أدب السيرة الذاتية ابراهيم العربي - وجه آخر من وجوه مدينة الغبار: الأستاذ محمد العرجوني

ولد محمد العرجوني لا على ضوء الفجر، بل على رماد منجم هدر عمر أبيه و صاعد أنفاسه الأخيرة بين العرق و الغبار. كان لايزال طفلا حين صار وجه أبيه ذكرى و في عينيه يتكون حجر السؤال: لماذا يفنى الإنسان في جوف الأرض كي يضيء لغيره؟
ذلك السؤال غدا بذرة عمره كله.

كبر الصبي على هدير الحكايات.. منجم في المدينة يلوك صدور العمال و أزقة تتكئ على الصبر كعلم وحيد فوق رماد الأيام. حمل محمد طفولته كحمل من أسى وكرامة و مضى يتعلم اللغة التي لم تكن لغة أبيه، ليجعل منها لسانا لنفسه و أفقا لعذابه الجميل.

تخرج الى التعليم كمن يخرج من الجرح إلى القصيدة و واصل رحلته إلى نيس الفرنسية، حيث صقل روحه بين حرف و آخر، ليعود إلى مدينته لا مدرسا مجددا، بل مؤمنا بأن النور الذي يعطى للمدينة يجب أن يخرج منها. صار أستاذا ثم شاعرا في هيئة حكيم، يزرع الكلمات في قلوب طلابه كما يزرع الريح في شجر الذاكرة.

و ذات صباح، حين جلس في مقهى بمدينة وجدة، كان يكتب لا عن نفسه، بل عن الناس جميعا: عن الذين يشقون الأرض بحثا عن الخبز و عن الذين يشقون الحرف بحثا عن المعنى. أسس المقاهي الأدبية لا ليستعرض، بل ليؤسس منابر الوعي، من وجدة إلى السعيدية و من المغرب إلى الجزائر و لبنان، حاملا في صدره صدى أبيه الذي مات في المنجم، كأنه يقول له: ها أنا أضيء لك الطريق من فوق الأرض، كما أطفأت حياتك تحتها..

هو ابن المنجم و ابن الحرف و ابن المدينة التي أحبها حتى صار جزءا من صوتها. لم يطلب تكريما، لأن سيرته نفسها تكريم. إنما بقي يعلم بصمت و يكتب بروح من ضوء و ندى و يتحدث كمن يعرف أن الكلمة، حين تكون صادقة، تواسي العالم كله.
محمد العرجوني ليس مجرد ابن لعامل قضى نحبه بسبب باطن الأرض، بل كان وعدا خرج من تحت الركام. كأن القدر اختبر صبر طفل صغير، ثم نفخ فيه روحا تحمل في عروقها حكمة الألم. فمنذ أولى خطواته في دروب جرادة، أدرك أن المدينة ليست بيوتا و أزقة، بل ذاكرة تطلب بالمعرفة و تخلد بالكتابة.

هكذا كان، لا يعلم اللغة الفرنسية فحسب، بل يعلم كيف تكون اللغة جسرا إلى الحرية وكيف يصبح الأدب خلاصا من الفقدان. كان تلاميذه يرونه بحبره المتواضع كالمنار في موسم الضباب، يفتح لهم نوافذ من فكر و نور و يمضي دون أن يلتفت إلى التصفيق. في صمته شجاعة المنقب عن الجمال و في ابتسامته رصانة من يعرف أن النجاة في الكلمة لا في الصيت.

لم تكن المقاهي الثقافية التي أسسها سوى امتداد لذاكرته الأولى: لقاء الناس حول الحكاية، كما كانوا يتحلقون قديما حول النار. كان يخلق من الجلسة البسيطة ندوة نابضة و من الحكاية القصيرة درسا في الإنسانية. من السعيدية إلى وجدة و من المغرب إلى الفضاء المغاربي، ينسج خيوط صداقة بين العقول، لا بين المقاعد.

في قلبه، ظل صدى المنجم حاضرا. كل من سمع صوته يعرف أن في نبرته صلابة الحجر و دفء التراب، كأنه يحمل ذاكرة أبيه في حنجرته، و يحول الغبار القديم إلى حروف نيرة. لم يكتب عن الحزن، بل يكتبه نورا.
و حين كان يجلس قرب طلابه أو رفاقه، كانت عيناه تقولان أكثر مما تنطق به الشفاه: أن المعرفة ليست امتيازا، بل واجب من رأى الظلمة في عيون الآخرين.

محمد العرجوني لم يكن فقط مدرسا و لا كاتبا يسكن المقهى الأدبي، بل هو حارس الحرف و ضمير المدينة. بلغ من الوعي ما يجعله يرى في كل كلمة حياة جديدة و في كل لقاء إنساني بذرة مستقبل. عاش و يعيش وفيا لنور الفكرة و لوجه أبيه و لتلك المدينة التي شب فيها على طين مبلل بالذكريات و مضى يكتب عنها كمن يكتب صلاة طويلة للوطن و للمكان و للإنسان.

في ختام الطريق، يشمخ محمد العرجوني كجسر بين عالمين: عالم المناجم حيث يموت الضوء في أعماق الأرض وعالم الفكر حيث يولد من الكلمات. حمل وجع أبيه لا كعبء، بل كعهد مكتوب في قلبه منذ الطفولة.. أن يعيد للنور حقه المسلوب و أن يعلم الناس كيف يصنعونه بأنفسهم.

رحلته شبيهة برحلة الفحم حين يتحول إلى لمعان: من ضغط الطين و من سواد العرق، تولد اللمعة الأخيرة التي لا تطفأ. هكذا عاش و هكذا يعيش أطال الله عمره ، هكذا كتب و هكذا ترك أثره في تلاميذه و حفي المدينة — أثرا لا يشبه تكريما و لا تمثالا، بل وصية صامتة تقول: التعليم هو أجمل وجوه المقاومة و الكتابة أصدق أشكال الخلود.
إن سيرة هذا الرجل ليست حكاية عن معاناة، بل عن ما بعد المعاناة..عن إمكانية أن يخلق من الحرمان معرفة و من الغبار ضوء و من ذاكرة المنجم حلم يطل من نوافذ المدارس و المقاهي الأدبية.
محمد العرجوني ظل و يظل شاهدا على أن الكلمة يمكنها أن تنتصر على الموت و من أن ابن العامل يمكن أن يصير ابن الفكرة و ابن المدينة و ابن الإنسانية جمعاء...
أطال الله في عمر أستاذنا محمد العرجوني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى