عائشة أبو ليل - رؤية في قصة "حفيف أنثوي" للكاتبة بهية كحيل

(حين تُهزَم المرأة بكلمة… وتنتصر بصمتها)

ليست كل الجروح تُرى…
بعضها يُقال… كلمةً عابرة، تخرج من فمٍ لا يدرك أنه ألقى حجراً في بحيرة روح، ستظل دوائرها تتسع… لسنوات.

في “حفيف أنثوي” لا تكتب د. بهية كحيل قصةً عن حبٍّ عابر، بل تنسج خيطًا دقيقًا بين الكلمة والجسد، بين الذاكرة والانتقام، بين الأنثى حين تُختزل… والأنثى حين تستعيد تعريفها للعالم.
هنا لا تبدأ الحكاية من حدث، بل من أثرٍ يسبق الحكاية ويظلّ بعدها؛ من رنينٍ متقطّع يشبه قلبًا لم يُحسم أمره بين النسيان والتذكّر، ومن كلمةٍ خرجت عابرة، لكنها لم تعبر أبدًا في روح امرأة.
في حفيف أنثوي لا ندخل نصًا، بل ننزلق إلى طبقة خفية من المعنى، حيث الأشياء لا تُقال كما هي، بل كما تتركه فينا.
“أنتِ أحلى كذبة في حياتي”…
جملةٌ تبدو للوهلة الأولى خفيفة، مُخمَّلة بنبرة غزل، لكنها في العمق أقرب إلى مشرطٍ ناعم، يشقّ المعنى دون أن يُسيل الدم فورًا.
لم تكن هذه العبارة وصفًا لها، بقدر ما كانت اعترافًا غير مكتمل بذاته هو؛
فالرجل حين يعجز عن احتمال امرأة حقيقية، يلجأ إلى اختزالها… إلى تسميةٍ تُريحه، حتى لو شوهتها.
هي لم تُجرَح فقط…
بل أُعيد تعريفها.
وهنا تكمن الفاجعة الحقيقية.
منذ تلك اللحظة، لم تعد المرأة كما كانت، لا لأنها صدّقت الكلمة، بل لأنها اضطرت أن تعيش معها.
ابتلعت الغصّة، وغادرت… لكن الرحيل في هذا النص ليس حركة جسد، بل حركة وعي.
تمضي السنوات، تتبدّل الأزمنة، تتورط في حياة أخرى، في زواجٍ لم يكن خلاصًا بل شكلاً آخر من أشكال الخذلان، كأنها كانت تعيد تمثيل الجرح ذاته بوجوه مختلفة.
لكن شيئًا واحدًا لم يتبدل:
تلك الكلمة التي ظلت تنبض في داخلها، لا كذكرى، بل كسؤال مفتوح.
لأن بعض الكلمات لا تنتهي عند لحظة قولها…
بل تبدأ منها.
وحين عادت إليه، لم تكن عودة شوقٍ ساذج، ولا حنين امرأة إلى ماضيها،
بل عودة من فهمت، وتأخّر فهمها حتى نضج.
عادت لا لتُستعاد، بل لتُعيد ترتيب الحكاية من موقع آخر.
لم تعد تلك التي تنتظر تعريفه لها، بل تلك التي تراقبه وهو يقع في تعريفها الجديد.
هنا يتبدّى “الحفيف” بوصفه تقنية وجود لا مجرد عنوان:
صوت خافت، لا يلفت الانتباه، لكنه يُربك السكون كله.
هي لا تقتحم حياته، بل تتسرّب إليها، كضوءٍ خفيف يتسلل من نافذةٍ لم تُغلق جيدًا.
قهوة، لقاء، ضحكة، حديث عابر…
كل شيء يبدو مألوفًا، وكأن الزمن لم يتحرك،
لكن تحت هذا السطح، كانت طبقات المعنى تنزاح ببطء، كأرضٍ تستعد لزلزال صامت.
الرجل لم يكن شريرًا…
وهذا ما يجعله أكثر خطورة.
كان عاديًا، منظمًا، يعيش ضمن إيقاع يومي لا يتعثر: قهوته، عمله، مواعيده، سيارته الأنيقة، حياته التي تبدو مكتملة من الخارج، فارغة من الداخل.
لم يدرك أن كلمة واحدة، قيلت بلا وعي، يمكن أن تظلّ حية في جسد آخر، تنمو، تتحوّل، وتعود يومًا لتطالبه بثمنها.
وهي… لم تعد تلك التي ترتجف.
صارت تعرف كيف تتحكم في المسافة بين الكلمة وأثرها، بين النظرة وانعكاسها.
صارت أكثر هدوءًا… وأكثر خطورة.
تبتسم حين ينبغي أن تبتسم، تصمت حين يكون الصمت أبلغ، وتمنحه من الحضور ما يكفي ليظن أنه استعادها… بينما هو، في الحقيقة، يقترب من فقدها بشكلٍ نهائي.
الرموز في النص لا تعمل كزينة، بل كأعصاب خفية للمعنى:
المرآة لم تعد تعكس وجهها، بل تاريخها مع نفسها،
القهوة لم تعد عادة، بل محاولة للتماسك،
الوردة الحمراء التي حلّت مكان الياسمين ليست صدفة، بل إعلان أن البراءة التي كانت يومًا لم تعد ممكنة، وأن الحب حين يُكسر، لا يعود كما كان، بل يتحوّل إلى شيء آخر… أكثر كثافة، وأقل نقاءً.
وحين يقول لها: “لن أدعك ترحلين مجددًا”،
يظن أنه يمسك بها أخيرًا…
لكن ما لا يدركه أنه دخل بالفعل إلى المساحة التي رسمتها له.
التي كانت تُنتظر، صارت هي من يترك،
والتي كانت “كذبة”، صارت هي من يختبر صدقه.
الذروة هنا ليست انفجارًا، بل لحظة وعيٍ صامتة،
حين تسمع صوته يقول لامرأة أخرى: “لا تنتظريني”…
فتبتسم.
تلك الابتسامة ليست شماتة،
بل اكتمال دائرة.
شيءٌ ما استقر أخيرًا في داخلها، كأن العالم عاد إلى توازنه بعد ميلٍ طويل.
لم تنتقم…
بل استعادت نفسها.
وهنا تبلغ القصة ذروتها الحقيقية:
حين تدرك، بحدس امرأة نضجت على نار التجربة،
أنها لم تكن يومًا “كذبته”…
بل كان هو الوهم الذي صدّقته طويلًا.
“حفيف أنثوي” لا تروي قصة حب، بل تفكك وهم الحب حين يُبنى على اختزال.
لا تقدّم امرأة مكسورة، بل امرأة تعلّمت كيف تعيد كتابة الكسر،
كيف تحوّل الجرح من علامة ضعف إلى أداة فهم،
وكيف تستعيد اسمها من بين الكلمات التي سُرقت منها يومًا.
في هذا النص، لا يهزمنا الآخرون بقدر ما تهزمنا التعريفات التي نقبلها عن أنفسنا،
ولا نُشفى حين ننسى، بل حين نفهم.
حين نعيد النظر في الكلمات التي علقت بنا، ونقرر أخيرًا:
أيّها يبقى… وأيّها يُمحى.
وهكذا، يظلّ الحفيف خافتًا، لا يُرى ولا يُمسك،
لكنه، حين يمرّ، يغيّر اتجاه الريح كلها…
ويترك في الروح يقينًا أخيرًا:
أن أخطر ما يمكن أن يُقال… ليس ما يُوجِع لحظته،
بل ما يُعيد تشكيلنا… إن صدّقناه طويلًا.

عائشة أبو ليل


1775396404369.png



نص القصة


حفيف أنثوي
بقلم : د. بهية كحيل


رنينٌ متقطع، طال قليلاً حتى جاءها صوته متكاسلاً خافتاً كما تعودت دائماً أن تسمعه، بلعت غصة محرقة ثم أردفت بحفيف ناعم

- أعرف أنها بجانبك الآن، لا بد أنها غافية، فقد تعمدتُ أن أتحدث إليك باكراً، أردت أن أكون أول من يهنئك... أتذكر؟ إنه الربيع مولد الخصوبة ومولدك كل عام وأنت بخير ثم أغلقت الخط

صعقته المفاجأة، وتوالت أحرف اسمها تزرع الصحو في خلايا رأسه التي بدأت تستيقظ للتو وتستوعب أن هذا الصباح هو الأول من نيسان، وخشي أن يكون في الأمر كذبة.

أما هي فقد تمطّت، داعبت أغطية فراشها الحريرية، احتضنت وسادتها الناعمة، وخيوط الشمس البديعة تتسلل من النافذة، وتبعث دفئاً لذيذاً مازال يسري حتى غمر كل جزء من أجزاء جسدها.

إنه الربيع، مولد الخصوبة ومولدك، كل عام وأنت حبيبي... فقط الكلمة الأخيرة غابت عنه كما غابت هي منذ سنوات أربع.

ما زال يذكر تلك الليلة بجلاء ووضوح، وجهها الشهي في الضوء الخافت، همساتها الحارة، ويذكر تماماً حالة اللاوعي التي انتابته بعد الكأس الخامسة، وجعلته يقول بلحظة صدق مع نفسه ومعها

- أنت أحلى كذبة في حياتي، يا حياتي.

عادت الآن إلى مخيلته صورة وجهها الذي لم يره أبداً كما رآه في تلك اللحظة التي بدا فيها وكأنه قُدَّ من صخر. يومها صمتت، نظرت إليه بوجع، ثم تركته ورحلت.

ارتدى ملابسه، أعد لنفسه فنجان قهوة. جلس في شرفة منزله الأنيق المطل على شارع جميل، كل ما حوله كان أنيقاً، هادئاً، جميلاً.

راح يحتسي قهوته وصدى صوتها الصاخب ينسال من البعيد ليزيد صحوه ويزرع كثيراً من الأسئلة والهواجس وشيئاً ما فقد الإحساس به منذ أن فقدها تلك الليلة.



وعلى الطرف الآخر، وبين الأغطية الزرقاء الرمادية كانت ترتشف قهوتها وتشعل سيجارة تلو الأخرى، لم تسمع صوته إلا بمقدار الأحرف الخمسة حين قال ألو من، ومع ذلك أثارت تلك الأحرف صور الماضي بكل ما فيه من حلاوة ومرارة، من لذة وألم،

تذكر جيداً ليلة عيد ميلاده، تلك الليلة المشهودة التي تجلّى فيها اللقاء عذباً ندياً، حتى ظنت أنه بات توءم روحها، ثم وفي أسمى اللحظات تواصلاً، وأحلاها تألقاً، وأشدها عفوية وصدقاً، قال لها ببساطة

- أنت أحلى كذبة في حياتي، يا حياتي

أطفأت السيجارة الثالثة، ثم انسلت من فراشها نشيطة متفتحة وراحت تتأمل تقاطيع الوجه الذي انطبع على المرآة أمامها

ذات يوم قال لها في لحظة صفاء، إنني أختصر روحك في عينيك وأختصر جسدك في شفتيك، فنظرة وابتسامة منك تلخص كل ما فيك.

أمام المرآة أيضاً بدأ يعقد ربطة العنق، هديتها في آخر عيد ميلاد جمعهما

في الطريق إلى عمله، وبالتحديد إلى الجامعة الحكومية كان صوت الراديو في سيارته الحديثة ذات اللون الأسود المكسوة بفراء خمري اللون، يصدح بأغنية محببة إلى نفسه

في الاستراحة طلب فنجان قهوة سادة من البوفيه وصعد إلى الدور الثاني من كلية الاقتصاد، في البهو وقبل أن يدلف إلى غرفته لمحها

أغلق الباب ورائه محاولاً أن يبدو طبيعياً رغم تسارع نبضاته

جلس الى مكتبه وشرد في نبته خضراء جميلة تتسلق زجاج النافذة الأملس الشفاف بكل إصرار

طرقات خفيفة ناعمة، صرير حاد انطلق حين دار مقبض الباب ليُفتح ولتدخل هي همس لنفسه: معقول! لو لم تتصل به هذا الصباح، لما فكر لحظة واحدة أن هذه التي تفور أنوثة وتقف أمامه الآن هي نفسها الفتاة التي عرفها ذات يوم

- أهلاً، همس دون أن تتحرك شفتاه

ثم راحت عيناه تجولان في عوالم عينيها، شفتيها، شعرها، أنفها، وحتى ذقنها.

- أيضايقك وجودي أو بالأحرى، يحرجك؟

- لا أبداً، لستِ غريبة عن المكان، هل نسيت أنك كنت تلميذة سابقة، وبغمز بريء، وقد كنت تلميذة نجيبة

ابتسمت بدلال وهي تحجب ضحكة غالبتها حتى غلبتها، فخرجت بلا قيود.

طُرق الباب، وأدخل الآذن فنجاني قهوة، ابتسم محاولاً أن يحمّل ابتسامته الأفكار التي دارت في مخيلته، وانسحب بهدوء.

رشف قليلاً، ورشفت أخرى، وبحركة رشيقة سحبت فنجان قهوته، ووضعت له فنجانها، ابتسم، لكنه لم يلامس ظاهر كفها كما كان يفعل سابقاً

مرّ الوقت، وكأنهما لم يفترقا أبداً، ها هي الساعة قد جاوزت الثالثة، نزلا الدرج الرخامي، الذي طالما نزلاه معاً، وأمام الباب الرئيسي أشار إلى سيارته الفارهة

لكنها ابتسمت معتذرة، ثم مدت له يدها مودعة.

تعمدت أن تعود إلى بيتها مشياً على الأقدام أرادت أن تتعب هذا الجسد، أن تسكت الصراخ المر المنبعث منه

أحبته فكان حبها وبالاً عليها وتزوجت بآخر فكان عذاباً من نوع ثان، عادت صور الأمس القريب يوم احتمت بستار الشرعية، يوم ربطت قدرها بعقارب زوج ودارت في فلكه، وعلى مدارات قسوته تناقصت رغبتها

فخرجت في المرتين مكسورة مهانة... فالذي أحبته خذلها، والذي تزوجته وأخلصت له مارس كل مركبات نقص الرجل الشرقي تجاهها، هان عليه كبرياؤها كأنثى فهانت عليها حياتها معه، فرحلت غير آسفة على شيء

في الطريق إلى منزلها قادتها أحاسيسها قبل قدميها إلى طرق تعبث بها شياطين تلك الذكرى، لم تحاول نسيانه، ولم تجرب سلواه بل أقسمت أنها يوماً ما ستحطم كل ألوانه.

ما كادت تغلق باب منزلها حتى رن جرس الهاتف

- متى سأراك ثانية؟

ثار ألف بركان، وشهقت الشمس بألف نور وغابت كل الألوان إلا الشفق الأحمر الذي تسلل برفق من خزانة ملابسها ولف بإثارة ساقيها وخصرها، عانق صدرها، ثم عاد وانـحسر برفق عن جيدها، وهي ترتب خصلات شعرها الأسود، وتهمس له

- ما زلت معي لم تغادرني أبداً

كلمات وضحكات وبعضٌ من روائح الأمس تسللت عبر الهاتف

وعاد عواء الذئاب ينكأ في صدرها النازف جرحاً مازال حاراً لم يندمل، همست بحفيف شهي تعرف جيداً أنه يعانق رغباته، ويثير جنونه

- هل ما زالت الاختصارات هوايتك، سأكملها لك، إنه الأول من نيسان، كل عام وأنت قدري وألمي ودمائي التي تجري في عروقي، سألقاك غداً.

أشرقت الشمس مجدداً فكان لها لون الحياة، باكراً ونشيطاً، على غير عادته صحا، أعد فنجان قهوة بالحليب، ودمدم أغنية محبَّبة إلى نفسه.

بعودتها البارحة أضاءت في نفسه شيئاً نسي الإحساس به منذ أن فقدها في تلك الليلة،

انتظر قدومها في مكتبه، عقارب الساعة تشابكت مع نبضات قلبه، عندما فُتح الباب، ودلفت منه بدلال

أحس بطعم العسل في عينيها، ولون الشهوة في شفتيها

بادرها قائلاً:

- أريد أن أراكِ

- أنا أمامكَ وأنت تراني!

- لا... أريد أن أشعر بك، أن ألمس روحك، تعالي معي... قالها بعذوبة فاحت منها رائحة تعرفها جيداً

ابتسمت بمرارة إنها الشفاه ذاتها التي اغتالت يوماً ألوانها، وذبحت بهجتها، وأودعتها بقايا امرأة

فتح لها باب السيارة، غاصت في فرائها الخمري الدافئ، ارتجفت قدماها، نبت عرقٌ باردٌ على جبهتها.

ثم تسللت نغمات عذبة أسيرة إلى قلبها، لمسات دافئة وضحكات ناعمة، كأنه لم يفارقها ولم تفارقه.

حلّ ربطة عنقه، نسي مواعيد مهمة، وتناسى موعد غدائه المعتاد الذي لم يغب عنه منذ سنوات، وبعفوية شديدة (كما كان معها في تلك الليلة قبل سنوات) سار في طريقهما المعتاد

توقف أمام تلك الحديقة التي كان يقطف منها الياسمين الذي تحب، اتجه صوب السياج، بحث عن الشجرة العطرة لكنه لم يجدها، بل كان هناك الكثير من الورد الأحمر القاني... مدّ يده وعاد بوردة تمايلت يمنة ويسرة حتى استقرت بين يديها الباردتين

- إنك ترتجفين قالها بهمس

أخذ يمناها بيسراه، ووضع يمناه فوقها.. لن أدعك ترحلين مجدداً

وحين عانقها أدركت للتو أنها مازالت كامنة فيه، ساكنة خلايا جسده

شارفت الساعة على الرابعة بعد الظهر، موعد غدائه المعتاد

رنينٌ حادٌ تقاطع مع نبضات قلبها المتسارعة، أشار اليها أن تصمت قليلاً، فتح الخط ثم قال: -لديّ عمل، سأتأخر، لا تنتظريني

ثم التفت إليها - سنتغدى معاً

فاضت أعماقها بالنشوة، ابتلعت ابتسامة ماكرة، همست بينها وبين نفسها

« لا تنتظريه سيتأخّر.. سيتأخّر كثيراً..»

ثم أدركت بذكاء امرأة ناضجة، وبحدس عاشقة مجروحة أنها لم تعد كذبته، وأن الزمن الذي تنتظره قد جاء

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى