يحيى بركات - أين ذهبت ذاكرة الفلسطينيين المصوَّرة؟ من أرشيف الأونروا في فيينا إلى شارع الإذاعة في بيروت… ثم إلى المجنزرات الإسرائيلية

لم يكن ما كُشف عنه عام 2017 في الصحافة الإسرائيلية مجرد العثور على بكرات أفلام قديمة داخل أرشيف الجيش الإسرائيلي. كانت المسألة أكبر بكثير من ذلك. فنحن لا نتحدث عن مواد بصرية تائهة عُثر عليها بالمصادفة، بل عن جزء من الذاكرة الفلسطينية المصوَّرة، جرى الاستيلاء عليه، وإعادة تصنيفه، وإخفاؤه لعقود داخل مؤسسات عسكرية وأمنية إسرائيلية. وعندما نشرت “هآرتس” تقريرها عن وجود أفلام وصور فلسطينية محفوظة داخل أرشيف الجيش ووزارة “الدفاع”، بدا الأمر وكأن الاحتلال لا يكتفي بالاستيلاء على الأرض، بل يمد يده أيضًا إلى الصورة، والوثيقة، والذاكرة، ويحاول أن يصبح هو الحارس القسري لذاكرة من اقتلعهم.
في ذلك التقرير، وردت معلومات عن وجود مئات الأفلام المصنفة كـ“غنائم حرب”، بينها مواد كثيرة عن اللاجئين الفلسطينيين ومن إنتاج الأونروا، إضافة إلى أفلام وصور صودرت خلال اجتياح بيروت عام 1982. ثم جاءت أبحاث رونا سيلع لتؤكد أن ما جرى لم يكن حادثة عرضية، بل جزءًا من نمط أوسع من السيطرة على الأرشيفات الفلسطينية، سواء كانت صورًا أو أفلامًا أو وثائق، وإعادة إدخالها في منظومة الأرشفة الإسرائيلية تحت مسميات جديدة، ومصطلحات جديدة، ورواية جديدة.


FB_IMG_1776086008278.jpg

لكن بدء القصة من لحظة العثور على تلك المواد داخل الأرشيف الإسرائيلي لا يكفي. فالمشكلة الحقيقية لا تبدأ من رفوف الأرشيف العسكري الإسرائيلي، بل من السؤال الأسبق: ما الذي كان موجودًا أصلًا؟ من جمعه؟ من نقله؟ من سلمه؟ أين كان محفوظًا؟ وكيف اختفى؟ ومن هم الأشخاص الذين يعرفون خط سيره قبل أن يصبح “غنيمة حرب” أو لغزًا مفتوحًا؟
هنا تصبح الشهادة المباشرة ضرورية، لا بوصفها تكميلًا للمعلومة، بل بوصفها جزءًا من الحقيقة نفسها. وفي هذا السياق، لا بد من تثبيت حقيقة واضحة تتعلق بأرشيف الأونروا السينمائي: أنا شخصيًا كنت الشاهد المباشر على هذا الأرشيف، بل كنت المكلّف بمتابعته وإحضاره من فيينا إلى بيروت. تم ذلك بتكليف من الشهيد ماجد أبو شرار، الذي كان يتابع هذا الملف، وعندما أُنجز الاتفاق مع الأونروا على الحصول على نسخة من أرشيفها السينمائي، وتحمل تكاليف نقله من فيينا إلى بيروت، كنت أنا من تابع الأمر عمليًا حتى وصوله. وعندما وصل الأرشيف إلى بيروت، استلمته أنا، وبتعليمات من الأخ ماجد سلّمته إلى الأخ الراحل عبد الله حوراني، مدير دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية.
هذا التفصيل ليس شخصيًا، بل جوهري، لأنه يضع يدنا على أحد أهم مفاصل القصة. فنحن هنا لا نتحدث عن تخمين أو رواية منقولة، بل عن عملية محددة: أرشيف سينمائي ضخم للأونروا، جرى نقله من فيينا إلى بيروت في مطلع الثمانينيات، ثم سُلّم رسميًا إلى دائرة الثقافة. وكان هذا الأرشيف يوثق، عبر آلاف البكرات، حياة اللاجئين الفلسطينيين منذ قيام الأونروا: الخدمات الصحية، والتعليمية، والإغاثية، وتوزيع الطعام، وصور المخيمات، وأحوال العيش والتشرد والعمل في الضفة الغربية وغزة ولبنان وسوريا والأردن ومصر. أي أننا لسنا أمام مواد تقنية أو إدارية فقط، بل أمام ذاكرة بصرية كاملة لحياة اللاجئين الفلسطينيين في المنفى.
وقد وُضع هذا الأرشيف في غرفة داخل مكتب عبد الله حوراني، في البناية المجاورة للإعلام الموحد ووكالة “وفا”، في الشارع الذي كان يُعرف باسم “شارع الإذاعة”، لوجود مقر إذاعة “صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية” فيه. وكان ذلك الشارع يضم عددًا كبيرًا من مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح ومؤسساتها الإعلامية والثقافية. وكانت المواد محفوظة في كراتين منظمة، مع شروح على كل صندوق، وملفات تفصيلية تبين ما يحتويه كل صندوق من بكرات ومواد.
ثم وقع الاجتياح.
بعد ذلك، وبحسب ما نقل إليّ شهود من سكان ذلك الشارع، فإن جيش الاحتلال دخل إلى المنطقة، وأفرغ مكاتب منظمة التحرير وحركة فتح في ذلك الشارع بالكامل، وأنهم شاهدوا الجنود ينزلون الكراتين ويضعونها في المجنزرات. ولم يكن الحديث هنا عن أرشيف الأونروا وحده، بل عن كل ما كان موجودًا في ذلك الشارع تقريبًا: ما تبقى في مؤسسة السينما من أفلام وأرشيف ووثائق، وأرشيف قسم التصوير الفوتوغرافي، وأرشيف وكالة وفا، وأرشيف الإذاعة، وسائر ما كان محفوظًا في مكاتب المنظمة وحركة فتح. كان شارعًا كاملًا من الذاكرة الفلسطينية، جرى تفريغه ونقله إلى دولة الاحتلال.
هذه الشهادة تتقاطع بقوة مع ما ظهر لاحقًا في الأبحاث الإسرائيلية نفسها. فعندما تقول رونا سيلع إن الجيش الإسرائيلي نقل من بيروت أفلامًا وصورًا ووثائق من مكاتب فلسطينية مختلفة، وإن بعض ما وجدته في الأرشيف الإسرائيلي كان مختومًا بأسماء دوائر فلسطينية محددة، فإن ذلك لا يعود اكتشافًا معزولًا، بل يصبح متصلًا بشهادات من عاشوا تلك اللحظة ورأوا كيف كانت المواد محفوظة، وأين كانت، وكيف خرجت.
غير أن القصة لا تتوقف عند أرشيف الأونروا ودائرة الثقافة. فثمة مسار آخر لا يقل أهمية ولا يقل غموضًا: أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية نفسها. هذا الأرشيف لم يكن مجرد مجموعة من الأفلام الجاهزة، بل كان حصيلة تجربة كاملة قادها رواد السينما الفلسطينية، وفي مقدمتهم سلافة جاد الله، وهاني جوهرية، والمخرج الراحل مصطفى أبو علي، ومعهم خديجة حباشنة التي اضطلعت بدور محوري في الأرشفة والمتابعة. كان ذلك الأرشيف يضم أفلام المؤسسة، والمواد الخام، وأفلامًا أخرى عن الثورة الفلسطينية، والمخيمات، والشتات، والحياة اليومية، وأعمالًا تعود إلى ما قبل 1948 وما بعدها. وهو ما يجعل ضياعه أو نهبه أو تبديده خسارة تتجاوز حدود الفن لتصل إلى أصل السردية الفلسطينية المرئية.
بحسب ما أعرفه، فإن أرشيف مؤسسة السينما كان مسؤولية مباشرة للمخرج مصطفى أبو علي وخديجة حباشنة، وهما من عملا على نقله من مقر مؤسسة السينما في منطقة الجامعة العربية إلى شقة في فردان خلال بداية الحرب، في محاولة لحمايته. وكان أحد مصوري المؤسسة، عمر الرشيدي، يتابع هذا الأرشيف هناك. وسمعت من عمر الرشيدي، ولا أستطيع الجزم بصحة ذلك، أن أمطارًا غزيرة سقطت ذات عام ودخلت إلى تلك الشقة وألحقت ضررًا بجزء من الأرشيف. هذه معلومة أوردها هنا كما سمعتها، لا كحقيقة نهائية، بل كجزء من الرواية التي تحتاج بدورها إلى تحقيق وتثبيت.
ومن بين الشهادات التي لا يجوز التعامل معها كحكاية جانبية، بل كجزء من صلب هذا الملف، ما جرى لي شخصيًا في تونس، في لقاء مع الرئيس ياسر عرفات، على الأرجح عام 1986، أي بعد نحو أربع سنوات من الخروج من بيروت. في ذلك اللقاء ذكّرت الرئيس بأرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية، وقلت له، على ما أتذكر، إن لدينا في بيروت شقة مليئة بالذهب ولم نحضرها معنا. توقف أبو عمار عن الكتابة، ورفع رأسه نحوي متسائلًا: ذهب؟ فسارعت إلى التوضيح بأنني لا أقصد ذهبًا بالمعنى الحرفي، بل أقصد أرشيف السينما الفلسطينية، وأن كل قدم من هذه المادة يساوي جرام ذهب، وأنني أقدّر قيمة ذلك الأرشيف بطنًا من الذهب. ابتسم الرئيس، ثم طلب من السكرتاريا استدعاء الراحل أحمد عبد الرحمن، الذي كان مسؤول الإعلام والثقافة في حركة فتح في تونس. وبعد لحظات حضر أحمد عبد الرحمن، فقال له الرئيس: أخوك يحيى يسأل عن أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية. عندها بادر أحمد، بحسب ما أذكر، بالقول: أنا كلفت المخرج اللبناني فؤاد زنتوت أن يشحن الأرشيف إلى تونس، وهو يعمل على ذلك.
هذه الواقعة يجب أن تُقرأ بدقة، لأنها لا تحسم مصير الأرشيف، لكنها تثبت أن الملف كان مطروحًا على أعلى مستوى، وأن جواب أحمد عبد الرحمن جاء في مواجهة سؤال مباشر من الرئيس، وبحضوري الشخصي. ومع ذلك، فإن هذا الجواب بقي، بالنسبة لي، في دائرة الشك المفتوح، لا لأنني أملك ما ينفيه قطعًا، بل لأنني بعد ذلك بقيت في تونس سنوات، وحتى عام 1991، ولم أعثر على ما يؤكد أن الأرشيف وصل فعلًا إليها، ولم أحصل على معلومة حاسمة تطمئنني إلى مصيره.
لذلك، فإن رواية “شحن الأرشيف إلى تونس” تبقى رواية تستند إلى قول صدر في لقاء رسمي، لكنها لا ترتقي وحدها إلى مرتبة الحقيقة النهائية المحسومة. فهي قد تكون صحيحة، وقد يكون الشحن قد تعثر، أو رُفض استقباله، أو غُيّر مساره إلى بلد آخر، أو ضاع بين الجهات، أو بقي مجرد نية لم تكتمل. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ما قيل، وما تحقق فعلًا، وما بقي بعد كل هذه السنوات بلا جواب.
أما الرواية التي قيلت لاحقًا على نحو عام بأن أحمد عبد الرحمن أبلغ الرئيس ياسر عرفات أن فؤاد زنتوت كُلّف بشحن الأرشيف من لبنان إلى تونس، فأنا أتعامل معها حتى اليوم بكثير من الشك. لا أقول إنها كاذبة، لكني لا أملك ما يؤكدها، بل إن الوقائع التي عرفتها بنفسي تجعلني غير مطمئن إليها. لقد كنت في تونس حتى عام 1991، وأخرجت هناك فيلم “رمال السوافي” عن حرب الخليج وانعكاسها على فلسطينيي الكويت، وخلال وجودي هناك سألت عن الأرشيف، فلم أحصل على أي معلومات واضحة أو حاسمة. وحتى عمر الرشيدي لم يعطني ما يبدد هذا الغموض. وحين عدت إلى الوطن والتقيت مجددًا بالمخرج مصطفى أبو علي، كان أحد أهم ما شغلنا هو السؤال نفسه: أين الأرشيف؟ وكيف نصل إليه؟ وهذا وحده كافٍ لإثارة الشك في أن رواية “نقله إلى تونس” لم تكن محسومة ولا مؤكدة، وربما لم تكن قد حدثت أصلًا، أو حدثت جزئيًا، أو تعطلت، أو تغير مسارها.
هذا الشك ليس ناتجًا عن سوء ظن مجاني، بل عن تجارب أخرى تجعل الحذر واجبًا. فقد عرف الفلسطينيون، في أكثر من حالة، كيف يمكن أن تضيع الوثيقة لا فقط بيد العدو، بل أيضًا في الفوضى، وسوء الإدارة، والتنقلات المرتجلة، وتعدد الجهات، وربما الفساد أو التواطؤ. أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني نفسه عرف مسارًا معقدًا بعد بيروت، وتعرض لسوء تخزين كبير في الجزائر، ما أدى إلى تلف جزء مهم منه. وهناك أيضًا مثال آخر أعرفه من تجربة إعلامية مختلفة: سيارة تلفزيون كانت قد اشتريت للبث باسم “تلفزيون فلسطين” من جنوب لبنان، لكن الحرب حالت دون استخدامها، فشُحنت إلى تونس، ثم رفض إدخالها هناك، فحُولت إلى مصر، وهناك أُدخلت باسم امرأة، واستُخدمت لاحقًا للقطاع الخاص في الإنتاج. وعندما طالبنا بها بعد العودة إلى الوطن، وأُرسلت إلينا، وجدناها سيارة فارغة من أي معدات داخلها. هذه الأمثلة لا تثبت ما حدث للأرشيف السينمائي، لكنها تجعل الشك مشروعًا في أن ما ضاع لم يضع كله بفعل الاحتلال وحده، بل ربما لعب الإهمال، أو الفوضى، أو المصالح، أو السماسرة، أو حتى بعض المسؤولين أدوارًا لا يجوز إخفاؤها.
ومن هنا، فإن الاحتمالات المتعلقة بمصير أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية تبقى مفتوحة. ربما صودر جزء منه بعد أن وصل الاحتلال إلى أماكن حفظه. وربما تلف جزء آخر. وربما نُقل بعضه إلى جهة ثالثة. وربما بيعت مواد أو سُرّبت أو أُخفيت. وربما توجد نسخ هنا وهناك في بلدان مختلفة، عند مختبرات تحميض، أو دور عرض، أو أرشيفات تضامن سينمائي، أو حتى عند أفراد لم يُكشف عنهم بعد. ما لا يجوز فعله اليوم هو إغلاق هذه الأسئلة بعبارة مطمئنة من نوع “ضاعت في الحرب”. الحرب تفسير، نعم، لكنها ليست التفسير الوحيد.
ومن هنا نفهم لماذا عاد ملف الأرشيف ليصبح أحد الأهداف الجوهرية عند إعادة تأسيس جماعة السينما الفلسطينية في الوطن عام 2004. هذه الجماعة لم تكن امتدادًا رمزيًا لتجربة سابقة، بل محاولة واعية لإحياء مشروع انقطع، ولإعادة بناء ذاكرة سينمائية فلسطينية تعرضت للنهب والتشتيت. وقد كنت، إلى جانب المخرج الراحل مصطفى أبو علي، من المبادرين إلى إعادة تأسيس هذه الجماعة في الداخل الفلسطيني، وكان من أولوياتها الواضحة: البحث عن الأرشيف السينمائي الفلسطيني، وجمع ما تبقى من الأفلام، والعمل على إنشاء أرشيف رقمي وسينماتيك فلسطيني يحفظ هذه الذاكرة ويعيدها إلى أصحابها.
لم يكن هذا الهدف نظريًا، بل جرى العمل عليه عمليًا، حيث تم التواصل مع جهات دولية، من بينها السفارة الفرنسية والاتحاد الأوروبي، في محاولة للحصول على دعم أو منحة تساعد في تحقيق هذا المشروع. وكان مصطفى أبو علي يتابع هذا الملف باهتمام كبير، انطلاقًا من معرفته العميقة بقيمة الأرشيف، وبما ضاع منه، وبما يمكن إنقاذه. وبعد رحيله، واصلت خديجة حباشنة العمل على هذا المسار، عبر جهود فردية ومؤسسية لجمع نسخ من الأفلام المبعثرة في العالم.
تكشف هذه المحاولة أمرين أساسيين لا يمكن تجاهلهما:
أولًا، أن الأرشيف السينمائي الفلسطيني، حتى ذلك الوقت، لم يكن قد عُثر عليه بوصفه كتلة متكاملة يمكن استعادتها أو استرجاعها؛
وثانيًا، أن الوعي بأهمية هذا الأرشيف لم يمت، بل بقي حيًا لدى من صنعوا التجربة الأصلية أو شاركوا فيها، واستمروا في البحث عنه، لا بوصفه مواد سينمائية فحسب، بل بوصفه ذاكرة شعب.
هنا لا بد من ذكر بعض الأسماء التي لا يمكن الحديث عن هذا الملف من دونها: المخرج الراحل مصطفى أبو علي، والراحل عبد الله حوراني، والراحل قيس الزبيدي، والراحل أحمد عبد الرحمن، والراحل إسماعيل شموط، إلى جانب خديجة حباشنة، وقاسم حول، وعدنان مدنات، وصبري جريس، وعمر الرشيدي، وكذلك المخرج اللبناني فؤاد زنتوت، الذي قال أحمد عبد الرحمن، في اللقاء الذي جرى بحضوري أمام الرئيس ياسر عرفات في تونس، إنه كلّفه بشحن أرشيف السينما الفلسطينية إلى تونس. كل واحد من هؤلاء يقف عند زاوية من زوايا هذه الحكاية: من صنع الصورة، ومن حفظها، ومن كتب عنها، ومن رأى اختفاءها، ومن حاول البحث عنها لاحقًا. وبعضهم ترك شهادات أو كتابات أو أفلامًا تساعد على إعادة تركيب المشهد. كان قيس الزبيدي، على سبيل المثال، أكثر من مخرج؛ كان باحثًا ومؤرخًا للسينما الفلسطينية أيضًا، وكتابه “فلسطين في السينما” محاولة كبرى لتوثيق مئات الأفلام المتعلقة بفلسطين. أما قاسم حول، فقد كتب تعليقًا مهمًا عقب نشر تقرير “هآرتس” عام 2017، أعاد فيه القضية إلى بعدها الأعمق: نهب الصورة ليس فعلًا تقنيًا أو عرضيًا، بل جزء من محاولة محو الهوية الفلسطينية نفسها.
أما رونا سيلع، وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يقال من موقع الاختلاف السياسي والتاريخي معها، فقد أدت دورًا مهمًا في كسر جدار الصمت حول هذه المواد داخل الأرشيف الإسرائيلي. وقد أوضحت أن الوصول إلى تلك الأفلام لم يكن سهلًا، وأن المؤسسة الإسرائيلية أنكرت وجودها في البداية، قبل أن تعترف لاحقًا بوجود جزء منها. كما بينت أن ما احتُجز داخل الأرشيف العسكري الإسرائيلي لا يقتصر على ما أنتجه الإسرائيليون أو صورته وحداتهم العسكرية، بل يشمل مواد فلسطينية خالصة جرى ختمها لعقود وإعادة تصنيفها بمصطلحات إسرائيلية، بحيث تحوّل “المقاتل” إلى “إرهابي”، وتحولت الوثيقة الفلسطينية إلى مادة مسلوبة من سياقها الأصلي ومحبوسة داخل سردية القوة التي نهبتها.
وهنا يكمن جوهر القضية: ليست المشكلة فقط أن إسرائيل سرقت أفلامًا وصورًا ووثائق فلسطينية، بل إنها سرقت أيضًا حق الفلسطينيين في تسمية هذه المواد، وفهمها، والوصول إليها، وبناء ذاكرتهم منها. الأرشيف ليس مخزنًا محايدًا. الأرشيف سلطة. وعندما يصبح أرشيف الفلسطيني محفوظًا في يد من احتل أرضه وهجّره ونهب بيته ومكاتبه، فإننا لا نكون أمام فعل حفظ، بل أمام امتداد آخر للاحتلال، احتلال الذاكرة نفسها.
من أجل ذلك، لا يكفي اليوم أن نقول إن هذه المواد يجب أن تُعاد، على أهمية ذلك وضرورته. المطلوب أيضًا أن يُفتح ملف فلسطيني داخلي، جاد وشجاع، لا يخاف من الأسئلة الصعبة. ما الذي نهبه الاحتلال على وجه الدقة؟ ما الذي نعرف أنه وصل إلى إسرائيل؟ ما الذي بقيت منه نسخ في أوروبا أو في مختبرات أو جهات أخرى؟ ما الذي ضاع بسبب الإهمال أو الفوضى أو سوء التخزين؟ ما الذي بيع أو هُرِّب أو أُخفي؟ من كان مسؤولًا؟ ومن عرف وسكت؟ ومن حاول فعلًا أن يحمي؟ ومن روى ما حدث؟ ومن لا يزال على قيد الحياة ويمكن أن يشهد؟
إن التعامل مع هذه القضية بوصفها مجرد “قصة عن أفلام قديمة” ظلم فادح لها. نحن أمام مسألة تمس صلب الهوية الفلسطينية الحديثة: كيف صوّر الفلسطيني نفسه؟ كيف حفظ ثورته ومخيمه وطفله ونساؤه وجرحاه وشهداءه وشتاته؟ ومن سرق هذه الصورة؟ ومن بدّدها؟ ومن ما زال يفتش عنها؟ لذلك فإن إعادة بناء هذه القصة ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من استعادة التاريخ الفلسطيني نفسه.
لقد نُهبت الأرض، نعم. لكن الأرض تُرى وتُقاس وتُستعاد بالنضال والسياسة والقانون. أما الصورة، فإذا نُهبت أو ضاعت أو أُعيدت تسميتها أو أُغلقت عليها مخازن العدو، فإن الخطر يصبح مضاعفًا، لأن ما يُنهب هنا ليس الشريط فقط، بل الشاهد أيضًا. ليس الفيلم فقط، بل العين التي رأت. ليس الكاميرا فقط، بل حق الشعب في أن يكون له ماضٍ بصري يمكن أن يسلمه إلى أبنائه.
لهذا كله، فإن قضية الأرشيف السينمائي الفلسطيني، وأرشيف الأونروا الذي وصل إلى بيروت ثم اختفى مع ما اختفى، لا يجوز أن تبقى مجرد مادة للحنين، ولا مجرد ملف ثقافي مؤجل، ولا مجرد سؤال يردده من بقي من الشهود. هذه قضية وطنية وقانونية وأخلاقية في آن واحد، لأن ما سُرق هنا ليس ممتلكات عابرة، بل ذاكرة شعب، وحقه في أن يحتفظ بصورته ووثيقته وكلمته وخريطته وتاريخه. وما نطالب به ليس منّة من أحد، ولا تسهيلًا أرشيفيًا، ولا حق مشاهدة تحت إشراف من سرق. ما نطالب به هو استرداد ما سُلب، وكشف ما أُخفي، ومحاسبة من نهب، وحفظ ما تبقى، وإعادة هذا الأرشيف إلى مكانه الطبيعي: ذاكرة الفلسطينيين أنفسهم.
ومن هنا، فإن الواجب لا ينبغي أن يتوقف عند الكتابة والتأبين والتذكّر، بل يجب أن يتحول إلى فعل سياسي وقانوني منظم. على دولة فلسطين، ومؤسساتها الثقافية والقانونية، ومعها كل من يؤمن بعدالة هذا الحق، أن تعمل على استرداد كل ما سرقه الاحتلال من وثائق وأفلام وصور وخرائط ومخطوطات وسجلات تخص الشعب الفلسطيني. كما يجب أن يُفتح هذا الملف أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لأن نهب أرشيفات الشعوب وممتلكاتها الثقافية في زمن الحرب لا يمكن فصله عن مفهوم جرائم الحرب والاعتداء على ذاكرة الشعوب وحقوقها التاريخية. وعلى الدول الراعية للمفاوضات، والدول التي تعترف بدولة فلسطين، والدول التي تقيم علاقات مع دولة الاحتلال، أن تتحمل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، وأن تمارس ضغطًا حقيقيًا من أجل استرداد هذا الأرشيف البصري والمكتوب إلى أصحابه الشرعيين.
لأن الشعب الذي تُسرق صوره، ثم يُطلب منه أن يروي تاريخه بلا صور، يُراد له أن يعيش منقطعًا عن مرآته. ولأن استرداد الأرض يبدأ بالتمسك بها، فإن استرداد الذاكرة يبدأ أيضًا بالتمسك بوثائقها، وبصورها، وبحق أصحابها فيها. وما سُرق من الفلسطينيين لا يجوز أن يبقى إلى الأبد في أدراج الغير، كأن اللصّ هو الوصي، وكأن الضحية لا تستحق أن ترى وجهها في تاريخها.
ويبقى السؤال، بعد كل هذا الخراب، بسيطًا وقاسيًا في آن:
كيف يمكن لشعب أن يدافع عن روايته، إذا كانت صوره نفسها ما تزال حتى اليوم حبيسة أدراج الغير، أو مجهولة المصير، أو موزعة بين النهب والإهمال والضياع؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/4/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى