عنوانُ هذه المقالة يُحتِّم علينا أن نُعرِّفَ الإجماعَ l'unanimité لغوياً واصطلاحياً ثم تِبيان لماذا هذا الإجماعُ، من الممكن، أن يُعرقِلَ الإبداعَ الفكري la créativité intellectuelle أو أن يقِفَ، كحاجزٍ comme un obstacle، ضد بروز هذا الإبداع الفكري. وللتَّذكير، فإن الإجماعَ الذي يتحدَّث عنه علماءُ وفقهاء الدين، هو إجماعٌ مطلق une unanimité absolue، أي إجماعٌ تامٌّ.
أولاً وقبل كل شيءٍ، علينا أن ندركَ أن الإجماعَ هو اتٍّفاق تام لِجماعة من الأشخاص على أمرٍ من الأمور الدنيوية، أي أن هؤلاء الأشخاص لهم نفس الرؤية حول هذا الأمر. وهذا يعني أن الأشخاصَ حلَّلوا الأمر وقلَّبوه وفكَّروا فيه، وفي نهاية المطاف، وصلوا إلى نفس النتيجة، ولو بطرق ومنهجياتٍ مختلفة.
أما الأمرُ، المتَّفق عليه، يمكن أن يكونَ قضيةً من القضايا التي تشغل بالَ عامة الناس أو فكرةً من الأفكار المفيدة أو عملا يعود بالنفع على الجميع… لكن ما يجب الانتباه إليه، هو أن القضايا والأفكار والأعمال… لها أبعاد مختلِفة، أي يمكن أن تكون اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، سياسية، دينية، علمِية، تكنولوجِية…
وهنا، لا بدَّ من التذكير أن الإجماعَ (الاتِّفاقَ) يجب أن يكون كامِلا، أي ليس فيه لا تَحَفُّظ réserve ولا أغلبية majorité ضد أقلية une minorité أي، كما سبق الذكرُ، يجب أن يكونَ الاتِّفاق تاماً.. أما جماعةُ الأشخاص يمكن أن تكونَ جمعوية، حزبية (سياسية)، علمية، دينية… بل يمكن أن تكونَ مشكُلة من عدَّة دُوَلٍ. وفي جميع الحالات، الإجماع يتطلَّبُ الاتفاق التام. لكن قبل الدخول في تفاصيل هذه المقالة، عليَّ أن أبرِّرَ لماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، "في المجتمعات الإسلامية".
عندما خصَّصتُ بالذكر "المجتمعات الإسلامية"، فالأمر يتعلَّق بمجتمعات اتَّخذت الإسلامَ كدينٍ. وهذا الدين يستمد جلَّ أحكامَه وشرائعَه من "التراث الديني" le patrimoine religieux الذي خلَّفه لنا علماء وفقهاء الدين القدامى والحاليون الذين ثمَّنوا هذا التراث واتَّخذوه كمصدر رئيسي لفتاواهم وإنتاجهم الفكري الديني.
غير أن علماء وفقهاء الدين، القدامى، هم مَن قسَّم الإسلامَ إلى مذاهب وفِرقٍ وطوائف، علماً أن كلَّ مذهبٍ وكل فرقة وكل طائفةٍ لها طريقتُها ونهجُها الفكريان لِفهم الدين وترجمتِه إلى تراثٍ.
فأين هو الإجماع، وفَهمُ الدين يختلِف من مذهب إلى آخر ومن فرقة وطائفة إلى أخرى؟ والاختلاف في فَهمِ الدين ليس مقتصِراً على علماءِ وفقهاءِ الدين وحدَهم. بل نجده في مجالاتٍ أخرى من المجالات الدنيوية.
نجده في السياسة، في الاقتصاد، في الثقافة، في العلم، في التَّدين، وفي جميع مناحي الحياة اليومية.
في السياسة : الكل يعرف أن الأحزاب السياسية تعتمد في نشأتِها على مبادئ des principes وقيم des valeurs ورُؤى إيديولوجية تختلف من حزبٍ إلى آخر. لكن، داخلَ نفس الأحزاب، توجد تيارات des courants مختلفة، منها المُتطرف، ومنها المعتدل، الوسطي…
في الاقتصاد : كل مجتمع أو كل بلدٍ يبني اقتصادَه على أسُسٍ ليبرالية أو اشتراكية أو شيوعية أو مّترّطرفة أو مُعتدِلة…علماً أن اي نظامٍ اقتصادي يأخذ بعين الاعتبار وسائل الإنتاج وكيفية إنتاج الثروة وتوزيعها على مختلف أطياف الشعب…
في الثقافة : كل مجتمع أو كل بلدٍ له ثقافة خاصة به. والاختلاف بين الثقافات يرتكِز على نوعية القيم les valeurs والعادات les coutumes والأعراف les normes واللغات وأنماط الحياة les modes de vie والفنون les arts…
في العلم : كل مجتمع أو بلد له ما يكفي من المعارف لتدبير شؤون الحياة اليومية. والمعارف يمكن أن تكون ناتِجة عن التجربة connaissances empiriques والاحتكاك بالواقع connaissances pratiques. كما يمكن أن تكون المعارفُ ناتجَةً عن بحث علمي منظم له مؤسساتُه ومراكزُه…
في الدين : الدين يمكن أن يكون مُنزَّلا religion céleste (سماوِياً) يتكلَّف بنشره رُسُلٌ وانبياءٌ يختارهم الله، سبحانه وتعالى، من بين عباده. كما يمكن أن يكون الدينُ وضعِياً، أي من إنتاج بشري. والتَّديُّن، سواءً كان ناتِجاً عن أديان سماوِية أو وضعِية، فإنه يختلِف من مجتمع إلى آخر أو من بلدٍ إلى آخر بالشرائعِ les législations religieuses والمُعتقدات les croyances والعبادات les cultes والطقوس les rituels…
انطلاقاً من هذه التَّوضيحات أو هذه الاعتبارات، يبدو واضحاً أن المجتمعات البشرية أو البلدان لا تتشابه أنماطُ سياساتها واقتصاداتها وثقافاتها ومعارفها المكتسبة من التجربة ومن البحث العلمي… وهذا يعني أن طُرُقَ تفكيرها مختلفةُ. وإن اختلفت طرق التفكير، فكل ما له علاقة بالحياة اليومية للمجتمعات والبلدان من سياسة واقتصاد وثقافة واكتساب المعارف والتّديُّن… يختلف من مجتمعٍ إلى آخر أو من بلد إلى آخر. لماذا؟
لأن كلَّ فردٍ له طريقتُه الخاصة في التفكير. وهذا يعني أن كلَّ شخصٍ يفسِّر الواقع la réalité حسب مستوى تفكيره، وفي نفس الوقت، كل فردٍ، هو فرد تاريخي واجتماعي un individu socio-historique، أي يجر وراءه تاريخاً اجتماعياً un vécu social يجعل منه شخصاً فريدا من نوعِه يتعامل مع الواقع فكريا وعمليا حسب نمط تفكيرٍ خاص به، يمكن تلخيصُه في التجربة المكتسبة ونوعية وسط العيش وطريقة التعلم le .mode d'apprentissage وهذا يعني أَنْ يُفكِّرَ الناسُ بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب، شيءٌ مستحيل. التجربة المكتسبة تختلف من شخصٍ إلى آخر، وهي مرتبطةٌ بمستواه الفكري. وهذا المستوى الفكري هو الذي يحدِّد إدراكَ وسطُ عيشِه وطريقةَ تعلُِّمِه.
إذن، أين هو الإجماع الفقهي الذي يدَّعي علماءُ وفقهاءُ الدين، القدامى والحاليون، وجودَه فيما أنتجوه من تراث فقهي. ولا يزالوا يقولون "أجمع العلماءُ"، "أجمع الفقهاءُ"، "أجمعت الأمة"...
بقي أن أوضِّحَ كيف بإمكان الإجماع الفقهي أن يكبحَ، أي أن يقفَ، كحاجزٍ، يمنع الأبداعَ والإنتاج الفكريين من الظهور والنبوغ فيما ينفع البلادِ والعبادَ. بالفعل، الإجماع، في المجال الديني، وخصوصا، إذا كان مفروضاً على الناس، أي لاخيارَ لهم سوى قبولُه، بإمكانِه أن يقفَ، كحجر عترةٍ، في وجه الإبداع والإنتاج الفكريين، وذلك لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :
1.التَّقيُّد le conformisme بما هو سائد من أعراف normes في المجتمعات الإسلامية. وهذا يعني أنه يصبح من واجب الناس أن يُفكِّروا، دينياً، بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب، وأن كلَّ مَن حاول أن يخرجَ، بأفكاره، عن هذه الأعراف، فإنه يُعرِّض نفسَه للإقصاء l'exclusion أو لانتقادات اجتماعية لاذِعة.
2.تقديس sanctification أو sacralisation التراث كمُكتسبات اجتماعية صلبة comme des acquis sociaux inébranlables، أي لا يمكن زعزعتُها كمُكتسَبات جماعية comme des acquis communs. وهذا الوضع يحول دون توجيه أي نقدٍ toute critique لهذا التراث، باعتباره إنتاج فكري بشري قابل للنقاش، وبالتالي، إفشال أية محاولة لتكييف التراث مع روح العصر.
3.غياب النقاش المفيد absence du débat fructueux بين مؤيدي التراث وبين مَن يريدون طرحَه للنقاش، علما أن النقاشَ هو مصدرُ الإبداع والإنتاج الفكريين، وإلا سيبقى التراث على ما هو عليه، أي في نفس الوضع الاجتماعي، أي مُتوارثٍ مفروضٍ على الجميع. وهذه هي أفضل وأنجع طريقةٍ ليبقى الفكر والتفكير جامِدين.
4.الخوف من التكفير la peur d'être l'objet d'une hérésie، علما أنه، في إطار جمود الفكر والتفكير، توجيه النقد للتراث أو طرحُه للنقاش، يُعتبران انحرافا عن الطريق ألسَّوي، عوض أن يُعتبرا ك"إغناءٍ" comme un enrichissement للفكر والإنتاج الفكري. وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل من الدين حاجِزاً يحول دون تشغيل العقل ومنعه من الإبداع.
وفي ختام هذه المقالة، وانطلاقا من التوضيحات السابقة، أي المشار إليها أعلاه، يتبيَّن لنا أنه، من المستحيل أن يكونَ الإجماعُ مطلقاً، كما أراده أن يكونَ علماء وفقتاء الدين، أي صادر عن جميع علماء وفقهاء الدين. ما هو مُمكِنٌ هو الإجماع النسبي le consensus أو unanimité relative، الصادر عن أغلبيةٍ من هؤلاء العلماء والفقهاء. وإذا كان الإجماعُ نسبيا، يبقى الأختلافُ عن الأغلبية وارداً. لكن، ما يمكن ملاحظتُه، هو أن علماءَ وفقهاءَ الدين لا يُفرِّقون بين الإجماع المطلق والإجماع النسبي. بل، في أغلب الحالات، فإنهم يُحوِّلون الإجماع من حالتِه النسبية إلى حالته المطلقة.
وهذه بعض الأمثلة للإجماع المطلق والنسبي. الإجماع المطلق : أركان الإسلام الخمسة، إجماعٌ مطلق. المذاهب الأربع سُنِّية، لكن يوجد بينها اختلافات مفادُها أن لكل مدرسة مذهبية طريقةٌ فكرية في فهمِ وإدراك النصوص الدينية. ولهذا، فإنتاجُهم الفكري أو التراث الذي تركوه لنا لا يمكن أن نَعتبرَه إجماعاً مطلقا. ما هو منطقي، هو اعتبارُه إجماعاً نسبيا.
أولاً وقبل كل شيءٍ، علينا أن ندركَ أن الإجماعَ هو اتٍّفاق تام لِجماعة من الأشخاص على أمرٍ من الأمور الدنيوية، أي أن هؤلاء الأشخاص لهم نفس الرؤية حول هذا الأمر. وهذا يعني أن الأشخاصَ حلَّلوا الأمر وقلَّبوه وفكَّروا فيه، وفي نهاية المطاف، وصلوا إلى نفس النتيجة، ولو بطرق ومنهجياتٍ مختلفة.
أما الأمرُ، المتَّفق عليه، يمكن أن يكونَ قضيةً من القضايا التي تشغل بالَ عامة الناس أو فكرةً من الأفكار المفيدة أو عملا يعود بالنفع على الجميع… لكن ما يجب الانتباه إليه، هو أن القضايا والأفكار والأعمال… لها أبعاد مختلِفة، أي يمكن أن تكون اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، سياسية، دينية، علمِية، تكنولوجِية…
وهنا، لا بدَّ من التذكير أن الإجماعَ (الاتِّفاقَ) يجب أن يكون كامِلا، أي ليس فيه لا تَحَفُّظ réserve ولا أغلبية majorité ضد أقلية une minorité أي، كما سبق الذكرُ، يجب أن يكونَ الاتِّفاق تاماً.. أما جماعةُ الأشخاص يمكن أن تكونَ جمعوية، حزبية (سياسية)، علمية، دينية… بل يمكن أن تكونَ مشكُلة من عدَّة دُوَلٍ. وفي جميع الحالات، الإجماع يتطلَّبُ الاتفاق التام. لكن قبل الدخول في تفاصيل هذه المقالة، عليَّ أن أبرِّرَ لماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، "في المجتمعات الإسلامية".
عندما خصَّصتُ بالذكر "المجتمعات الإسلامية"، فالأمر يتعلَّق بمجتمعات اتَّخذت الإسلامَ كدينٍ. وهذا الدين يستمد جلَّ أحكامَه وشرائعَه من "التراث الديني" le patrimoine religieux الذي خلَّفه لنا علماء وفقهاء الدين القدامى والحاليون الذين ثمَّنوا هذا التراث واتَّخذوه كمصدر رئيسي لفتاواهم وإنتاجهم الفكري الديني.
غير أن علماء وفقهاء الدين، القدامى، هم مَن قسَّم الإسلامَ إلى مذاهب وفِرقٍ وطوائف، علماً أن كلَّ مذهبٍ وكل فرقة وكل طائفةٍ لها طريقتُها ونهجُها الفكريان لِفهم الدين وترجمتِه إلى تراثٍ.
فأين هو الإجماع، وفَهمُ الدين يختلِف من مذهب إلى آخر ومن فرقة وطائفة إلى أخرى؟ والاختلاف في فَهمِ الدين ليس مقتصِراً على علماءِ وفقهاءِ الدين وحدَهم. بل نجده في مجالاتٍ أخرى من المجالات الدنيوية.
نجده في السياسة، في الاقتصاد، في الثقافة، في العلم، في التَّدين، وفي جميع مناحي الحياة اليومية.
في السياسة : الكل يعرف أن الأحزاب السياسية تعتمد في نشأتِها على مبادئ des principes وقيم des valeurs ورُؤى إيديولوجية تختلف من حزبٍ إلى آخر. لكن، داخلَ نفس الأحزاب، توجد تيارات des courants مختلفة، منها المُتطرف، ومنها المعتدل، الوسطي…
في الاقتصاد : كل مجتمع أو كل بلدٍ يبني اقتصادَه على أسُسٍ ليبرالية أو اشتراكية أو شيوعية أو مّترّطرفة أو مُعتدِلة…علماً أن اي نظامٍ اقتصادي يأخذ بعين الاعتبار وسائل الإنتاج وكيفية إنتاج الثروة وتوزيعها على مختلف أطياف الشعب…
في الثقافة : كل مجتمع أو كل بلدٍ له ثقافة خاصة به. والاختلاف بين الثقافات يرتكِز على نوعية القيم les valeurs والعادات les coutumes والأعراف les normes واللغات وأنماط الحياة les modes de vie والفنون les arts…
في العلم : كل مجتمع أو بلد له ما يكفي من المعارف لتدبير شؤون الحياة اليومية. والمعارف يمكن أن تكون ناتِجة عن التجربة connaissances empiriques والاحتكاك بالواقع connaissances pratiques. كما يمكن أن تكون المعارفُ ناتجَةً عن بحث علمي منظم له مؤسساتُه ومراكزُه…
في الدين : الدين يمكن أن يكون مُنزَّلا religion céleste (سماوِياً) يتكلَّف بنشره رُسُلٌ وانبياءٌ يختارهم الله، سبحانه وتعالى، من بين عباده. كما يمكن أن يكون الدينُ وضعِياً، أي من إنتاج بشري. والتَّديُّن، سواءً كان ناتِجاً عن أديان سماوِية أو وضعِية، فإنه يختلِف من مجتمع إلى آخر أو من بلدٍ إلى آخر بالشرائعِ les législations religieuses والمُعتقدات les croyances والعبادات les cultes والطقوس les rituels…
انطلاقاً من هذه التَّوضيحات أو هذه الاعتبارات، يبدو واضحاً أن المجتمعات البشرية أو البلدان لا تتشابه أنماطُ سياساتها واقتصاداتها وثقافاتها ومعارفها المكتسبة من التجربة ومن البحث العلمي… وهذا يعني أن طُرُقَ تفكيرها مختلفةُ. وإن اختلفت طرق التفكير، فكل ما له علاقة بالحياة اليومية للمجتمعات والبلدان من سياسة واقتصاد وثقافة واكتساب المعارف والتّديُّن… يختلف من مجتمعٍ إلى آخر أو من بلد إلى آخر. لماذا؟
لأن كلَّ فردٍ له طريقتُه الخاصة في التفكير. وهذا يعني أن كلَّ شخصٍ يفسِّر الواقع la réalité حسب مستوى تفكيره، وفي نفس الوقت، كل فردٍ، هو فرد تاريخي واجتماعي un individu socio-historique، أي يجر وراءه تاريخاً اجتماعياً un vécu social يجعل منه شخصاً فريدا من نوعِه يتعامل مع الواقع فكريا وعمليا حسب نمط تفكيرٍ خاص به، يمكن تلخيصُه في التجربة المكتسبة ونوعية وسط العيش وطريقة التعلم le .mode d'apprentissage وهذا يعني أَنْ يُفكِّرَ الناسُ بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب، شيءٌ مستحيل. التجربة المكتسبة تختلف من شخصٍ إلى آخر، وهي مرتبطةٌ بمستواه الفكري. وهذا المستوى الفكري هو الذي يحدِّد إدراكَ وسطُ عيشِه وطريقةَ تعلُِّمِه.
إذن، أين هو الإجماع الفقهي الذي يدَّعي علماءُ وفقهاءُ الدين، القدامى والحاليون، وجودَه فيما أنتجوه من تراث فقهي. ولا يزالوا يقولون "أجمع العلماءُ"، "أجمع الفقهاءُ"، "أجمعت الأمة"...
بقي أن أوضِّحَ كيف بإمكان الإجماع الفقهي أن يكبحَ، أي أن يقفَ، كحاجزٍ، يمنع الأبداعَ والإنتاج الفكريين من الظهور والنبوغ فيما ينفع البلادِ والعبادَ. بالفعل، الإجماع، في المجال الديني، وخصوصا، إذا كان مفروضاً على الناس، أي لاخيارَ لهم سوى قبولُه، بإمكانِه أن يقفَ، كحجر عترةٍ، في وجه الإبداع والإنتاج الفكريين، وذلك لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :
1.التَّقيُّد le conformisme بما هو سائد من أعراف normes في المجتمعات الإسلامية. وهذا يعني أنه يصبح من واجب الناس أن يُفكِّروا، دينياً، بنفس الطريقة وبنفس الأسلوب، وأن كلَّ مَن حاول أن يخرجَ، بأفكاره، عن هذه الأعراف، فإنه يُعرِّض نفسَه للإقصاء l'exclusion أو لانتقادات اجتماعية لاذِعة.
2.تقديس sanctification أو sacralisation التراث كمُكتسبات اجتماعية صلبة comme des acquis sociaux inébranlables، أي لا يمكن زعزعتُها كمُكتسَبات جماعية comme des acquis communs. وهذا الوضع يحول دون توجيه أي نقدٍ toute critique لهذا التراث، باعتباره إنتاج فكري بشري قابل للنقاش، وبالتالي، إفشال أية محاولة لتكييف التراث مع روح العصر.
3.غياب النقاش المفيد absence du débat fructueux بين مؤيدي التراث وبين مَن يريدون طرحَه للنقاش، علما أن النقاشَ هو مصدرُ الإبداع والإنتاج الفكريين، وإلا سيبقى التراث على ما هو عليه، أي في نفس الوضع الاجتماعي، أي مُتوارثٍ مفروضٍ على الجميع. وهذه هي أفضل وأنجع طريقةٍ ليبقى الفكر والتفكير جامِدين.
4.الخوف من التكفير la peur d'être l'objet d'une hérésie، علما أنه، في إطار جمود الفكر والتفكير، توجيه النقد للتراث أو طرحُه للنقاش، يُعتبران انحرافا عن الطريق ألسَّوي، عوض أن يُعتبرا ك"إغناءٍ" comme un enrichissement للفكر والإنتاج الفكري. وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل من الدين حاجِزاً يحول دون تشغيل العقل ومنعه من الإبداع.
وفي ختام هذه المقالة، وانطلاقا من التوضيحات السابقة، أي المشار إليها أعلاه، يتبيَّن لنا أنه، من المستحيل أن يكونَ الإجماعُ مطلقاً، كما أراده أن يكونَ علماء وفقتاء الدين، أي صادر عن جميع علماء وفقهاء الدين. ما هو مُمكِنٌ هو الإجماع النسبي le consensus أو unanimité relative، الصادر عن أغلبيةٍ من هؤلاء العلماء والفقهاء. وإذا كان الإجماعُ نسبيا، يبقى الأختلافُ عن الأغلبية وارداً. لكن، ما يمكن ملاحظتُه، هو أن علماءَ وفقهاءَ الدين لا يُفرِّقون بين الإجماع المطلق والإجماع النسبي. بل، في أغلب الحالات، فإنهم يُحوِّلون الإجماع من حالتِه النسبية إلى حالته المطلقة.
وهذه بعض الأمثلة للإجماع المطلق والنسبي. الإجماع المطلق : أركان الإسلام الخمسة، إجماعٌ مطلق. المذاهب الأربع سُنِّية، لكن يوجد بينها اختلافات مفادُها أن لكل مدرسة مذهبية طريقةٌ فكرية في فهمِ وإدراك النصوص الدينية. ولهذا، فإنتاجُهم الفكري أو التراث الذي تركوه لنا لا يمكن أن نَعتبرَه إجماعاً مطلقا. ما هو منطقي، هو اعتبارُه إجماعاً نسبيا.