إذا أردت أن تستمتع بجماليات البناء السردي فعليك أن تطالع عوالم السرد، والتعرف على المكونات المختلفة للنظريات وهي تتكاتف معًا في اللوحات البديعة لفارس السرد العربي .
يسلك الفارس طرقًا جديدة؛ لإحياء الكلمات العربية؛ وإضفاء الحيوية على صور جديدة من إبداعه ، لوحات ليست مكرورة أو معتادة في العمل القصصي، بل هي من وحى إبداع وتخييل فريد يصنعه الماتع الفريد، ويحاكي به واقع لعالم الحقيقة، ويتحول معك إلى مجتمع مألوف يعشق القاريء دخوله والحياة فيه؛ ليصنع معجمًا لغويًا خاصًا ، وعوالم غير مألوفة في عالم القصص، لوحات خالدة خاصة بصاحبها؛ لتصنع علامة فارقة على طريق السرد العربي .
إن التركيز على الشكل يضر بكل من الناقد والقاص ، ومن الأفضل التحرر من الأشكال التقليدية والتخيلية، بل من الأفضل التحرر من القصص التقليدي ، وإن تنوعت التقنيات ، وهذا ناتج عن تنوع التجربة نفسها، فيعتبر القصص سجلًا حافلا للمشكلات التي تواجه الأفراد في بنية اجتماعية مستقرة، أو للمشكلات التي يواجهها الأفراد حين يتعرضون لظروف اجتماعية مختلفة ، كما يخبرنا القصص عن الأحوال النفسية والإنسانية ، كما يسجل المناورات والسلوكات الاجتماعية التي يمارسها الأفراد؛ ليحققوا أهواءهم وأغراضهم أو يخفوا نزعات أنفسهم.
جاء بالله
العنوان يأسرك منذ اللحظة الأولى، ويضعك في حيرة من أمرك، هل أنت أمام جملة فعلية ؟ ! وماذا تعني لدى القاص؟ ! يدفعك الفضول المعرفي أن تفك رموز المسألة، تتابع القراءة، لتجد نفسك في خضم التيار، تجرفك أمواج القصص لتسبح في نهر من عسل القصص ينبع من سطور المارد العملاق، عسل الكلمات وشهد اللوحات الفنية من صنع الأديب، كلما فتشت عن الأسرار زادت حيرتك.
هذه المرة يفجأنا فارس السرد العربي بالتبئير الداخلي ممتزجًا بالواقع، البطل يتحدث عن واقع عاصره وخالطه، ومنذ اللحظة الأولى يجعلنا نتعلق معه بالقصة ( طبعًا أنتم تعرفون حكايته ....)، وهذا يجعل من لايعرف يتطلع إلى المعرفة ؛ حتى لايترك نفسه فريسة للجهل، فيندفع القارئ دفعًا من داخله وبإرادته نحو مواصلة القراءة...ثم يبعث برسالة شديدة اللهجة ونقد لازع للثرثرة في الإعلام دون فائدة ( يطعمون الجوعى بكلامهم المعسول )، وكأنه يحذرهم من تكرار الأمر وينبه الناس لخطورة الأمر.
ينتقل الأديب إلى قضية أخرى، ألا وهى دور القصص و الشائعات في تشكيل فكر وثقافة العامة خاصة في الريف المصري ، وأجاد الفارس صنعًا بأن استخدم هذا التكنيك في تشكيل أبعاد شخصية البطل والنظر إليها من زوايا مختلفة ، فالحكاية صارت أعمق لأن الشخصية ظهرت أعمق من عدة زوايا ، الأولى : نظرة القاص نفسه ( أنا بدوري سمعت به ) ، والثانية : ( نظرة المجاذيب ) والثالثة: ( الدراويش ) والرابعة ( حديث الأب ) والخامسة ( دور النساء والأطفال ) .
لكن الأعجب أن لكل قصة أبعادًا مختلفة وظلالًا عميقة ، واستخدام الرمز والتكثيف في كل لوحة جعل من كل لوحة عالمًا قائمًا بذاته ، وتتلاقى الصور جميعها لتشكل اللوحة الكلية .
( إنه برجل واحدة ,عين واحدة ) وكأنه يحدثك عن المسيح الدجال ، ثم أنظر إلى تعارض هذا المشهد مع ( يمرح في الكفر ، ويجري ويلعب مع الصغار ) وكأنك تطالع صورة لصاحب معجزات يجري رغم أن له رجل واحدة ، أليس هذا عجيبًا لكن هذا العجب يزول إذا علمت أنها حكايات نسجت حوله ولا يستطيع القاص الجزم بصدقها.
السمكة الذهبية وهى ترمز في تفسير الأحلام للرزق الوفير الذي يصب على أهل الكفر مثل النهر .
ومما يدهشك وصفه ( بجمل السنباطي ) وهو خيال يشبه ( طلعها كأنه رؤوس شياطين ) فكما لم ير أحدنا رأس الشيطان، فينطلق الخيال؛ ليصور لصاحبه أبشع الصور ، كذلك لم ير أحدنا جمل السنباطي ولنا أن نطلق العنان للخيال وكل منا يتخيل ما يشاء حول شكل هذا الجمل .
أما صورته عند الأطفال فهى صورة مخيفة مفزعة لكن اللوحة ترمز للشقاء الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الكفر .
( البيت الأبيض ) تهب القصة رموزا وإسقاطا آخر ، ينحو بنا نحو تملك من نوع آخر ، نبع من تقديس أهل الكفر له وتطلعهم ، وهنا يأتي البعد المعبر عن نوازع النفس البشرية وأطماعها وقد سلك الرائد في ذلك مسلكا متنوعًا فجعل الأطماع متضاربة ومتشابة ، فأهل القرية الذين يطمعون في عطاياه وبركاته وهؤلاء يعبرون عن شريحة اجتماعية ( شريحة العامة )، تختلف كليًا عن أكابر الكفر الذين يتصفون بالانتهازية والاستغلال وهى أطماع من صورة أخرى تتمثل في استغلال جاء بالله واستدراجه لمنصب العمدة ليثبوا من خلفه ( طبقة اجتماعية تمثل الملاك والأثرياء) ، في الوقت ذاته تنبثق أطماعه الشخصية لتقابل أطماعهم ، وتمتزج الأطماع في لوحة فنية واحدة تمثل دون شك صراعات إنسانية من نوع جديد .
إسقاط من نوع آخر يثري الأحداث ( عار أن تكون بلدة بلا عمدة ) ولكن العمدة هنا لا يقيم العدل لكنه يعود بنا إلى عصور الريف المصري، وكأنه ينقل لنا صورة العمدة الذي اعتاد عليها الناس ولطالما جسدها القصص والتراث؛ ولذا أشار لقصص الطيب صالح في إشارة لتعميق المعنى .
ثم ينتقل ليربط القصة بالنهر الذي كان منبع الخيرعلى أهل القرية وقد جف بفضل حكمة جاء بالله وهنا يسخر من بعض عادات التبرك والتمسح التي جلبت الخراب على الكفور والقرى .
قد نجد أنفسنا أمام سرد قصصي تخييلي تحول إلى واقع من صنع المبدع ، ويعضد من قدرته على صنع عوالمه الخاصة الفهم المشترك للعادات والتقاليد بينه وبين القاريء الذي ألف مثل هذه التقاليد ، لكنه يحاكي هذه التقاليد بشكل ساخر منتقد، ويحاول تقويم سلوكات المجتمع وإعادة تشكيل الوعى ، فإذا أدركنا المقصود فإننا نتعرف على أهمية الخروج على المعايير، إن أهمية انتهاك التوقعات التقليدية في التجربة الأدبية تعادل أهمية إطاعتها ، وهذا يبرز أهمية علاقة الأدب بالحياة .
حفظ الله فارس السرد العربي وسدد خطاه .
يسلك الفارس طرقًا جديدة؛ لإحياء الكلمات العربية؛ وإضفاء الحيوية على صور جديدة من إبداعه ، لوحات ليست مكرورة أو معتادة في العمل القصصي، بل هي من وحى إبداع وتخييل فريد يصنعه الماتع الفريد، ويحاكي به واقع لعالم الحقيقة، ويتحول معك إلى مجتمع مألوف يعشق القاريء دخوله والحياة فيه؛ ليصنع معجمًا لغويًا خاصًا ، وعوالم غير مألوفة في عالم القصص، لوحات خالدة خاصة بصاحبها؛ لتصنع علامة فارقة على طريق السرد العربي .
إن التركيز على الشكل يضر بكل من الناقد والقاص ، ومن الأفضل التحرر من الأشكال التقليدية والتخيلية، بل من الأفضل التحرر من القصص التقليدي ، وإن تنوعت التقنيات ، وهذا ناتج عن تنوع التجربة نفسها، فيعتبر القصص سجلًا حافلا للمشكلات التي تواجه الأفراد في بنية اجتماعية مستقرة، أو للمشكلات التي يواجهها الأفراد حين يتعرضون لظروف اجتماعية مختلفة ، كما يخبرنا القصص عن الأحوال النفسية والإنسانية ، كما يسجل المناورات والسلوكات الاجتماعية التي يمارسها الأفراد؛ ليحققوا أهواءهم وأغراضهم أو يخفوا نزعات أنفسهم.
جاء بالله
العنوان يأسرك منذ اللحظة الأولى، ويضعك في حيرة من أمرك، هل أنت أمام جملة فعلية ؟ ! وماذا تعني لدى القاص؟ ! يدفعك الفضول المعرفي أن تفك رموز المسألة، تتابع القراءة، لتجد نفسك في خضم التيار، تجرفك أمواج القصص لتسبح في نهر من عسل القصص ينبع من سطور المارد العملاق، عسل الكلمات وشهد اللوحات الفنية من صنع الأديب، كلما فتشت عن الأسرار زادت حيرتك.
هذه المرة يفجأنا فارس السرد العربي بالتبئير الداخلي ممتزجًا بالواقع، البطل يتحدث عن واقع عاصره وخالطه، ومنذ اللحظة الأولى يجعلنا نتعلق معه بالقصة ( طبعًا أنتم تعرفون حكايته ....)، وهذا يجعل من لايعرف يتطلع إلى المعرفة ؛ حتى لايترك نفسه فريسة للجهل، فيندفع القارئ دفعًا من داخله وبإرادته نحو مواصلة القراءة...ثم يبعث برسالة شديدة اللهجة ونقد لازع للثرثرة في الإعلام دون فائدة ( يطعمون الجوعى بكلامهم المعسول )، وكأنه يحذرهم من تكرار الأمر وينبه الناس لخطورة الأمر.
ينتقل الأديب إلى قضية أخرى، ألا وهى دور القصص و الشائعات في تشكيل فكر وثقافة العامة خاصة في الريف المصري ، وأجاد الفارس صنعًا بأن استخدم هذا التكنيك في تشكيل أبعاد شخصية البطل والنظر إليها من زوايا مختلفة ، فالحكاية صارت أعمق لأن الشخصية ظهرت أعمق من عدة زوايا ، الأولى : نظرة القاص نفسه ( أنا بدوري سمعت به ) ، والثانية : ( نظرة المجاذيب ) والثالثة: ( الدراويش ) والرابعة ( حديث الأب ) والخامسة ( دور النساء والأطفال ) .
لكن الأعجب أن لكل قصة أبعادًا مختلفة وظلالًا عميقة ، واستخدام الرمز والتكثيف في كل لوحة جعل من كل لوحة عالمًا قائمًا بذاته ، وتتلاقى الصور جميعها لتشكل اللوحة الكلية .
( إنه برجل واحدة ,عين واحدة ) وكأنه يحدثك عن المسيح الدجال ، ثم أنظر إلى تعارض هذا المشهد مع ( يمرح في الكفر ، ويجري ويلعب مع الصغار ) وكأنك تطالع صورة لصاحب معجزات يجري رغم أن له رجل واحدة ، أليس هذا عجيبًا لكن هذا العجب يزول إذا علمت أنها حكايات نسجت حوله ولا يستطيع القاص الجزم بصدقها.
السمكة الذهبية وهى ترمز في تفسير الأحلام للرزق الوفير الذي يصب على أهل الكفر مثل النهر .
ومما يدهشك وصفه ( بجمل السنباطي ) وهو خيال يشبه ( طلعها كأنه رؤوس شياطين ) فكما لم ير أحدنا رأس الشيطان، فينطلق الخيال؛ ليصور لصاحبه أبشع الصور ، كذلك لم ير أحدنا جمل السنباطي ولنا أن نطلق العنان للخيال وكل منا يتخيل ما يشاء حول شكل هذا الجمل .
أما صورته عند الأطفال فهى صورة مخيفة مفزعة لكن اللوحة ترمز للشقاء الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الكفر .
( البيت الأبيض ) تهب القصة رموزا وإسقاطا آخر ، ينحو بنا نحو تملك من نوع آخر ، نبع من تقديس أهل الكفر له وتطلعهم ، وهنا يأتي البعد المعبر عن نوازع النفس البشرية وأطماعها وقد سلك الرائد في ذلك مسلكا متنوعًا فجعل الأطماع متضاربة ومتشابة ، فأهل القرية الذين يطمعون في عطاياه وبركاته وهؤلاء يعبرون عن شريحة اجتماعية ( شريحة العامة )، تختلف كليًا عن أكابر الكفر الذين يتصفون بالانتهازية والاستغلال وهى أطماع من صورة أخرى تتمثل في استغلال جاء بالله واستدراجه لمنصب العمدة ليثبوا من خلفه ( طبقة اجتماعية تمثل الملاك والأثرياء) ، في الوقت ذاته تنبثق أطماعه الشخصية لتقابل أطماعهم ، وتمتزج الأطماع في لوحة فنية واحدة تمثل دون شك صراعات إنسانية من نوع جديد .
إسقاط من نوع آخر يثري الأحداث ( عار أن تكون بلدة بلا عمدة ) ولكن العمدة هنا لا يقيم العدل لكنه يعود بنا إلى عصور الريف المصري، وكأنه ينقل لنا صورة العمدة الذي اعتاد عليها الناس ولطالما جسدها القصص والتراث؛ ولذا أشار لقصص الطيب صالح في إشارة لتعميق المعنى .
ثم ينتقل ليربط القصة بالنهر الذي كان منبع الخيرعلى أهل القرية وقد جف بفضل حكمة جاء بالله وهنا يسخر من بعض عادات التبرك والتمسح التي جلبت الخراب على الكفور والقرى .
قد نجد أنفسنا أمام سرد قصصي تخييلي تحول إلى واقع من صنع المبدع ، ويعضد من قدرته على صنع عوالمه الخاصة الفهم المشترك للعادات والتقاليد بينه وبين القاريء الذي ألف مثل هذه التقاليد ، لكنه يحاكي هذه التقاليد بشكل ساخر منتقد، ويحاول تقويم سلوكات المجتمع وإعادة تشكيل الوعى ، فإذا أدركنا المقصود فإننا نتعرف على أهمية الخروج على المعايير، إن أهمية انتهاك التوقعات التقليدية في التجربة الأدبية تعادل أهمية إطاعتها ، وهذا يبرز أهمية علاقة الأدب بالحياة .
حفظ الله فارس السرد العربي وسدد خطاه .