حميدشات محمد شاعر يحلم بأن يكتب قصيدة كاملة مكتملة تعبر عن رؤيته وعن عُلوِّ كعبه في النظم وعن قدرته اللغوية على تكسير المألوف وعن بناء الصورة الشعرية الأجمل والأكثر تأثيرا على المتلقى وفي سعيه لتحقيق ذلك ظل يكتب الشعر لأكثر من خمسين سنة. وكلما أنهى قصيدة شعر بأنها في حاجة إلى قصيدة أخرى إلى أن بلغ أكثر من مئتي قصيدة موزعة على عشر ضميمات شعرية فتحول حميدشات إلى تلك القصيدة التي لم تكتمل.. وعندما قرأت بتأن ديوانه الأخير :" للصمت أن يغتال الكلام" تأكدت أن حميدشات شاعر لن يجف حبره قبل أن تجف روحه، وأنه أندر حياته لقول الشعر وأن بداخله غُصّة تحويل الشعر إلى وسيلة للمرافعة وحجة للإدانة وصرخة في وجه الظلم. وعلى هذا الإيقاع استوحيت من قصائده هذا النص وهو عبارة عن مونولج يخاطب روح الشاعر ووضعت له عنوان:
وشمُ الضوءِ على كتفِ الغياب
يا روحي…
أما زلتِ هناك، عند حافةِ الغياب،
حين كتبنا—قبل رحيل الشمس—اسمها
بحبرٍ يشبه الخيانة؟
أما زلتِ تذكرين
كيف قدّمناها عاريةً
لعرينِ اللئام؟
قولي لي…
كيف استطعتُ أن أبني من خوفها سدًّا،
وأن أُشعل في عظامي هذا الحريق؟
كيف ناديتُ الموتَ
كي يُشهر سيفه،
كأنّ الرحيلَ صارَ عادةً،
وكأنّ الأحبةَ خُلقوا
ليغيبوا؟
يا روحي،
هذه تراتيلكِ
لم تعد همسًا…
إنها تنزفُ ضوءًا،
ترسم من دمِ الشهيد
علامةً لا تُمحى.
أخبريني…
أما ترين التواريخَ
قادمةً إلينا،
منكسرةَ الجبين؟
تشكو قبحنا،
تدلُّ علينا،
ونحنُ ممددون
على رصيفِ حضارةٍ
لا تعترف بنا؟
أنا—يا روحي—
أمشي ببطء،
كأنّ خطايَ
تحملُ أثقالَ العالم،
أسقي الفجرَ المهاجر
من شوقي،
من احتراقي،
ثم أرحل…
ولا شيء معي
سوى غبار المسافات.
لو كان لي اتساعُ هذا المدى،
أكنتُ أستطيعُ
أن أرمّمكِ؟
أن أهبَ ظلّي للريح
كي تُعيد ترتيب حزنكِ؟
أن أجعلَ المساءَ
ينحني لطفلةٍ جائعة،
ولشيخٍ يئنّ
تحت وطأةِ الجراح؟
يا روحي،
هي لا تزال تطلّ
من الطرف الآخر للجرح،
كأنها وعدٌ لا يُمسك،
كأنها نداءٌ
يُعيدني كل مرة
إلى حافة السقوط…
ونحن—أتعلمين؟—
نحطُّ عند ظلال الرغبة،
ننتظرُ همسَ الريح
قبل الفجر،
لعلّه يحملُ
بريدَ الوصال…
لكن قولي لي:
أيُّ تاريخٍ هذا
الذي يسكننا؟
وشمٌ غائر،
وخمرةُ أنثى
تُكتب على ضوء
شمعةٍ مطفأة؟
أما فهموا بعد—يا روحي—
أن الإبادةَ
لا تقتلُ في الرضيع
عناده؟
أن الأرضَ هنا
تلدُ نفسها
كل مرة؟
أنا الآن
أحمل المدينةَ في اسمي،
وأحملُكِ في وحدتي،
ولا شيء يرافقني
إلا نجمةٌ
تسهرُ في جفني،
تنسج للفراش ظلًا
قبل أن يعود الليل.
قولي لي—بصدق—
من علّمني
أنها بداية الورد
ونهايات الحكايات؟
أن همسها
يُسقطُ من شفتيها
طعمَ الجمال؟
ماذا أقول عني؟
أنا التهمةُ ذاتها:
فلسطيني…
وجوازُ سفري
كوفيةٌ على كتفي،
وأحلامي
طفلٌ
لم يولد بعد.
يا روحي،
متى تزهرُ فينا الروابي؟
متى تورقُ أغصان النخيل؟
متى تعود الفراشات
لتخبرنا
أن الجدّ لم يمت
وأن الوصايا
لا تُدفن؟
أنا متعب…
الوطنُ فيَّ مُرحَّل،
وصوتي
يرتدّ إليّ كصدى بعيد،
أملأ الصبح بالشروق،
لكن الزوايا
كلها
تنبت غضبًا.
أراكِ—يا روحي—
تتسلّقين صمت الشجر،
تحملين غربتكِ
كقدر،
وتجعلين الدموع
شهبًا
تحاول اغتيال الفجر…
فكيف لي
أن أُطهّركِ مني؟
كيف أُنقذكِ
من وجعين:
واحدٌ يسكن كتفيّ،
وآخر
ينمو بصمت
على خدّي؟
قولي لي…
أين تنتهي الصرخات؟
وأين تبدأ الكلمات؟
حين تلعن الأشجار ظلّها،
ويصير العمر
ظلًّا بلا جسد؟
أنا أمشي—يا روحي—
أتحسسُ صوت الطبول،
أرى النوارس
تفتح أبواب العودة،
لكن الريح…
تخفي عني الحقيقة:
أن الرحيل عنها
لن يطول…
مدينة بن جرير في حفل توقيع الديوان المنظم من طرف جمعية سماء الخير.
25/04/2026
وشمُ الضوءِ على كتفِ الغياب
يا روحي…
أما زلتِ هناك، عند حافةِ الغياب،
حين كتبنا—قبل رحيل الشمس—اسمها
بحبرٍ يشبه الخيانة؟
أما زلتِ تذكرين
كيف قدّمناها عاريةً
لعرينِ اللئام؟
قولي لي…
كيف استطعتُ أن أبني من خوفها سدًّا،
وأن أُشعل في عظامي هذا الحريق؟
كيف ناديتُ الموتَ
كي يُشهر سيفه،
كأنّ الرحيلَ صارَ عادةً،
وكأنّ الأحبةَ خُلقوا
ليغيبوا؟
يا روحي،
هذه تراتيلكِ
لم تعد همسًا…
إنها تنزفُ ضوءًا،
ترسم من دمِ الشهيد
علامةً لا تُمحى.
أخبريني…
أما ترين التواريخَ
قادمةً إلينا،
منكسرةَ الجبين؟
تشكو قبحنا،
تدلُّ علينا،
ونحنُ ممددون
على رصيفِ حضارةٍ
لا تعترف بنا؟
أنا—يا روحي—
أمشي ببطء،
كأنّ خطايَ
تحملُ أثقالَ العالم،
أسقي الفجرَ المهاجر
من شوقي،
من احتراقي،
ثم أرحل…
ولا شيء معي
سوى غبار المسافات.
لو كان لي اتساعُ هذا المدى،
أكنتُ أستطيعُ
أن أرمّمكِ؟
أن أهبَ ظلّي للريح
كي تُعيد ترتيب حزنكِ؟
أن أجعلَ المساءَ
ينحني لطفلةٍ جائعة،
ولشيخٍ يئنّ
تحت وطأةِ الجراح؟
يا روحي،
هي لا تزال تطلّ
من الطرف الآخر للجرح،
كأنها وعدٌ لا يُمسك،
كأنها نداءٌ
يُعيدني كل مرة
إلى حافة السقوط…
ونحن—أتعلمين؟—
نحطُّ عند ظلال الرغبة،
ننتظرُ همسَ الريح
قبل الفجر،
لعلّه يحملُ
بريدَ الوصال…
لكن قولي لي:
أيُّ تاريخٍ هذا
الذي يسكننا؟
وشمٌ غائر،
وخمرةُ أنثى
تُكتب على ضوء
شمعةٍ مطفأة؟
أما فهموا بعد—يا روحي—
أن الإبادةَ
لا تقتلُ في الرضيع
عناده؟
أن الأرضَ هنا
تلدُ نفسها
كل مرة؟
أنا الآن
أحمل المدينةَ في اسمي،
وأحملُكِ في وحدتي،
ولا شيء يرافقني
إلا نجمةٌ
تسهرُ في جفني،
تنسج للفراش ظلًا
قبل أن يعود الليل.
قولي لي—بصدق—
من علّمني
أنها بداية الورد
ونهايات الحكايات؟
أن همسها
يُسقطُ من شفتيها
طعمَ الجمال؟
ماذا أقول عني؟
أنا التهمةُ ذاتها:
فلسطيني…
وجوازُ سفري
كوفيةٌ على كتفي،
وأحلامي
طفلٌ
لم يولد بعد.
يا روحي،
متى تزهرُ فينا الروابي؟
متى تورقُ أغصان النخيل؟
متى تعود الفراشات
لتخبرنا
أن الجدّ لم يمت
وأن الوصايا
لا تُدفن؟
أنا متعب…
الوطنُ فيَّ مُرحَّل،
وصوتي
يرتدّ إليّ كصدى بعيد،
أملأ الصبح بالشروق،
لكن الزوايا
كلها
تنبت غضبًا.
أراكِ—يا روحي—
تتسلّقين صمت الشجر،
تحملين غربتكِ
كقدر،
وتجعلين الدموع
شهبًا
تحاول اغتيال الفجر…
فكيف لي
أن أُطهّركِ مني؟
كيف أُنقذكِ
من وجعين:
واحدٌ يسكن كتفيّ،
وآخر
ينمو بصمت
على خدّي؟
قولي لي…
أين تنتهي الصرخات؟
وأين تبدأ الكلمات؟
حين تلعن الأشجار ظلّها،
ويصير العمر
ظلًّا بلا جسد؟
أنا أمشي—يا روحي—
أتحسسُ صوت الطبول،
أرى النوارس
تفتح أبواب العودة،
لكن الريح…
تخفي عني الحقيقة:
أن الرحيل عنها
لن يطول…
مدينة بن جرير في حفل توقيع الديوان المنظم من طرف جمعية سماء الخير.
25/04/2026