، حتى يعيد إنتاجه بنفسه دون حاجة إلى من يفرضه عليه.
وهنا تصبح الممارسات اليومية أكثر قدرة على كشف البنية الثقافية، لأنها ترصد تجلياتها في السلوك العادي.
3- الحرية بين الشعار والإمكان
وفي مقابل هذه الثقافة، يقدم النص خطابًا آخر يدعو إلى التحرر والثقة بالنفس، ممثلًا في المذيعة صاحبة البرنامج الجماهيري. غير أن السرد لا يمنحه سلطة الحقيقة النهائية، كما لا يرفضه، وإنما يضعه في مواجهة واقع أكثر تعقيدًا.
فالحرية، كما تكشف تجربة البطلة، ليست قرارًا فرديًا خالصًا، بل قدرة تتداخل في تشكيلها شروط نفسية واجتماعية وثقافية.
ولذلك يرفض النص اختزالها في إرادة فردية، كما يرفض اختزال المرأة في صورة الضحية العاجزة، مقدمًا رؤية أكثر تركيبًا تجعل الوعي شرطًا للتحرر، لا ضمانًا له.
4- بين الواقع والتمثل... الإنسان أسير الصورة التي يصنعها
تنتهي القصة بمفارقة تكشف أحد أعمق أبعادها الفلسفية؛ إذ يتبين أن “طاسة التيفال” لم تُخدش أصلًا، وإنما كان الصوت صادرًا عن الطاجن الفخاري.
ولا تقف دلالة هذه النهاية عند حدود المفاجأة السردية، بل تفتح سؤالًا عن العلاقة بين الواقع وإدراكه.
فما عاشته البطلة طوال القصة لم يكن أثر الواقعة، بل أثر الاعتقاد بوقوعها. ومن ثم يوحي النص بأن الإنسان لا يستجيب للأحداث كما هي دائمًا، وإنما كما تعيد ذاكرته وخبراته السابقة تشكيلها.
ولهذا استطاع اعتقاد خاطئ أن ينتج خوفًا حقيقيًا، ويبني سلسلة كاملة من الانفعالات والاحتمالات، رغم أن الواقع كان مختلفًا.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز القصة حدود العلاقة الزوجية لتغدو تأملًا في الكيفية التي تعيد بها الثقافة تشكيل إدراك الإنسان للعالم، وفي قدرة المعاني المترسخة على أن تمنح الأشياء سلطة تتجاوز حقيقتها المادية.
الخاتمة
أولًا: من السلطة الظاهرة إلى السلطة المستبطنة... حصيلة القراءة التأويلية
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن قصة “طاسة تيفال” لا تتمحور حول الخوف بوصفه موضوعها الرئيس، ولا تقف عند حدود تصوير علاقة زوجية مضطربة أو موقف أسري عابر، وإنما تكشف الكيفية التي تنتقل بها السلطة من حضورها الخارجي إلى استقرارها في الوعي، حتى تغدو الذات هي الرقيب الأول على نفسها.
وقد أفضت القراءة السوسيو–سيكولوجية إلى تأكيد هذه الفرضية، بل إلى توسيع أفقها؛ إذ بينت أن النص لا يدرس أثر السلطة في السلوك فحسب، وإنما يتتبع لحظة تحولها إلى بنية إدراكية تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم ولنفسه.
وقد كشف التحليل أن الحدث الظاهر لا يمثل سوى محفز سردي محدود، بينما تتمحور الحركة الحقيقية للنص حول ما يثيره هذا الحدث داخل الوعي. فالمثير الخارجي لا يكتسب ثقله من حجمه الواقعي، وإنما من التاريخ النفسي والاجتماعي الذي تستدعيه الشخصية لحظة مواجهته.
ومن هنا لا يغدو خدش الطاسة (أو حتى احتمال خدشها) موضوع القصة، بل يصبح نافذة تكشف كيف تستطيع السلطة، بعد سنوات من التنشئة والخبرة والضبط الاجتماعي، أن تستمر في أداء وظيفتها حتى في غياب صاحبها، حين يتحول حضورها الخارجي إلى يقين داخلي يوجه الإدراك ويضبط السلوك ويعيد إنتاج الخوف.
كما أظهرت القراءة أن النص يتجاوز التفسير الأحادي؛ فلا يحمل المسؤولية لشخص بعينه، ولا يرد الأزمة إلى بنية اجتماعية منفردة، بل يرصد تفاعل السلطة الأسرية، والتنشئة الثقافية، والخبرة النفسية في إنتاج هذا الوعي المأزوم.
ولهذا لا يقدم التحرر بوصفه قرارًا إراديًا بسيطًا، وإنما يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف يستطيع الإنسان أن يتحرر من سلطة لم تعد تقيم خارجه، بل أصبحت جزءًا من طريقته في التفكير والإحساس وتأويل الواقع؟
ومن هنا تتجاوز القصة حدود الحكاية الأسرية لتغدو تأملًا في إحدى أكثر آليات السلطة رسوخًا؛ فهي لا تبلغ ذروة تأثيرها حين تُكره الإنسان على الطاعة، بل حين تنجح في أن تجعله يمارس الرقابة على نفسه، ويعيد إنتاج القيود التي صاغتها، حتى يغدو الخوف أثرًا دائمًا لسلطة لم تعد تحتاج إلى حضورها المباشر.
ثانيًا: القيمة الفنية... اقتصاد السرد وعمق الدلالة
على المستوى الفني، تقدم “طاسة تيفال” نموذجًا ناضجًا لفن القصة القصيرة؛ إذ تنجح سوسن الشريف في بناء نص يعتمد على اقتصاد الحدث، وكثافة الإيقاع النفسي، والقدرة على تحويل تفصيل يومي محدود إلى مركز دلالي تتقاطع عنده الأسئلة النفسية والاجتماعية والثقافية.
كما تحسن الإفادة من الرمز اليومي، فلا تفرضه على القارئ بوصفه شيفرة جاهزة، وإنما تسمح له بأن ينمو تدريجيًا مع تطور التجربة السردية حتى يصبح جزءًا من البنية الدلالية للنص.
ويحسب للنص كذلك اعتماده على حركة الوعي الداخلي أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي، وهو ما منح التجربة صدقًا إنسانيًا واضحًا، وجعل القارئ يعيش آليات تشكل الرقابة الداخلية أكثر مما يتلقى تفسيرًا مباشرًا لها.
ومع ذلك، لا تخلو التجربة من بعض الملاحظات الجزئية التي لا تمس بنيتها العامة. فالمقطع الخاص بالمذيعة التلفزيونية يقترب في بعض لحظاته من المباشرة الفكرية، وكان يمكن لمزيد من الاقتصاد أن يترك مساحة أوسع للإيحاء.
كما أن تصاعد احتمالات العقاب يطول قليلًا قبل بلوغ الذروة، وكان شيء من التكثيف كفيلًا بالمحافظة على التوتر النفسي نفسه بإيقاع أكثر إحكامًا. أما النهاية، فعلى الرغم من نجاحها في إعادة تأويل الحدث، فإن ترك هامش أوسع لانفتاح الدلالة كان من شأنه أن يضاعف مشاركة القارئ في إنتاج المعنى.
غير أن هذه الملاحظات تظل محدودة إذا ما قيست بتماسك البناء السردي وقدرته على الجمع بين البساطة الظاهرة والعمق التأويلي، وهو ما يجعل القصة تنتمي إلى ذلك النمط من السرد الذي لا يستمد قيمته من ضخامة الأحداث، وإنما من قدرته على إعادة اكتشاف الإنسان من خلال أكثر تفاصيل حياته اعتيادًا.
وفي سياق المشروع السردي لسوسن الشريف، تمثل “طاسة تيفال” نموذجًا دالًا على نزوعها إلى استخراج الأسئلة الكبرى من التفاصيل الهامشية، وإلى مساءلة البنى التي تصوغ الوعي الإنساني قبل أن تصوغ السلوك.
ومن هذه الزاوية لا تبدو القصة حكاية عن امرأة تخاف زوجها، ولا حتى عن مجتمع ينتج الخوف، بقدر ما تبدو حكاية عن اللحظة التي تستقر فيها السلطة داخل الإنسان، فيغدو أسيرًا للصورة التي كوَّنتها في وعيه أكثر من كونه أسيرًا لوجودها الواقعي.
وهنا تبلغ القصة أفقها الإنساني الأوسع؛ إذ لا يعود سؤالها الحقيقي: ممَّ نخاف؟
بل يصبح: كيف يصبح الإنسان حاملًا لسلطته الداخلية حتى بعد غياب السلطة الخارجية؟
وحين ينجح النص في نقل هذا السؤال من حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني مفتوح، فإنه يحقق إحدى أهم وظائف القصة القصيرة؛
فقط في كشف ما تخفيه التفاصيل الصغيرة، وإنما في مساءلة الكيفية التي تتشكل بها حرية الإنسان وحدودها من داخل وعيه قبل أن تتحدد بقوى العالم الخارجي.
المراجع
(1) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
الهوامش
(1) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع. ص 70
(2) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
(3) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى . ص 70
(4) المرجع السابق
(5) المرجع السابق
(6) المرجع السابق
(7) المرجع السابق
(8) المرجع السابق
(9) المرجع السابق
(10) المرجع السابق
(11) المرجع السابق
(12) المرجع السابق
(13) المرجع السابق
(14) المرجع السابق
(15) المرجع السابق
(16) المرجع السابق
(17) المرجع السابق
(18) المرجع السابق
(19) المرجع السابق
(20) المرجع السابق
(21) المرجع السابق
(22) المرجع السابق
تُعد سوسن الشريف من الأصوات السردية التي تميل إلى استثمار التفاصيل اليومية بوصفها فضاءً كاشفًا للبنى النفسية والاجتماعية التي تنتظم العلاقات الإنسانية من الداخل.
ويبدو هذا المنحى متسقًا مع تكوينها العلمي في مجال اجتماعيات التربية، وخبرتها المهنية في الاستشارات النفسية والاجتماعية، غير أن هذه الخلفية لا تُستدعى هنا بوصفها مرجعًا لتفسير النص أو اختزال دلالاته، وإنما بوصفها سياقًا ثقافيًا يضيء جانبًا من اهتمام الكاتبة بأسئلة الوعي الإنساني وآليات تشكله، مع بقاء النص نفسه المرجع الأول والأخير في بناء القراءة النقدية.
وتأتي قصة “طاسة تيفال”[1] ضمن المجموعة القصصية “مشهد خارجي”[2]، وهو عنوان يلفت الانتباه منذ البداية إلى العلاقة بين الظاهر والخفي؛ فالمشهد الخارجي لا يُقدَّم بوصفه غاية في ذاته، بل بوصفه نقطة انطلاق نحو ما يختبئ خلفه من أنساق نفسية واجتماعية وثقافية.
ومن هذا المنظور، لا يبدو اختيار الكاتبة لأداة منزلية مألوفة مجرد رهان على غرابة الموضوع أو مفارقته، وإنما استراتيجية سردية تقوم على تحويل الهامشي إلى مركز دلالي، بحيث يصبح الشيء اليومي مدخلًا لاستكشاف البنية العميقة التي تحكم الشخصيات وعلاقاتها.
وتكشف القراءة المتأنية أن النص لا ينشغل بالحادثة الظاهرة بقدر ما ينشغل بالشروط التي تمنحها هذا الأثر الطاغي في وعي الشخصية. فالمثير الخارجي يظل محدودًا في حجمه الواقعي، بينما يتسع حضوره النفسي حتى يعيد تشكيل إدراك البطلة للعالم من حولها.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بما حدث فعلًا، وإنما بالكيفية التي تُنتج بها الذات معنى الحدث، وبالآليات التي تجعلها تستجيب لسلطة قد لا تكون حاضرة بالفعل، لكنها تظل فاعلة في أعماق الوعي.
ومن ثم يتحول النص من حكاية تبدو في ظاهرها مرتبطة بخدشٍ متوهَّم في أداة منزلية إلى مساءلة سردية لطبيعة السلطة حين تنتقل من حضورها الخارجي إلى استقرارها الداخلي.
وانطلاقًا من ذلك، تقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها أن
قصة “طاسة تيفال” لا تتمحور حول الخوف بوصفه موضوعها الرئيس، ولا تقتصر على تصوير علاقة زوجية مضطربة أو بنية اجتماعية ضاغطة، وإنما تكشف الكيفية التي تتحول بها السلطة الخارجية (ممثلة في سلطة الزوج، وسلطة التنشئة، وسلطة الثقافة الاجتماعية) إلى رقابة داخلية تستقر في وعي الشخصية، حتى تغدو الذات شريكًا في إعادة إنتاج القيود التي تخضع لها.
وبهذا يغدو الخوف أثرًا نفسيًا لهذه السلطة المستبطنة، لا مصدرها الأول؛ إذ تنجح السلطة، بعد تراكم الخبرة وإعادة إنتاجها اجتماعيًا، في أن تجعل الفرد يحمل رقيبَه في داخله، ويعيد تفسير الواقع من خلاله، حتى يصبح الإدراك النفسي أكثر تأثيرًا في تشكيل السلوك من الوقائع المادية ذاتها.
واختبارًا لهذه الفرضية، تعتمد الدراسة قراءة سوسيو–سيكولوجية تنطلق من النص ذاته، وتتتبع البنية السردية ومسارات تشكل الدلالة فيه، وصولًا إلى الكشف عن التفاعل بين البعدين النفسي والاجتماعي في إنتاج المعنى، وكيفية انتقال السلطة من المجال الخارجي إلى المجال الداخلي عبر أدوات السرد ورموزه.
وتظل هذه القراءة ملتزمة بالمبدأ المنهجي الحاكم للدراسة: أن النص هو نقطة البداية، وهو كذلك نقطة الوصول، وأن أي تأويل لا يكتسب مشروعيته إلا بقدر ما يستند إلى ما ينتجه النص نفسه من شواهد وعلاقات ودلالات.
تمهيد: العتبات النصية
لا تُقرأ العتبات هنا بوصفها مفاتيح جاهزة لتفسير النص، وإنما بوصفها إشارات أولية تُسهم في تشكيل أفق انتظار يظل مفتوحًا للمراجعة كلما تقدمت القراءة، بحيث لا تستقر دلالة أي عنصر منها إلا في ضوء ما يكشفه المتن السردي.
تبدأ القراءة مع عنوان المجموعة القصصية “مشهد خارجي”، وهو عنوان يلفت الانتباه إلى فعل الرؤية أكثر مما يحيل إلى موضوعها. فـ”المشهد” يوحي بلقطة محددة، أما وصف “خارجي” فيخلق منذ البداية مسافة بين ما يظهر للعين وما يبقى مستترًا خلفه، وكأن المجموعة تعلن أن الواقع المرئي ليس سوى سطح يخفي طبقات أعمق من المعنى.
ومن ثم يتهيأ القارئ لتوقع نصوص تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لكنها لا تكتفي بظاهرها، بل تنفذ إلى ما يختبئ خلفها من أبعاد نفسية واجتماعية.
ويعزز غلاف المجموعة هذا الأفق؛ إذ يتخذ هيئة “الكلاكيت” السينمائي الذي يحتضن عدة مشاهد حياتية متجاورة، بما يوحي بأن القصص ليست سوى لقطات مقتطعة من الواقع، يلتقط السرد من خلالها لحظات عابرة تختزل تجارب إنسانية كاملة.
وهكذا تتكامل العتبتان البصرية واللفظية في الإيحاء بأن الظاهر ليس سوى مدخل إلى عالم أعمق، لا يُكشف إلا عبر القراءة.
وفي هذا السياق يأتي عنوان القصة “طاسة تيفال” بوصفه أكثر العتبات إثارة للتساؤل؛ فهو يحيل إلى أداة منزلية مألوفة، لا توحي (في ظاهرها)بإمكان حملها لمعنى درامي أو إنساني واسع.
غير أن هذا الاختيار ذاته يوقظ فضول القارئ، ويدفعه إلى التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لشيء شديد الاعتياد أن يتحول إلى مركز للحكاية.
ومن هنا تنشأ منذ البداية مفارقة بين بساطة الشيء المشار إليه في العنوان، واتساع الدلالة التي قد يكتسبها داخل المتن السردي.
وتكتسب هذه العتبات بعدًا إضافيًا إذا استحضرت الخلفية المعرفية للكاتبة سوسن الشريف، التي تجمع بين الممارسة الإبداعية والخبرة الأكاديمية في الاجتماعيات والاستشارات النفسية والاجتماعية.
غير أن هذه الخلفية لا تُتخذ مفتاحًا لتفسير النص، بقدر ما تُعد سياقًا ثقافيًا يفسر جانبًا من حساسية الكاتبة تجاه العلاقات الإنسانية والبنى الاجتماعية، مع بقاء المرجعية النهائية لما يتيحه النص نفسه من إمكانات للتأويل.
أولًا: من الحدث إلى الوعي... كيف يبدأ استبطان السلطة
1- شرارة الحدث... حين يتجاوز الأثر حجم سببه
يفتتح النص بمشهد منزلي بالغ الاعتياد؛ امرأة أنهت إعداد طعامها، وتتهيأ لتناوله بشهية واضحة: “يبدو الطعام اليوم من أطيب ما طهوت، لا يمكنني الانتظار، سأتناوله على الفور...”[3]. ويحرص السرد في هذه البداية على ترسيخ حالة من الرضا والطمأنينة، قبل أن يقطعها صوت عابر: “آآه... صوت احتكاك الملعقة بالطاسة التيفال مرعب.”[4]
ولا يمر وصف هذا الصوت بأنه “مرعب” مرورًا عابرًا؛ فالرعب لا يصدر عن الصوت ذاته، وإنما عن المعنى الذي يستدعيه في وعي البطلة. وهنا تتجلى المفارقة الأولى في النص؛ إذ يتضاءل الحدث الخارجي إلى أقصى حد، بينما يتسع أثره النفسي اتساعًا لا يتناسب مع حجمه الواقعي، فيصبح محور السرد ليس الإناء، بل الوعي الذي يستجيب له.
وتبدأ الحركة السردية الحقيقية مع قول البطلة: “سيجلب ذلك كثيرًا من المشاكل مع زوجي.”[5] فمنذ هذه اللحظة يغدو توقع العقاب القوة المحركة لما يلي من أحداث، بينما ينتهي الحدث المادي تقريبًا عند لحظة الاحتكاك، لتبدأ سلسلة متصلة من الهواجس والاستدعاءات.
وهنا تتجلى قدرة الكاتبة على الاقتصاد السردي؛ إذ تستخرج عالمًا نفسيًا كاملًا من لحظة عابرة، وتجعل الأثر الداخلي أكبر بكثير من سببه الخارجي.
2- الجسد المرتبك... حين يستجيب الإدراك قبل الواقع
لا يظل الاضطراب النفسي حبيس الوعي، بل يجد طريقه سريعًا إلى الجسد، فيتحول الجسد نفسه إلى لغة موازية تكشف ما تعجز الشخصية عن التصريح به. تقول البطلة: “اللقيمات القليلة التي تناولتها من وجبتي الشهية الساخنة تصلبت داخل فمي، تأبى ابتلاعها، أرشف جرعات مياه، لكنها لا تزيل الغصة من حلقي ولا تعيد خفقات قلبي لنبضها الطبيعي.”[6]
وتتسم هذه الصورة بدقة لافتة؛ فالاستجابة الجسدية تسبق تحقق الخطر نفسه، حتى يبدو الجسد وكأنه يتعامل مع الاحتمال بوصفه واقعًا قائمًا.
وهنا لا يقدم النص الخوف بوصفه فكرة ذهنية مجردة، وإنما بوصفه خبرة وجودية تشمل الإنسان كله، فيغدو الجسد أول من يصدق ما لم يقع بعد.
وتكشف هذه اللغة الجسدية جانبًا مهمًا في بناء الشخصية؛ إذ تستقبل البطلة الموقف بكامل كيانها، وكأن سنوات طويلة من التوجس قد جعلت الجسد نفسه يتعلم آليات الاستجابة قبل أن يصدر العقل حكمه النهائي. وبذلك يصبح الجسد شاهدًا على عمق الأثر النفسي، لا مجرد وعاء يحمل الانفعال.
3- زمن الاحتمالات... حين يسبق الخوف وقوع الحدث
بعد أن يستقر الاضطراب في الداخل، يتخلى السرد عن خطيته الزمنية، ويتحرك بحرية بين الماضي والحاضر والمستقبل. فاللحظة الراهنة تستدعي مباشرة ذكرى شراء الطاسة، حين فضّل الزوج اقتناءها على شراء قطرة العين التي أكد الطبيب ضرورتها. ولا يأتي هذا الاسترجاع لمجرد استعادة واقعة سابقة، بل للكشف عن طبيعة العلاقة بين الزوجين ومنظومة القيم التي تحكمها.
ومن هذا الماضي يقفز السرد إلى مستقبل لم يقع بعد، لكنه يحتل وعي البطلة كما لو كان حقيقة قائمة: “سيتحول المنزل إلى سجن... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ... سيرفض إعطاء الأولاد مصروفهم... وقد يصل الأمر إلى تخاذله عن دفع تكلفة الدروس الخصوصية...”.[7]
ولا تكمن دلالة هذا التتابع في كثرة الاحتمالات، وإنما في منطقها؛ فكل احتمال يفضي إلى ما هو أشد منه، حتى يغدو المستقبل، في وعي البطلة، فضاءً مفتوحًا للعقاب لا للانتظار.
واللافت أن السرد لا يقدم دليلًا على أن الزوج قال أو فعل شيئًا في اللحظة الراهنة؛ فجميع سيناريوهات العقاب تنشأ داخل وعي البطلة.
ومن ثم لا يتولد التوتر السردي من الحدث ذاته، بل من آلية توقعه، وهو ما يمنح البناء النفسي أولوية واضحة على البناء الحدثي، ويجعل الزمن خاضعًا لحركة الوعي أكثر من خضوعه لتعاقب الوقائع.
ويبلغ هذا البناء ذروته في خاتمة القصة، حين تكتشف البطلة فجأة: “يا الله... إنه الطاجن الفخار الذي اشتريته بالأمس.”[8] وهكذا يعيد النص تأويل كل ما سبقه؛ إذ يتبين أن المأساة لم تنشأ من وقوع الضرر، بل من اعتقاد سابق بوقوعه.
وبذلك ينتقل مركز الثقل من الحدث إلى الإدراك، ويكشف النص عن ذات أصبحت مهيأة لبناء عالم كامل من العقاب قبل أن تتحقق من الواقع.
ثانيًا: تشكل الذات واستبطان السلطة
1- الخوف المقيم... حين يصبح الوعي مستعدًا للعقاب
لا يقدم النص بطلته بوصفها امرأة ترتبك أمام موقف عابر، وإنما يكشف منذ بداياته أن التوجس أصبح جزءًا من بنيتها النفسية، يسبق الوقائع ولا ينتظر حدوثها.
فمجرد اعتقادها أن طاسة التيفال قد خُدشت كان كافيًا لاستدعاء سلسلة طويلة من العقوبات المحتملة، دون أن يكون الزوج حاضرًا، أو أن يصدر عنه في تلك اللحظة أي رد فعل.
ومن ثم لا يعود مصدر الاضطراب الحدث الخارجي، بل الصورة الإدراكية الراسخة التي كوَّنتها الخبرة السابقة عنه.
ولا تقف الشخصية عند حدود توقع الغضب، وإنما تتعامل مع العقاب بوصفه أمرًا محسومًا؛ فهي لا تقول إن الزوج قد يغضب، بل تقفز مباشرة إلى: “سيتحول المنزل إلى سجن غليظ... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ...” [9]
ويكشف هذا الانتقال السريع من السبب إلى النتيجة عن آلية إدراكية لم تعد تختبر الواقع، بل تعيد إنتاجه وفق خبرات ترسخت حتى غدت مرجعها التلقائي في تفسير كل موقف جديد.
ومن هنا لا يبدو الاضطراب استجابة لحادثة بعينها، بل طريقة مستقرة في إدراك العالم؛ فكل احتمال يتحول إلى يقين، وكل خطأ صغير يفتح أبوابًا واسعة للعقاب.
2- سُلَّم المخاوف... كيف تُبنى الذات داخل ثقافة القلق
لا يكتفي النص بتصوير هذه البنية النفسية، بل يعود إلى الجذور التي صنعتها، حين تستدعي البطلة منظومة التنشئة التي أحاطت بجيلها قائلة: “زرعوا الخوف بداخلنا من كل شيء... زمن الخوف من عدم الزواج، وبعده الخوف من عدم الإنجاب، والخوف الأكبر من الطلاق.”[10]
ولا تبدو هذه العبارات مجرد تعداد لمخاوف متفرقة، وإنما تكشف بناءً دلاليًا متدرجًا؛ إذ تبدأ بما يسبق تكوين الأسرة، ثم تنتقل إلى استمرارها، لتنتهي بما يهدد بقاءها.
وبذلك يغدو القلق خيطًا ناظمًا لمراحل الحياة كلها، لا حالة مرتبطة بظرف واحد. ولا تنتقل الشخصية من مرحلة إلى أخرى عبر الأمل أو الاختيار، بل عبر سلسلة من المحاذير التي تُرسم لها مسبقًا، حتى يصبح المستقبل مساحة لتوقع الفقد أكثر منه أفقًا للاحتمال.
وتتجاوز دلالة الفعل “زرعوا” مجرد الإشارة إلى التربية؛ فهو يوحي بعملية طويلة وبطيئة، تتغلغل في النفس كما تتغلغل البذرة في التربة، حتى يصبح ما غُرس في الطفولة جزءًا من الطبيعة الثانية للإنسان.
وهكذا لا يظهر التوجس بوصفه انفعالًا مكتسبًا يمكن تجاوزه بسهولة، بل ثمرة تنشئة ممتدة أعادت تشكيل رؤية الشخصية إلى نفسها وإلى العالم.
3- الاعتراف الأخير... حين تكتشف الذات تاريخها النفسي
يبلغ النص إحدى أكثر لحظاته عمقًا عندما تتوقف البطلة عن تفسير سلوك الزوج، وتلتفت إلى نفسها قائلة: “لا يمكنني قبول التحدي يا سيدتي، فأنا امرأة من زمن الخوف.”[11] وتمثل هذه الجملة لحظة وعي فارقة؛ إذ تنقل تفسير الأزمة من مستوى العلاقة الزوجية إلى مستوى تكوين الذات.
ويترسخ هذا الوعي أكثر حين تضيف: “هذا ميراث وفير من أزمنة مضت، فقد كنت منذ طفولتي أكثر إخوتي خوفًا، وأقلهم جرأة.”[12] وهنا لا تلقي الشخصية بالمسؤولية كاملة على المجتمع، وإنما تكشف تداخل الاستعداد الشخصي مع التنشئة الاجتماعية في تشكيل بنيتها النفسية، مبتعدة بذلك عن أي تفسير أحادي.
ومن هنا لا تعود البطلة مجرد امرأة تخشى زوجها، بل تصبح نموذجًا لذات تشكلت داخل ثقافة أعادت إنتاج القلق جيلًا بعد جيل، حتى غدا جزءًا من إدراكها للعالم.
ولذلك يكتسب اعترافها قيمته لأنه يعيد تأويل القصة كلها؛ فما بدا في بدايتها استجابة لموقف عابر، يتكشف في النهاية بوصفه الأثر المتأخر لتاريخ طويل من التنشئة استقر في الوعي حتى صار يرى الواقع بعينيه.
ثالثًا: سلطة الغائب... حضور الزوج بوصفه بنية لا شخصًا
1- الغائب الأكثر حضورًا... بناء الشخصية بالأثر لا بالفعل
من اللافت أن الزوج، على الرغم من كونه المحرك الرئيس للأحداث، لا يظهر في القصة ظهورًا مباشرًا؛ فلا يشارك في حوار، ولا يدخل مشهدًا، ولا يسمع القارئ صوته، ومع ذلك يظل حضوره مهيمنًا على كل لحظة من لحظات السرد.
فالقصة تبني شخصيته من خلال الأثر الذي استقر في وعي الزوجة، حتى يغدو الغائب أكثر حضورًا من الشخصيات الظاهرة.
ويبدأ هذا الحضور منذ اللحظة التي تسمع فيها البطلة صوت احتكاك الملعقة بالطاسة، إذ لا تنشغل بالخدش ذاته، بل تقفز مباشرة إلى صاحبه الرمزي: “سيجلب ذلك كثيرًا من المشاكل مع زوجي.”[13]
وهنا لا يستدعي الصوت الشيء، وإنما يستدعي السلطة المرتبطة به، وكأن الأشياء داخل هذا البيت لا تُقاس بقيمتها المادية، بل بموقعها في منظومة الرضا والعقاب التي يمثلها الزوج.
ولا يقدم النص هذه الشخصية عبر الوصف المباشر، وإنما من خلال أثرها المتراكم في ذاكرة البطلة؛ فهو “يحب النظام والترتيب، ويكره، بل يرفض، أن ينكسر أو يتلف أي شيء مهما كان ضئيلًا.”
وبهذا الأسلوب يرسم السرد شخصية لا تحتاج إلى الحضور الجسدي حتى تُعرف، لأن حضورها مستقر في وعي من يعيش تحت تأثيرها.
2- اختلال ميزان القيمة... حين تتقدم الأشياء على الإنسان
يبلغ هذا الحضور ذروته في عبارة البطلة: “كان أهون عليّ جرح يدي ولا جرح الطاسة التيفال.”[14]
وهي من أكثر الجمل كثافة في النص؛ لأنها لا تصف الزوج بقدر ما تكشف طبيعة العلاقة التي أعادت ترتيب سلّم القيم داخل الأسرة.
فالمقارنة هنا ليست بين جرحين، وإنما بين قيمتين؛ سلامة الإنسان من جهة، وسلامة الشيء من جهة أخرى. وحين يصبح خدش الطاسة أشد وطأة من جرح اليد، فإن النص لا يحدثنا عن قيمة إناء منزلي، بل عن منظومة نفسية فقدت فيها الأشياء حيادها، واكتسبت قيمة استثنائية لأنها أصبحت مرتبطة برضا السلطة أو غضبها.
وهكذا تغدو الطاسة وسيطًا رمزيًا تُقاس من خلاله درجة الأمان داخل البيت، فتتحول الأشياء اليومية إلى مرايا للعلاقات الإنسانية، لا مجرد أدوات للاستعمال.
3- الرقابة الداخلية... حين تستغني السلطة عن حضور صاحبها
غير أن القراءة تكشف أن السلطة في هذا النص لم تعد تُمارس من الخارج، بل انتقلت إلى الداخل، حتى أصبحت البطلة أول من يراقب نفسها ويصدر الأحكام عليها.
فالزوج لم يرَ الطاسة، ولم يسمع صوت احتكاك الملعقة، ولم يعد إلى المنزل بعد، ومع ذلك تبدأ هي في بناء سلسلة كاملة من العقوبات المحتملة، وكأن الحكم قد صدر بالفعل.
ولهذا لا يشغلها التحقق من حقيقة ما حدث، بقدر ما يشغلها البحث عن رواية مناسبة: “ماذا سأخبره عندما يراها؟! سأقول له إنها انزلقت من يدي...”[15]
فلا يعود سؤالها الأول عن حقيقة ما حدث، بل عن كيفية النجاة من نتائجه، بما يكشف أن الرقابة أصبحت جزءًا من آلية التفكير نفسها.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا مع تصاعد السيناريوهات التي تتخيلها البطلة: “سيتحول المنزل إلى سجن غليظ... ربما سيهددني بالطلاق... أو بالزواج عليّ...”[16]
ورغم أن هذه العقوبات ما تزال احتمالات ذهنية، فإنها تُعاش انفعاليًا كما لو كانت وقائع مؤكدة، وهو ما يكشف أن السلطة تجاوزت حضور صاحبها لتغدو بنية نفسية مستقرة تعيد إنتاج نفسها تلقائيًا.
ومن هنا لا يعود الزوج مجرد فرد يمارس سلطته داخل الأسرة، بل يتحول إلى تمثيل سردي لسلطة استبطنتها الشخصية حتى غدت تمارس وظيفتها من داخل الوعي؛ وبذلك تكتمل رحلة السلطة من حضورها الخارجي إلى استقرارها في الوعي، حيث لا يعود الإنسان خاضعًا لسلطة تُمارس عليه، بقدر ما يغدو مشاركًا، من حيث لا يشعر، في إعادة إنتاجها داخل ذاته.
رابعًا: حدود الوعي... حين لا يكفي الإدراك للتحرر
1- الخطاب القادم من الخارج... حين يصطدم المثال بحدود الواقع
في ذروة توتر البطلة، يقطع السرد تسلسل هواجسها بصوت خارجي يتمثل في المذيعة صاحبة البرنامج الجماهيري، التي تخاطب النساء بلغة واثقة، داعيةً إلى رفض القهر، واختيار الحرية، والإيمان بأن المرأة تستحق حياة أفضل.
ولا يأتي هذا الصوت بوصفه عنصرًا عارضًا، بل ليضع أمام البطلة نموذجًا مغايرًا لما تعيشه، فتتشكل داخل النص مواجهة صامتة بين خطابين ينتميان إلى عالمين مختلفين.
وتستعرض المذيعة تجربتها الشخصية باعتبارها دليلًا على إمكان تجاوز القيود؛ إذ تروي أنها كانت تعاني السمنة، ولا تعمل، ولا تملك مالًا، ثم اختارت الطلاق، لتنتهي إلى حياة أكثر نجاحًا واستقلالًا.
غير أن السرد لا يمنح هذا الخطاب سلطة الحقيقة المطلقة، بل يختبره داخل تجربة تختلف جذريًا عن تجربة صاحبته، ليكشف المسافة بين المثال المجرد والواقع المعيش.
2- مساءلة الخطاب... حين يرفض الواقع تعميم التجارب
لا تتلقى البطلة حديث المذيعة بوصفه مصدرًا للإلهام، وإنما تمارس عليه نقدًا هادئًا، لكنه بالغ الدلالة، حين تقول: “وكأنها صارت عاملة في مصنع تغليف، وليست صاحبة برنامج بقناة معروفة.”[17]
ولا تنال هذه السخرية من تجربة المذيعة ذاتها، بقدر ما تنال من آلية تعميمها؛ فنجاح امرأة تمتلك حضورًا إعلاميًا ومكانة اجتماعية وفرصًا استثنائية، لا يمكن أن يتحول إلى وصفة جاهزة لجميع النساء.
وهنا يكشف النص إحدى إشكاليات الخطاب الثقافي المعاصر؛ إذ يتجاهل اختلاف الشروط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تحدد قدرة كل امرأة على اتخاذ القرار نفسه.
ومن ثم لا يعارض النص خطاب التحرر، وإنما يعارض اختزاله في قرار فردي معزول عن شروطه الواقعية، لتغدو المفارقة بين الخطابين جزءًا من البنية الفكرية للنص.
3- الوعي المأزوم... حين يعرف الإنسان قيده ولا يملك تجاوزه
بعد أن تنتهي البطلة من مساءلة الخطاب الخارجي، تعود إلى مساءلة ذاتها قائلة: “لا يمكنني قبول التحدي يا سيدتي، فأنا امرأة من زمن الخوف.”[18]
وتنقل هذه العبارة تفسير الأزمة من مستوى العلاقة الزوجية إلى مستوى تكوين الذات، قبل أن يبلغ هذا الوعي ذروته في الصورة البليغة: “صرنا نهذب أجنحتنا لكي لا تنمو أكثر، لنجد قليلًا من البراح كلما ضاق بنا المكان.”[19]
ولا تكمن قوة هذه الصورة في القفص وحده، بل في فعل “نهذب”؛ فالذات لم تعد تنتظر من يقص أجنحتها، بل أصبحت تمارس ذلك بنفسها، حتى غدت الرقابة الخارجية فعلًا داخليًا تتولاه الشخصية دون حاجة إلى من يفرضه عليها.
ويزداد هذا الوعي تعقيدًا حين تؤكد البطلة: “لا... لا يذهب فكرك إلى أنني أحبه ولا يمكنني الاستغناء عنه، أنا أبغضه، بل أخافه كثيرًا.”[20]
فالنص يسقط بذلك أحد أكثر التفسيرات شيوعًا لاستمرار العلاقة، إذ لا يصدر هذا الاستمرار عن الحب، بل عن بنية نفسية واجتماعية جعلت الخروج من العلاقة أكثر رهبة من البقاء داخلها.
وهكذا لا يرسم النص امرأة تجهل واقعها، بل امرأة تمتلك وعيًا نقديًا واضحًا به، لكنها تدرك أن الوعي وحده لا يكفي لتحرير الإنسان من البنى التي تشكلت عبر سنوات طويلة من التنشئة.
خامسًا: الرمز اليومي وتحولات الدلالة... حين تصبح الأشياء مرايا للعلاقات
1- الرمز الذي يولد من اليومي... تشكل الدلالة من الأشياء
يلفت عنوان القصة منذ البداية إلى اختيار غير مألوف؛ فـ”طاسة تيفال” اسم لشيء منزلي شديد الاعتياد، لا يحمل في ذاته قيمة رمزية جاهزة.
غير أن السرد لا يمنحه هذه القيمة مسبقًا، بل يبنيها تدريجيًا عبر حركة الأحداث، حتى تتحول الأداة المنزلية من عنصر وظيفي إلى مركز تدور حوله شبكة كاملة من الانفعالات والعلاقات.
ولا يعتمد النص في هذا التحول على الوصف، وإنما على الأثر؛ فكل ما يتعلق بالطاسة يتصل بما تثيره في وعي البطلة من قلق وتوجس، حتى تصبح قيمة الشيء مستمدة من موقعه داخل العلاقة الزوجية، لا من طبيعته المادية.
وهنا تتجلى إحدى السمات الفنية البارزة للنص؛ إذ يستخرج رموزه من أكثر تفاصيل الحياة اليومية ألفة، فيجعل المألوف حاملًا لمعانٍ تتجاوز وظيفته المباشرة.
وبذلك يغدو الرمز ثمرة لمسار السرد، لا نقطة انطلاق له.
2- الأشياء بوصفها لغة للعلاقات... حين تكشف المادة ما تخفيه النفوس
يكشف الاسترجاع الخاص بيوم شراء الطاسة هذا التحول بوضوح؛ إذ تتذكر البطلة أنها كانت في حاجة ملحة إلى قطرة تحمي بصرها، بينما اختار الزوج شراء الطاسة.
ولا يورد السرد هذه الواقعة لمجرد استعادة ذكرى، وإنما يجعل منها لحظة كاشفة لمنظومة القيم التي تحكم العلاقة.
وهنا لا تصبح الطاسة رمزًا في ذاتها، بل علامة على ترتيب الأولويات داخل البيت؛ إذ تكشف الأشياء، بصمتها، ما تعجز الشخصيات عن قوله صراحة.
فالنص لا يصرح بأن الزوج يمنح الأشياء قيمة تفوق الإنسان، وإنما يترك الوقائع اليومية تكشف ذلك من تلقاء نفسها، وهو ما يمنح الرمز قوته الإيحائية ويجنبه المباشرة.
وهكذا تتحول الأدوات المنزلية إلى لغة موازية للسرد، لا تنقل الأحداث فحسب، بل تكشف طبيعة العلاقات الإنسانية التي تنتجها، فيغدو الشيء شاهدًا على اختلال ميزان القيم داخل الأسرة.
3- مفارقة النهاية... حين يعيد الواقع تأويل الرمز
يبلغ البناء الرمزي ذروته في الجملة الأخيرة: “يا الله... إنه الطاجن الفخار الذي اشتريته بالأمس.”[21] ولا تأتي هذه النهاية بوصفها مفاجأة حكائية فحسب، بل تؤدي وظيفة تأويلية تدفع القارئ إلى إعادة النظر في جميع ما سبقها.
فالطاسة التي احتلت وعي البطلة لم تكن قد خُدشت أصلًا، وإنما كان الصوت صادرًا عن الطاجن الفخاري. وهنا لا يُلغى الرمز، بل يعاد تأويله؛ إذ يتبين أن مصدر الرعب لم يكن الشيء نفسه، وإنما الدلالة التي أضفاها عليه وعي الشخصية. وبذلك يتحول الطاجن من أداة منزلية عابرة إلى كاشف سردي يفضح المسافة بين الواقع كما هو، والواقع كما تعيد الذاكرة والانفعال تشكيله.
وتكشف هذه النهاية عن براعة الكاتبة في إدارة الرمز؛ فهي لا تستخدم الأشياء بوصفها إشارات ثابتة، بل تجعل دلالتها تتطور مع تطور السرد، حتى يغدو الكشف الأخير إعادة قراءة للنص كله، لا مجرد حل للعقدة الحكائية.
ومن ثم لا تنتهي القصة بانكشاف حقيقة الطاجن، وإنما بانكشاف حقيقة الإدراك الإنساني؛ فالأشياء لا تمارس سلطتها بما هي عليه، بل بما يودعه الإنسان فيها من معانٍ وتجارب.
وهكذا يعود النص، في لحظته الأخيرة، إلى فكرته المركزية: إن ما يحكم الإنسان ليس الواقع دائمًا، بل الصورة التي يصنعها عنه وعيه.
سادسًا: الرؤية الثقافية والفلسفية... الخوف حين يتحول من انفعال إلى ثقافة
1- من التجربة الفردية إلى البنية الثقافية
بعد أن يتتبع النص تفاصيل حياة امرأة تعيش تحت وطأة علاقة زوجية غير متوازنة، يتضح أن غايته لا تقف عند حدود إدانة سلوك فرد بعينه، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة بنية ثقافية يصبح فيها الخوف جزءًا من عملية التنشئة الاجتماعية، لا مجرد استجابة لمواقف عابرة.
ولهذا تكتسب عبارة البطلة: “أنا امرأة من زمن الخوف.”[22] قيمة تتجاوز الاعتراف الشخصي؛ فهي لا تشير إلى مرحلة زمنية، بل إلى زمن ثقافي تشكلت داخله تصورات بعينها عن المرأة والأسرة والاستقرار الاجتماعي.
وفي هذا السياق يغدو الخوف أحد أدوات الضبط الاجتماعي، ويتحول مع الزمن إلى عنصر من عناصر تكوين الشخصية نفسها.
2- الهيمنة الهادئة... حين تمارس الثقافة سلطتها بصمت
لا يكشف النص أثر هذه الثقافة عبر مشاهد صاخبة أو مواقف عنيفة، وإنما يرصد حضورها في التفاصيل اليومية الصغيرة؛ في لقمة تعجز البطلة عن ابتلاعها، وفي طعام يبرد قبل أن يؤكل، وفي امرأة تبحث عن تبرير قبل أن تتحقق من وقوع الخطأ.
ومن خلال هذه التفاصيل يطرح النص تصورًا بالغ الدلالة لطبيعة الهيمنة؛ فالأشد رسوخًا ليس ما يُفرض بالقوة المباشرة، وإنما ما يتحول إلى جزء من وعي الإنسان، حتى يعيد إنتاجه بنفسه دون حاجة إلى من يفرضه عليه.
وهنا تصبح الممارسات اليومية أكثر قدرة على كشف البنية الثقافية، لأنها ترصد تجلياتها في السلوك العادي.
3- الحرية بين الشعار والإمكان
وفي مقابل هذه الثقافة، يقدم النص خطابًا آخر يدعو إلى التحرر والثقة بالنفس، ممثلًا في المذيعة صاحبة البرنامج الجماهيري. غير أن السرد لا يمنحه سلطة الحقيقة النهائية، كما لا يرفضه، وإنما يضعه في مواجهة واقع أكثر تعقيدًا.
فالحرية، كما تكشف تجربة البطلة، ليست قرارًا فرديًا خالصًا، بل قدرة تتداخل في تشكيلها شروط نفسية واجتماعية وثقافية.
ولذلك يرفض النص اختزالها في إرادة فردية، كما يرفض اختزال المرأة في صورة الضحية العاجزة، مقدمًا رؤية أكثر تركيبًا تجعل الوعي شرطًا للتحرر، لا ضمانًا له.
4- بين الواقع والتمثل... الإنسان أسير الصورة التي يصنعها
تنتهي القصة بمفارقة تكشف أحد أعمق أبعادها الفلسفية؛ إذ يتبين أن “طاسة التيفال” لم تُخدش أصلًا، وإنما كان الصوت صادرًا عن الطاجن الفخاري.
ولا تقف دلالة هذه النهاية عند حدود المفاجأة السردية، بل تفتح سؤالًا عن العلاقة بين الواقع وإدراكه.
فما عاشته البطلة طوال القصة لم يكن أثر الواقعة، بل أثر الاعتقاد بوقوعها. ومن ثم يوحي النص بأن الإنسان لا يستجيب للأحداث كما هي دائمًا، وإنما كما تعيد ذاكرته وخبراته السابقة تشكيلها.
ولهذا استطاع اعتقاد خاطئ أن ينتج خوفًا حقيقيًا، ويبني سلسلة كاملة من الانفعالات والاحتمالات، رغم أن الواقع كان مختلفًا.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز القصة حدود العلاقة الزوجية لتغدو تأملًا في الكيفية التي تعيد بها الثقافة تشكيل إدراك الإنسان للعالم، وفي قدرة المعاني المترسخة على أن تمنح الأشياء سلطة تتجاوز حقيقتها المادية.
الخاتمة
أولًا: من السلطة الظاهرة إلى السلطة المستبطنة... حصيلة القراءة التأويلية
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن قصة “طاسة تيفال” لا تتمحور حول الخوف بوصفه موضوعها الرئيس، ولا تقف عند حدود تصوير علاقة زوجية مضطربة أو موقف أسري عابر، وإنما تكشف الكيفية التي تنتقل بها السلطة من حضورها الخارجي إلى استقرارها في الوعي، حتى تغدو الذات هي الرقيب الأول على نفسها.
وقد أفضت القراءة السوسيو–سيكولوجية إلى تأكيد هذه الفرضية، بل إلى توسيع أفقها؛ إذ بينت أن النص لا يدرس أثر السلطة في السلوك فحسب، وإنما يتتبع لحظة تحولها إلى بنية إدراكية تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم ولنفسه.
وقد كشف التحليل أن الحدث الظاهر لا يمثل سوى محفز سردي محدود، بينما تتمحور الحركة الحقيقية للنص حول ما يثيره هذا الحدث داخل الوعي. فالمثير الخارجي لا يكتسب ثقله من حجمه الواقعي، وإنما من التاريخ النفسي والاجتماعي الذي تستدعيه الشخصية لحظة مواجهته.
ومن هنا لا يغدو خدش الطاسة (أو حتى احتمال خدشها) موضوع القصة، بل يصبح نافذة تكشف كيف تستطيع السلطة، بعد سنوات من التنشئة والخبرة والضبط الاجتماعي، أن تستمر في أداء وظيفتها حتى في غياب صاحبها، حين يتحول حضورها الخارجي إلى يقين داخلي يوجه الإدراك ويضبط السلوك ويعيد إنتاج الخوف.
كما أظهرت القراءة أن النص يتجاوز التفسير الأحادي؛ فلا يحمل المسؤولية لشخص بعينه، ولا يرد الأزمة إلى بنية اجتماعية منفردة، بل يرصد تفاعل السلطة الأسرية، والتنشئة الثقافية، والخبرة النفسية في إنتاج هذا الوعي المأزوم.
ولهذا لا يقدم التحرر بوصفه قرارًا إراديًا بسيطًا، وإنما يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف يستطيع الإنسان أن يتحرر من سلطة لم تعد تقيم خارجه، بل أصبحت جزءًا من طريقته في التفكير والإحساس وتأويل الواقع؟
ومن هنا تتجاوز القصة حدود الحكاية الأسرية لتغدو تأملًا في إحدى أكثر آليات السلطة رسوخًا؛ فهي لا تبلغ ذروة تأثيرها حين تُكره الإنسان على الطاعة، بل حين تنجح في أن تجعله يمارس الرقابة على نفسه، ويعيد إنتاج القيود التي صاغتها، حتى يغدو الخوف أثرًا دائمًا لسلطة لم تعد تحتاج إلى حضورها المباشر.
ثانيًا: القيمة الفنية... اقتصاد السرد وعمق الدلالة
على المستوى الفني، تقدم “طاسة تيفال” نموذجًا ناضجًا لفن القصة القصيرة؛ إذ تنجح سوسن الشريف في بناء نص يعتمد على اقتصاد الحدث، وكثافة الإيقاع النفسي، والقدرة على تحويل تفصيل يومي محدود إلى مركز دلالي تتقاطع عنده الأسئلة النفسية والاجتماعية والثقافية.
كما تحسن الإفادة من الرمز اليومي، فلا تفرضه على القارئ بوصفه شيفرة جاهزة، وإنما تسمح له بأن ينمو تدريجيًا مع تطور التجربة السردية حتى يصبح جزءًا من البنية الدلالية للنص.
ويحسب للنص كذلك اعتماده على حركة الوعي الداخلي أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي، وهو ما منح التجربة صدقًا إنسانيًا واضحًا، وجعل القارئ يعيش آليات تشكل الرقابة الداخلية أكثر مما يتلقى تفسيرًا مباشرًا لها.
ومع ذلك، لا تخلو التجربة من بعض الملاحظات الجزئية التي لا تمس بنيتها العامة. فالمقطع الخاص بالمذيعة التلفزيونية يقترب في بعض لحظاته من المباشرة الفكرية، وكان يمكن لمزيد من الاقتصاد أن يترك مساحة أوسع للإيحاء.
كما أن تصاعد احتمالات العقاب يطول قليلًا قبل بلوغ الذروة، وكان شيء من التكثيف كفيلًا بالمحافظة على التوتر النفسي نفسه بإيقاع أكثر إحكامًا. أما النهاية، فعلى الرغم من نجاحها في إعادة تأويل الحدث، فإن ترك هامش أوسع لانفتاح الدلالة كان من شأنه أن يضاعف مشاركة القارئ في إنتاج المعنى.
غير أن هذه الملاحظات تظل محدودة إذا ما قيست بتماسك البناء السردي وقدرته على الجمع بين البساطة الظاهرة والعمق التأويلي، وهو ما يجعل القصة تنتمي إلى ذلك النمط من السرد الذي لا يستمد قيمته من ضخامة الأحداث، وإنما من قدرته على إعادة اكتشاف الإنسان من خلال أكثر تفاصيل حياته اعتيادًا.
وفي سياق المشروع السردي لسوسن الشريف، تمثل “طاسة تيفال” نموذجًا دالًا على نزوعها إلى استخراج الأسئلة الكبرى من التفاصيل الهامشية، وإلى مساءلة البنى التي تصوغ الوعي الإنساني قبل أن تصوغ السلوك.
ومن هذه الزاوية لا تبدو القصة حكاية عن امرأة تخاف زوجها، ولا حتى عن مجتمع ينتج الخوف، بقدر ما تبدو حكاية عن اللحظة التي تستقر فيها السلطة داخل الإنسان، فيغدو أسيرًا للصورة التي كوَّنتها في وعيه أكثر من كونه أسيرًا لوجودها الواقعي.
وهنا تبلغ القصة أفقها الإنساني الأوسع؛ إذ لا يعود سؤالها الحقيقي: ممَّ نخاف؟
بل يصبح: كيف يصبح الإنسان حاملًا لسلطته الداخلية حتى بعد غياب السلطة الخارجية؟
وحين ينجح النص في نقل هذا السؤال من حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني مفتوح، فإنه يحقق إحدى أهم وظائف القصة القصيرة؛
فقط في كشف ما تخفيه التفاصيل الصغيرة، وإنما في مساءلة الكيفية التي تتشكل بها حرية الإنسان وحدودها من داخل وعيه قبل أن تتحدد بقوى العالم الخارجي.
المراجع
(1) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
الهوامش
(1) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع. ص 70
(2) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى (مجموعة قصصية). القاهرة: روافد للنشر والتوزيع.
(3) سوسن الشريف. (2020). مشهد خارجى . ص 70
(4) المرجع السابق
(5) المرجع السابق
(6) المرجع السابق
(7) المرجع السابق
(8) المرجع السابق
(9) المرجع السابق
(10) المرجع السابق
(11) المرجع السابق
(12) المرجع السابق
(13) المرجع السابق
(14) المرجع السابق
(15) المرجع السابق
(16) المرجع السابق
(17) المرجع السابق
(18) المرجع السابق
(19) المرجع السابق
(20) المرجع السابق
(21) المرجع السابق
(22) المرجع السابق