بين الممكن سياسياً والممكن قانونياً والمستحيل إجرائياً

بين الممكن سياسياً والممكن قانونياً والمستحيل إجرائياً

قراءة قانونية في الضغوط على المسار القضائي الفلسطيني والدولي

بقلم المحامي علي أبو حبلة

في القضايا الوطنية الكبرى، كثيراً ما تتقاطع السياسة مع القانون، وتختلط حدود الممكن الدبلوماسي بحدود الاختصاص القضائي، فتُطرح صفقات ومقايضات تُسوَّق أحياناً على أنها حلول واقعية، بينما تكون في حقيقتها مجرد محاولات لتأجيل الاستحقاقات القانونية أو الالتفاف عليها. وفي الحالة الفلسطينية، يتكرر الحديث عن ضغوط تمارس لربط الإفراج عن أموال المقاصة الفلسطينية، أو تقديم تسهيلات سياسية وإدارية، مقابل تخفيف أو تعطيل المسارات القضائية الدولية المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

هذا الجدل يفرض قراءة قانونية مهنية وهادئة، تميز بين ما يمكن فعله سياسياً، وما يمكن فعله قانونياً، وما لا يمكن فعله إطلاقاً من الناحية الإجرائية.

أولاً: ما يمكن فعله سياسياً

لا خلاف أن السياسة مجال للمساومات والتفاهمات والضغوط المتبادلة. ومن هذا المنطلق، تستطيع الأطراف المختلفة التأثير في المناخ العام للملفات القانونية من خلال أدوات متعددة، منها تخفيف الزخم الدبلوماسي، أو تقليص حملات الحشد الدولي، أو خفض مستوى المتابعة الإعلامية والسياسية، أو استخدام أدوات اقتصادية مثل ربط تحويل أموال المقاصة بمواقف سياسية معينة.

كما يمكن لبعض الأطراف أن تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية، فتقدم الاستقرار المالي والإداري على المواجهة القانونية، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الأراضي الفلسطينية.

غير أن هذه الأدوات، مهما بلغت فعاليتها السياسية، تبقى أدوات تأثير غير قادرة بذاتها على إلغاء المسارات القضائية الدولية أو إنهاء المسؤولية القانونية الناشئة عن الانتهاكات الجسيمة.

ثانياً: ما يمكن فعله قانونياً

القانون الدولي يمنح مساحات محددة للحركة، لكنه لا يفتح الباب أمام قرارات اعتباطية أو تفاهمات تتجاوز اختصاص المحاكم.

فيمكن للأطراف المعنية تقديم مذكرات قانونية جديدة، أو الدفع بعدم الاختصاص، أو إثارة مسائل المقبولية، أو طلب تأجيلات إجرائية ضمن القواعد المعمول بها. كما يمكن للدول أن تتدخل دعماً لطرف أو تفسيراً لاتفاقية دولية، وفق ما تجيزه أنظمة المحاكم الدولية.

لكن كل هذه الأدوات تبقى محكومة بقواعد إجرائية صارمة، وبسلطة المحكمة وحدها في قبولها أو رفضها.

ثالثاً: ما لا يمكن فعله إطلاقاً

هنا يكمن جوهر الخلط الذي يسود بعض النقاشات السياسية والإعلامية.

فالقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية ليست قضية فلسطينية من حيث الصفة الإجرائية، بل دعوى أقامتها دولة ذات سيادة استناداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وبالتالي، فإن أي جهة فلسطينية، رسمية كانت أو غير رسمية، لا تملك قانوناً سحب الدعوى أو إنهاءها، لأنها ليست المدعي الأصلي فيها.

كذلك، فإن التحقيقات الجارية أمام المحكمة الجنائية الدولية لا تُغلق بقرار سياسي منفرد، لأن سلطة القرار فيها تعود للمدعي العام والقضاة وفق نظام روما الأساسي، لا لرغبات الحكومات أو تبدل مواقفها.

أما الحقوق المالية الفلسطينية، وفي مقدمتها أموال المقاصة، فهي أموال مستحقة من حيث الأصل، وليست منحة سياسية يجوز اشتراطها بالتنازل عن حقوق قانونية أو وطنية.

رابعاً: ماذا تقول التجارب السابقة؟

تجربة تقرير غولدستون بعد حرب غزة عام 2008–2009 تقدم مثالاً واضحاً على الفارق بين الضغط السياسي والأثر القانوني. فقد تعرض التقرير لحملة سياسية وإعلامية واسعة، وأثير جدل كبير حول بعض نتائجه، إلا أن ذلك لم يمحُ التقرير من السجل الدولي، ولم يلغِ ما وثقه من وقائع أو ما شكله من مرجعية حقوقية لاحقة.

الأمر ذاته ينطبق على الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2004 بشأن الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أكدت المحكمة عدم مشروعية بناء الجدار داخل الأراضي المحتلة ووجوب إزالة آثاره. ورغم عدم تنفيذ القرار عملياً حتى اليوم، فإنه بقي وثيقة قانونية مرجعية استندت إليها مؤسسات دولية ودول عديدة في مواقفها اللاحقة.

وهذا يثبت أن العدالة الدولية قد تتأخر، وقد تُعاق سياسياً، لكنها لا تُمحى بسهولة.

خامساً: الخلاصة

إن أي قراءة مهنية ومحايدة لهذا الملف يجب أن تنطلق من التمييز بين ثلاثة مستويات واضحة:

ما يمكن فعله سياسياً هو الضغط والتفاوض وإعادة ترتيب الأولويات واستخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية.

وما يمكن فعله قانونياً هو تقديم الدفوع والمذكرات وطلب الإجراءات ضمن قواعد المحاكم الدولية.

أما ما لا يمكن فعله إطلاقاً فهو سحب دعوى لا يملكها طرف آخر، أو إنهاء تحقيق دولي بقرار سياسي منفرد، أو تحويل الحقوق المالية إلى أداة لإلغاء المسؤولية القانونية.

إن السياسة قد تؤخر العدالة، وقد تضعف زخمها، لكنها لا تستطيع متى تحركت المؤسسات القضائية الدولية أن تلغي القانون أو تمحو الحقيقة.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على الصفقات المؤقتة، بل على صون الحقوق الوطنية، وتعزيز المسار القانوني، وتحصين القرار الفلسطيني من الضغوط، لأن الحقوق التي تثبت بالقانون لا يجوز التفريط بها تحت ضغط الحاجة أو إغراء التسويات العابرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى