عبد علي حسن - محنة “الاختلاف”

يعدّ (الإختلاف) ظاهرة طبيعية إيجابية تدلّ على تنوع الٱراء ، وتعدد وجهات النظر في الوسائل اوالفروع مع وحدة الغاية ، ويكون محمودا ( اختلاف تنوع) ، ولعل في محاولات فكر مابعد الحداثة في تقويض المرجعيات/ السرديات الكبرى التي كانت تدّعي امتلاك الحقيقة لوحدها وتمارس دوغماتية قاهرة في فرض ماتعتقده ، الأثر الواضح في شرعنة الإختلاف ، إذ أن الخلاف ( من المخالفة) غالبا ما يحمل مضامين النزاع والشقاق والتباين الحقيقي في الأصول والغايات ويكون مذموماً ، إلّا أن
الاختلاف لم يعد في زمننا المعاصر مجرد ظاهرة طبيعية ملازمة للتعدّد الإنساني، بل أصبح إشكالًا بنيويًا يطال مفهوم الحقيقة ذاته ، فبينما كان الاختلاف في سياقاته الفكرية الكلاسيكية يُعدّ علامة صحة وحيوية، أضحى اليوم -- في كثير من تمظهراته -- قرينًا للتشظّي المعرفي وانهيار المعايير المشتركة ، وفي قلب هذه المحنة تتردّد عبارة تبدو بريئة في ظاهرها: «لكلٍّ منا رأيه». عبارة تَشيع بوصفها تعبيرًا عن التسامح واحترام التعدّد، لكنها كثيرًا ما تُستعمل ذريعةً لإلغاء الفروق بين الرأي والحقيقة، وبين الاجتهاد الشخصي والمعرفة المؤسَّسة على منهج وبرهان ، فالرأي في أصله الفلسفي لا يتماهى مع الحقيقة، بل يقوم في منطقة الاحتمال ، وقد ميّز الفلاسفة منذ القدم بين الاعتقاد الظنّي والمعرفة البرهانية ، فالتمييز الذي نجده عند أفلاطون بين (الرأي) و (المعرفة) لم يكن ترفًا نظريًا، بل محاولةً لضبط المجال الذي يتحرّك فيه كلٌّ منهما ، فالرأي يرتبط بالإدراك الجزئي، وبما يبدو لنا، أما المعرفة فترتبط بما يمكن البرهنة عليه وتأسيسه عقليًا ، وحين يختلط المجالان، يتساوى ما هو قابل للفحص والنقد بما هو مجرّد انطباع أو ميل ذاتي ،
غير أنّ الحداثة، بما حملته من نقد للمطلقات وتفكيك للأنساق المغلقة، فتحت الباب واسعًا أمام إعادة النظر في مفهوم الحقيقة ذاته ، ومع التحوّلات التي جاءت بها تيارات ما بعد الحداثة، تعزّز الشكّ في السرديات الكبرى، وتنامى الإيمان بنسبية المعنى ، وقد لعبت أفكار مفكرين مثل ميشيل فوكو دورًا بارزًا في كشف العلاقة المعقّدة بين المعرفة والسلطة، مبيّنةً أنّ ما يُعدّ «حقيقة» ليس بريئًا من سياقاته التاريخية والمؤسسية ، غير أنّ هذا النقد، الذي كان في أصله تفكيكًا لادّعاء الاحتكار، تحوّل في التداول الشعبي إلى تبرير لرفض أيّ مرجعية معرفية، وكأنّ سقوط السلطة المعرفية يعني سقوط الحقيقة ذاتها.
هنا تبدأ محنة «الاختلاف» في صورتها الراهنة ، إذ يُعاد تعريف الاختلاف لا بوصفه تنوّعًا في زوايا النظر داخل إطار مشترك من المعايير، بل بوصفه استقلالًا مطلقًا عن أيّ معيار ، وبهذا المعنى يغدو الرأي سلطة ذاتية مغلقة، لا تُطالب بتبرير، ولا تقبل مساءلة , إنّ عبارة «هذا رأيي» تُستعمل أحيانًا كدرع يحول دون النقاش، وكأنّ مجرّد إعلان الرأي يمنحه حصانة من النقد ، والمشكلة هنا ليست في الاعتراف بتعدّد الآراء، بل في تسوية جميعها من حيث القيمة المعرفية ، فالرأي القائم على بحثٍ منهجي، واطلاعٍ على المصادر، وتحليلٍ للأدلة، لا يمكن مساواته برأيٍ قائم على الانطباع اللحظي أو الرغبة الشخصية ، إنّ المساواة الشكلية بين الآراء، بصرف النظر عن أدواتها، تؤدّي إلى نوع من الفوضى المعرفية ، حيث تتآكل الحدود بين العلم والاعتقاد، وبين الوقائع المثبتة والتخييلات المؤدلجة.
في هذا السياق، تتجلّى خطورة توسيع مجال «الرأي» ليشمل ما ليس من حقوله ، فحين يُقال إنّ نتائج العلم التجريبي مجرّد «آراء»، أو إنّ الوقائع التاريخية المثبتة قابلة للإنكار بذريعة اختلاف وجهات النظر، فإنّنا لا نمارس حرية التفكير، بل ننقض الأساس الذي تقوم عليه المعرفة المشتركة ، إنّ بدهيات العقل، وقوانين المنطق، والحقائق التي ثبتت بالتجربة المتكرّرة، ليست موضوعًا للرأي، بل شروطًا لإمكان الرأي ذاته. فالرأي لا يتكوّن إلا داخل أفق من المسلّمات التي تتيح التواصل والفهم ، غير أنّ الوجه الآخر للمسألة لا يقلّ أهمية ، فثمة مجالات يكون فيها الاختلاف مشروعًا وخصبًا، بل ضروريًا ، في القيم الجمالية، مثلًا، لا يمكن فرض معيار نهائي يُلزم الجميع ، إنّ تذوّق عملٍ أدبي أو فني يتأثر بالخلفية الثقافية والخبرة الشخصية والحساسية الفردية ، وكذلك في التأويل الأدبي، حيث تتعدّد القراءات تبعًا للأطر النظرية والمنهجية ، وقد أظهرت الهرمنيوطيقا الحديثة، منذ هانس-غيورغ غادامير، أنّ الفهم ليس عملية نقلٍ آلي لمعنى جاهز، بل اندماجٌ بين أفق النص وأفق القارئ ، هنا يصبح الاختلاف إثراءً للنص لا تهديدًا له، لأنّ المعنى يتجدّد عبر الحوار ، لكنّ الفرق الجوهري بين هذا النوع من الاختلاف والاختلاف المهدِّم للمعرفة، هو وجود أفق مشترك من القواعد ، فالتأويل، مهما تعدّد، يظلّ محكومًا بحدود اللغة، وسياق النص، ومقتضيات المنهج ، أما حين يُرفع أيّ قيد، ويُختزل الأمر في «لي أن أرى ما أشاء»، فإنّنا نغادر مجال التأويل إلى مجال الاعتباط ،
إنّ محنة الاختلاف في زمن الشبكات الرقمية تتضاعف بفعل سرعة التداول وغياب آليات التحقق ، فالرأي ينتشر قبل أن يُختبر، ويُعاد إنتاجه في فضاءات مغلقة تعزّز القناعات المسبقة ، وهكذا يتشكّل ما يشبه «فقاعات معرفية» يعيش فيها الأفراد داخل آراء متشابهة، تُعيد تأكيد ذاتها، وتقصي المختلف لا بالحجاج، بل بالتجاهل أو السخرية ، في مثل هذا المناخ، يفقد الحوار معناه، لأنّ كل طرف يمتلك «حقيقته» الخاصة التي لا تقبل الاشتراك ،
ومع ذلك، فإنّ الدعوة إلى ضبط مجال الرأي لا تعني العودة إلى سلطة أحادية تُقصي التعدّد ،فالمطلوب ليس قمع الاختلاف، بل إعادة تأسيسه على قاعدة التمييز بين ما هو قابل للاجتهاد وما هو ثابت بالبرهان ، إنّ الاعتراف بوجود حقائق موضوعية لا يُلغي إمكان تأويلها أو إعادة فهمها، لكنه يمنع تحويلها إلى مادة للمساومة الاعتباطية.
من هنا يمكن القول إنّ الرأي يكون إضافة معرفية حين يقدّم حجّة قابلة للفحص، ويستند إلى منهج واضح، ويقبل بإمكان الخطأ والتصحيح. أما حين يُغلق على ذاته، ويرفض أيّ معيار خارجي، فإنه يتحوّل إلى شكل من أشكال العنف الرمزي ، لأنه يقطع الطريق على إمكان التفاهم ، فالاختلاف الحقيقي يفترض الاعتراف بالآخر شريكًا في البحث عن الحقيقة، لا خصمًا يجب تحييده بشعار «هذا رأيي».
إنّ التحدّي المعاصر يتمثّل في إيجاد توازن دقيق بين احترام التعدّد والحفاظ على المعايير ، فلا يجوز أن يتحوّل الدفاع عن الحرية إلى ذريعة لنسف المعرفة، كما لا ينبغي أن تتحوّل حماية الحقيقة إلى قمع للاجتهاد ، إنّ إعادة الاعتبار لمفهوم الحُجّة، ولأخلاقيات النقاش، وللتمييز بين المجالين المعرفي والقيمي، هي خطوات ضرورية للخروج من هذه المحنة.
فالاختلاف في جوهره ليس نقيض الحقيقة، بل أحد شروط انكشافها، غير أنّه يصبح محنة حين يُفصل عن مسؤولية التبرير، وحين يُستعمل لإلغاء الأرضية المشتركة التي تجعل الحوار ممكنًا ، ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ الإفراط في نسبية الآراء يقود في النهاية إلى نوع من اللامبالاة المعرفية ، حيث يتساوى الصدق والكذب، والعلم والوهم، ويغدو النقاش مجرّد تبادل لمواقف لا يطمح أيٌّ منها إلى الإقناع.
إنّ استعادة المعنى الإيجابي للاختلاف تقتضي إعادة تعريف الرأي ذاته ، ليس بوصفه ملكية خاصة معصومة، بل بوصفه اقتراحًا مؤقتًا في فضاء مشترك، يُختبر بالحوار، ويتقوّى بالنقد، ويظلّ مفتوحًا على المراجعة. وبهذا فقط يمكن للعبارة «لكلٍّ منا رأيه» أن تستعيد مشروعيتها، لا كإعلان انسحاب من النقاش، بل كدعوة إلى تعميقه؛ إذ يصبح لكلٍّ منا رأيه، ولكن ليس لكلّ رأي القيمة ذاتها ما لم يُسنده دليل، ويحتمله عقل، ويحتكم إلى معيار.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى