توصف علاقة الأدب بالواقع على أنها علاقة ملتبسة ، ولعل اهتمام المدارس الأدبية بهذه العلاقة يُفسّر تعدد وجهات النظر إزاء هذه العلاقة التي يجتهد المبدعون في نقلها من المحسوس والمرئي إلى المتخيل دون أن يفقد المنجز صلته بحيثيات الواقع الذي يتم التعبير عنه بصور ورؤى مختلفة ومتباينة ، وقد وجدت في مقولة القاص العراقي محمد خضير الذي تمتد تجربته السردية على مدى ثمانية عقود درسا في كيفية التفاعل والتعامل مع الواقع ، وهذا ما شكّل رؤيتنا إزاء هذه المقولة بمقالنا الجديد ( من الواقع إلى حافته..) المنشور في الصفحة الثقافية لجريدة الصباح الجديد لهذا اليوم الأربعاء 6/5/2026 ، وسارفق مع منشوري هذا متن المقال لمن يرغب بالقراءة ، وافر الشكر والتقدير للصديق الشاعر سلام مكي والكادر الصفحة ..تحياتي ..
******
من الواقع الىٰ حافته
المغامرة السردية عند محمد خضير
عبد علي حسن
( أصرّ على أنني كاتب واقعي ، لكنني أعطيت مخيلتي حقّ أن تذهب الىٰ الحافة الخطرة للواقعية)
محمد خضير
منذ صدور مجموعته القصصية الأولى ( المملكة السوداء ) وزارة الإعلام / بغداد 1972 مرورا بمجاميعه القصصية ولحد الٱن الذي يشهد تواصلاً لمشروع السكيتج القصصي ، فإن المنجز السردي للقاص العراقي محمد خضير يتسم بالمغامرة السردية التي وضعت التجريب بوصلتها المؤثرة لتكريس أصالة ذلك المنجز الذي وضعه في مقدمة جيل الستينات الذي أخذ على عاتقه احداث النقلة النوعية للسرد العراقي المتجاوز لماسبق ، ففي كل منجزه ذلك كان الواقع وحيثيات تكونه وتحولاته مدخلاً فاعلاً لمجاراته والحفر تحت قشرته الخارجية وصولاً إلى الواقع الموازي / الفني والمعرفي ، وفي ضوء مقولته ٱنفة الذكر في صدر المقال فإن منجز محمد خضير السردي يطرح إشكالية دقيقة تتصل بطبيعة العلاقة بين الأدب والواقع، وهي علاقة لم تعد في سياق التجريب السردي الحديث قائمة على الانعكاس أو التمثيل المباشر، بل على إعادة إنتاج الواقع داخل بنية تخييلية قادرة على زعزعة يقيناته وكشف طبقاته الخفية ، ومن هنا تتبدى مقولته التي يعلن فيها أنه (واقعي) ولكن عبر المخيلة يذهب بنصه إلى ( الحافة الخطرة للواقعية)بوصفها مفتاحًا نقديًا لفهم مشروعه السردي، لا بوصفها مفارقة شكلية، بل باعتبارها استراتيجية جمالية ومعرفية في آنٍ واحد ، فهذه الحافة ليست نقطة انفصال عن الواقع، بل هي منطقة اشتباك حاد معه، حيث يُعاد تشكيله عبر آليات سردية تجعل المألوف غريبًا، واليومي موضع مساءلة، والمرئي قابلًا لانكشاف جديد ، وينطلق خضير من مادة واقعية شديدة التحديد وهي المكان العراقي، وبخاصة الفضاء البصري لمدينة البصرة، بكل ما تحمله من تفاصيل حسية وذاكرة تاريخية وثقافية ، غير أن هذه الواقعية لا تُقدَّم بوصفها معطىً جاهزًا أو خلفية محايدة للأحداث، بل تتحول إلى بنية متوترة تتعرض باستمرار لعمليات تفكيك وإعادة تركيب ، فالشارع، والأزقة والبيت، والنهر، والوجوه العابرة، ليست مجرد عناصر وصفية، بل وحدات دلالية مشحونة بإمكانيات تأويلية، بحيث يغدو الواقع نفسه نصًا يحتاج إلى قراءة، وفي هذا السياق، لا يعود السرد فعل نقل، بل يصبح فعل كشف، لا لما هو ظاهر فحسب، بل لما هو كامن أيضًا، أي لما يتخفى خلف السطح الواقعي من توترات ورموز وإشارات ، وتتجلى (الحافة الخطرة) هنا في تلك المسافة الدقيقة التي يحافظ فيها النص على صلته بالواقع، وفي الوقت نفسه يدفعه إلى حدود اللامألوف دون أن ينفصل عنه كليًا ، فخضير لا يسقط في الفنتازيا المطلقة، ولا يكتفي بالواقعية التسجيلية، بل يشتغل في منطقة وسطى، يمكن تسميتها بـ(الواقعية المتخيلة) أو (الواقعية المؤجلة)، حيث تتداخل مستويات الإدراك الحسي مع انزياحات المخيلة، ففي كثير من نصوصه، يبدأ السرد من موقف يومي عابر، لكن هذا الموقف سرعان ما ينفتح على احتمالات غير متوقعة، عبر تفصيلة صغيرة أو انحراف سردي طفيف يقود إلى إعادة تشكيل المعنى ، وهنا تكمن الخطورة ، في أن النص يظل مقنعًا بوصفه واقعيًا، رغم أنه يقوّض هذا الواقع من الداخل ،
إن هذا الاشتغال على الحافة ينتج نوعًا من التوتر الإدراكي لدى القارئ، إذ يجد نفسه أمام عالم مألوف ظاهريًا، لكنه مقلق في عمقه، فالأشياء لا تستقر على دلالة واحدة، والزمن لا يسير وفق خطية واضحة، والشخصيات تبدو وكأنها تعيش بين مستويين ، مستوى الحضور الواقعي، ومستوى آخر خفي يتصل بالذاكرة أو الحلم أو الرمز ، ومن ثم فإن الواقعية عند خضير ليست وصفًا للواقع، بل تجربة في إدراكه، تجربة تكشف عن هشاشته وقابليته للتشظي ، وهذا ما يجعل النص أقرب إلى مختبر سردي تُختبر فيه حدود الواقع نفسه، لا مجرد تمثيل له،
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن البعد المعرفي الذي يحكم كتابة خضير، إذ تبدو المخيلة لديه أداة لفهم الواقع، لا للهروب منه ، فبدل أن تُستخدم المخيلة لتشييد عوالم بديلة منفصلة، فإنها تُسخّر لتعميق النظر في العالم القائم، عبر كشف تناقضاته الداخلية وفضح ما ينطوي عليه من غموض ، ومن هنا، فإن (الحافة الخطرة)هي أيضًا حافة معرفية، يغامر فيها السرد بطرح أسئلة تتعلق بطبيعة الحقيقة ذاتها وهي هل الواقع ما نراه؟ أم ما نتخيله؟ أم أنه نتاج التفاعل بين الاثنين؟ هذا التداخل بين الواقعي والمتخيل لا يُحسم لصالح أحدهما، بل يُترك مفتوحًا، بما يعزز من دينامية النص ويمنحه طابعًا إشكاليًا.
إن تفكيك الواقع في منجز خضير لا يتم عبر تقنيات صادمة أو مباشرة، بل عبر اشتغال دقيق على اللغة والبنية السردية، فاللغة نفسها تنزاح عن وظيفتها التقريرية، لتصبح أداة توليد للمعنى، لا مجرد ناقل له ، والجملة السردية تُبنى بطريقة تتيح تعدد القراءات، والإيقاع الداخلي للنص يسهم في خلق حالة من الترقب والقلق، وكأن السرد يسير دائمًا نحو شيء لا يُفصح عنه بالكامل، هذا الاقتصاد في الكشف، أو ما يمكن تسميته بـ (الإرجاء الدلالي) ، هو أحد مظاهر العمل على الحافة، حيث لا يُعطى المعنى جاهزًا، بل يُترك معلقًا، في منطقة بين اليقين والشك ،
كما أن بنية الزمن في نصوص خضير تلعب دورًا أساسيًا في تعميق هذا الإحساس بالحافة ، فالزمن لا يُقدَّم بوصفه تسلسلًا خطيًا للأحداث، بل كشبكة من اللحظات المتداخلة، حيث يتقاطع الماضي مع الحاضر، وتتداخل الذاكرة مع اللحظة الراهنة. هذا التلاعب الزمني لا يهدف إلى التعقيد الشكلي، بل إلى الإشارة إلى أن الواقع نفسه ليس ثابتًا، بل هو نتاج تراكمات زمنية متشابكة، ومن ثم، فإن تفكيك الزمن هو في جوهره تفكيك للواقع، بوصفه بنية زمنية قبل أن يكون بنية مكانية.
أما الشخصية، فهي الأخرى تتعرض لنوع من إعادة التشكيل، بحيث لا تُقدَّم بوصفها كيانًا مكتملًا أو ثابتًا، بل كذات قلقة، تعيش حالة من الانقسام بين الداخل والخارج، بين ما يظهر وما يُخفى، وهذه الشخصية، التي قد تبدو عادية في ظاهرها، تتحول إلى بؤرة توتر داخل النص، لأنها تحمل في داخلها هذا الصراع بين الواقعي والمتخيل، ومن خلال هذه الشخصيات، ينجح خضير في تجسيد (الحافة الخطرة) بوصفها تجربة وجودية، لا مجرد تقنية سردية.
إن ما يميز تجربة محمد خضير في هذا السياق هو قدرته على الحفاظ على توازن دقيق بين الانتماء إلى الواقع والانزياح عنه ، فهو لا يتخلى عن مرجعيته الواقعية، ولا ينغلق في تجريب شكلي معزول، بل يشتغل على إعادة تعريف الواقعية نفسها، بوصفها فضاءً مفتوحًا على التأويل ، وهذا ما يجعل منجزه يتجاوز الثنائية التقليدية بين الواقعية والفنتازيا، ليؤسس لنمط سردي خاص، يمكن وصفه بأنه كتابة “على الحافة”، حيث يكون المعنى دائمًا في حالة تشكل، والواقع في حالة إعادة اكتشاف.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن (الحافة الخطرة للواقعية)ليست مجرد توصيف جمالي، بل هي مفهوم نقدي قادر على تفسير آليات اشتغال النص الخضيري، من حيث علاقته بالواقع، وبالمخيلة، وبالقارئ أيضًا ، فهي تشير إلى تلك المنطقة التي يصبح فيها السرد فعل مغامرة، لا في الشكل فحسب، بل في الرؤية كذلك، حيث يُدفع الواقع إلى أقصى حدوده، دون أن يُفقد صلته بالحياة، ويمكن ملاحظة ذلك في جميع نصوصه السردية .
ومن هنا، فإن قراءة منجز محمد خضير من خلال هذا المفهوم تتيح الكشف عن عمق تجربته، بوصفها تجربة تسعى إلى إعادة النظر في ما نعدّه بديهيًا، وإلى تحويل الواقع من معطى ثابت إلى سؤال مفتوح.
******
من الواقع الىٰ حافته
المغامرة السردية عند محمد خضير
عبد علي حسن
( أصرّ على أنني كاتب واقعي ، لكنني أعطيت مخيلتي حقّ أن تذهب الىٰ الحافة الخطرة للواقعية)
محمد خضير
منذ صدور مجموعته القصصية الأولى ( المملكة السوداء ) وزارة الإعلام / بغداد 1972 مرورا بمجاميعه القصصية ولحد الٱن الذي يشهد تواصلاً لمشروع السكيتج القصصي ، فإن المنجز السردي للقاص العراقي محمد خضير يتسم بالمغامرة السردية التي وضعت التجريب بوصلتها المؤثرة لتكريس أصالة ذلك المنجز الذي وضعه في مقدمة جيل الستينات الذي أخذ على عاتقه احداث النقلة النوعية للسرد العراقي المتجاوز لماسبق ، ففي كل منجزه ذلك كان الواقع وحيثيات تكونه وتحولاته مدخلاً فاعلاً لمجاراته والحفر تحت قشرته الخارجية وصولاً إلى الواقع الموازي / الفني والمعرفي ، وفي ضوء مقولته ٱنفة الذكر في صدر المقال فإن منجز محمد خضير السردي يطرح إشكالية دقيقة تتصل بطبيعة العلاقة بين الأدب والواقع، وهي علاقة لم تعد في سياق التجريب السردي الحديث قائمة على الانعكاس أو التمثيل المباشر، بل على إعادة إنتاج الواقع داخل بنية تخييلية قادرة على زعزعة يقيناته وكشف طبقاته الخفية ، ومن هنا تتبدى مقولته التي يعلن فيها أنه (واقعي) ولكن عبر المخيلة يذهب بنصه إلى ( الحافة الخطرة للواقعية)بوصفها مفتاحًا نقديًا لفهم مشروعه السردي، لا بوصفها مفارقة شكلية، بل باعتبارها استراتيجية جمالية ومعرفية في آنٍ واحد ، فهذه الحافة ليست نقطة انفصال عن الواقع، بل هي منطقة اشتباك حاد معه، حيث يُعاد تشكيله عبر آليات سردية تجعل المألوف غريبًا، واليومي موضع مساءلة، والمرئي قابلًا لانكشاف جديد ، وينطلق خضير من مادة واقعية شديدة التحديد وهي المكان العراقي، وبخاصة الفضاء البصري لمدينة البصرة، بكل ما تحمله من تفاصيل حسية وذاكرة تاريخية وثقافية ، غير أن هذه الواقعية لا تُقدَّم بوصفها معطىً جاهزًا أو خلفية محايدة للأحداث، بل تتحول إلى بنية متوترة تتعرض باستمرار لعمليات تفكيك وإعادة تركيب ، فالشارع، والأزقة والبيت، والنهر، والوجوه العابرة، ليست مجرد عناصر وصفية، بل وحدات دلالية مشحونة بإمكانيات تأويلية، بحيث يغدو الواقع نفسه نصًا يحتاج إلى قراءة، وفي هذا السياق، لا يعود السرد فعل نقل، بل يصبح فعل كشف، لا لما هو ظاهر فحسب، بل لما هو كامن أيضًا، أي لما يتخفى خلف السطح الواقعي من توترات ورموز وإشارات ، وتتجلى (الحافة الخطرة) هنا في تلك المسافة الدقيقة التي يحافظ فيها النص على صلته بالواقع، وفي الوقت نفسه يدفعه إلى حدود اللامألوف دون أن ينفصل عنه كليًا ، فخضير لا يسقط في الفنتازيا المطلقة، ولا يكتفي بالواقعية التسجيلية، بل يشتغل في منطقة وسطى، يمكن تسميتها بـ(الواقعية المتخيلة) أو (الواقعية المؤجلة)، حيث تتداخل مستويات الإدراك الحسي مع انزياحات المخيلة، ففي كثير من نصوصه، يبدأ السرد من موقف يومي عابر، لكن هذا الموقف سرعان ما ينفتح على احتمالات غير متوقعة، عبر تفصيلة صغيرة أو انحراف سردي طفيف يقود إلى إعادة تشكيل المعنى ، وهنا تكمن الخطورة ، في أن النص يظل مقنعًا بوصفه واقعيًا، رغم أنه يقوّض هذا الواقع من الداخل ،
إن هذا الاشتغال على الحافة ينتج نوعًا من التوتر الإدراكي لدى القارئ، إذ يجد نفسه أمام عالم مألوف ظاهريًا، لكنه مقلق في عمقه، فالأشياء لا تستقر على دلالة واحدة، والزمن لا يسير وفق خطية واضحة، والشخصيات تبدو وكأنها تعيش بين مستويين ، مستوى الحضور الواقعي، ومستوى آخر خفي يتصل بالذاكرة أو الحلم أو الرمز ، ومن ثم فإن الواقعية عند خضير ليست وصفًا للواقع، بل تجربة في إدراكه، تجربة تكشف عن هشاشته وقابليته للتشظي ، وهذا ما يجعل النص أقرب إلى مختبر سردي تُختبر فيه حدود الواقع نفسه، لا مجرد تمثيل له،
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن البعد المعرفي الذي يحكم كتابة خضير، إذ تبدو المخيلة لديه أداة لفهم الواقع، لا للهروب منه ، فبدل أن تُستخدم المخيلة لتشييد عوالم بديلة منفصلة، فإنها تُسخّر لتعميق النظر في العالم القائم، عبر كشف تناقضاته الداخلية وفضح ما ينطوي عليه من غموض ، ومن هنا، فإن (الحافة الخطرة)هي أيضًا حافة معرفية، يغامر فيها السرد بطرح أسئلة تتعلق بطبيعة الحقيقة ذاتها وهي هل الواقع ما نراه؟ أم ما نتخيله؟ أم أنه نتاج التفاعل بين الاثنين؟ هذا التداخل بين الواقعي والمتخيل لا يُحسم لصالح أحدهما، بل يُترك مفتوحًا، بما يعزز من دينامية النص ويمنحه طابعًا إشكاليًا.
إن تفكيك الواقع في منجز خضير لا يتم عبر تقنيات صادمة أو مباشرة، بل عبر اشتغال دقيق على اللغة والبنية السردية، فاللغة نفسها تنزاح عن وظيفتها التقريرية، لتصبح أداة توليد للمعنى، لا مجرد ناقل له ، والجملة السردية تُبنى بطريقة تتيح تعدد القراءات، والإيقاع الداخلي للنص يسهم في خلق حالة من الترقب والقلق، وكأن السرد يسير دائمًا نحو شيء لا يُفصح عنه بالكامل، هذا الاقتصاد في الكشف، أو ما يمكن تسميته بـ (الإرجاء الدلالي) ، هو أحد مظاهر العمل على الحافة، حيث لا يُعطى المعنى جاهزًا، بل يُترك معلقًا، في منطقة بين اليقين والشك ،
كما أن بنية الزمن في نصوص خضير تلعب دورًا أساسيًا في تعميق هذا الإحساس بالحافة ، فالزمن لا يُقدَّم بوصفه تسلسلًا خطيًا للأحداث، بل كشبكة من اللحظات المتداخلة، حيث يتقاطع الماضي مع الحاضر، وتتداخل الذاكرة مع اللحظة الراهنة. هذا التلاعب الزمني لا يهدف إلى التعقيد الشكلي، بل إلى الإشارة إلى أن الواقع نفسه ليس ثابتًا، بل هو نتاج تراكمات زمنية متشابكة، ومن ثم، فإن تفكيك الزمن هو في جوهره تفكيك للواقع، بوصفه بنية زمنية قبل أن يكون بنية مكانية.
أما الشخصية، فهي الأخرى تتعرض لنوع من إعادة التشكيل، بحيث لا تُقدَّم بوصفها كيانًا مكتملًا أو ثابتًا، بل كذات قلقة، تعيش حالة من الانقسام بين الداخل والخارج، بين ما يظهر وما يُخفى، وهذه الشخصية، التي قد تبدو عادية في ظاهرها، تتحول إلى بؤرة توتر داخل النص، لأنها تحمل في داخلها هذا الصراع بين الواقعي والمتخيل، ومن خلال هذه الشخصيات، ينجح خضير في تجسيد (الحافة الخطرة) بوصفها تجربة وجودية، لا مجرد تقنية سردية.
إن ما يميز تجربة محمد خضير في هذا السياق هو قدرته على الحفاظ على توازن دقيق بين الانتماء إلى الواقع والانزياح عنه ، فهو لا يتخلى عن مرجعيته الواقعية، ولا ينغلق في تجريب شكلي معزول، بل يشتغل على إعادة تعريف الواقعية نفسها، بوصفها فضاءً مفتوحًا على التأويل ، وهذا ما يجعل منجزه يتجاوز الثنائية التقليدية بين الواقعية والفنتازيا، ليؤسس لنمط سردي خاص، يمكن وصفه بأنه كتابة “على الحافة”، حيث يكون المعنى دائمًا في حالة تشكل، والواقع في حالة إعادة اكتشاف.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن (الحافة الخطرة للواقعية)ليست مجرد توصيف جمالي، بل هي مفهوم نقدي قادر على تفسير آليات اشتغال النص الخضيري، من حيث علاقته بالواقع، وبالمخيلة، وبالقارئ أيضًا ، فهي تشير إلى تلك المنطقة التي يصبح فيها السرد فعل مغامرة، لا في الشكل فحسب، بل في الرؤية كذلك، حيث يُدفع الواقع إلى أقصى حدوده، دون أن يُفقد صلته بالحياة، ويمكن ملاحظة ذلك في جميع نصوصه السردية .
ومن هنا، فإن قراءة منجز محمد خضير من خلال هذا المفهوم تتيح الكشف عن عمق تجربته، بوصفها تجربة تسعى إلى إعادة النظر في ما نعدّه بديهيًا، وإلى تحويل الواقع من معطى ثابت إلى سؤال مفتوح.