أدب المناجم ٠د. إبراهيم عروش - حين يُكرَّم رجالُ الفحم الأبيض بالمونادا و البشكيطو”

في بلادٍ أخرى، يُقال إنّ من قضى عمره تحت الأرض يُستقبل عند تقاعده بوسامٍ على الصدر، وتأمينٍ صحيٍّ جيد وتعويض يليق بمن ترك نصف رئتيه في باطن الأرض.
أمّا، في حضرة الفوسفاط، حيث كان الرجل يدخل إلى “الحَشّة” كأنّه يدخل إلى معركةٍ يومية مع الموت، فقد اكتشفنا فلسفةً اجتماعيةً أكثر “تواضعًا”:
تكريمُ العامل المنجمي… بالمونادا و”البشكيطو”.

يا لها من حضارةٍ اجتماعيةٍ عظيمة!
رجلٌ قضى أربعين سنة يطارد الغبار الأبيض الشاحب، ويتنفّس السيليس الذي يؤدي إلى "السيليكوز " أكثر مما يتنفّس الأوكسجين، ويصادق الظلام أكثر مما يصادق أبناءه… ثم يُقال له في النهاية:
“تفضل آ الحاج… خذ قنينة صودا باردة، فالوطن لا ينسى أبناءه!”

كان العامل المنجمي، يا سادة، لا يذهب إلى العمل… بل كان ينزل إلى جوف الأرض كما ينزل المحارب إلى خندقه.
يرى بأمّ عينه سقف “الحشّة” وهو يهوِي على زميلٍ له، ويسمع عن عاملٍ ابتلعته “السمطة”، وآخر خرج مبتورَ اليد أو الساق، وثالثٍ عاد إلى البيت محمولًا على الأكتاف لا على قدميه.
ورغم ذلك، كان يعود في الغد إلى المنجم، لأنّ أبناءه يحتاجون الخبز، ولأنّ الأرض لا ترحم الفقراء إلا إذا حفَروا فيها حتى العظم.

وقد وصف إميل زولا في رائعته "جيرمنال" هذا العالم القاسي وصفًا بليغًا، حين صوّر النزول إلى المنجم كأنه تروسٌ ميكانيكية، أو engrenage لاإنسانية، تطبعها الإضاءة القاسية للفوانيس على أقفاص المنجم.
فالحركة هناك تتم بشكلٍ آليٍّ وقاسٍ ومنظّم، دون رحمة أو إحساس إنساني، وكأنّ العمال مجرد أجزاء داخل آلةٍ ضخمة لا تتوقف.

كانوا رجالًا إذا خرجوا من “الغار” إلى الحقول، انتقلوا مباشرةً من غبار الفوسفاط إلى تراب الحرث والحصاد.
جيلٌ لم يكن يعرف التنمية البشرية، لكنه كان يمارسها بالفطرة:
يُربّي أبناءه، ويبني بيتًا طينيًا، ويقتسم “الكسرة” مع الجار، ويضحك رغم الألم، كأنّ الضحك نفسه تعويضٌ عن غياب التعويضات.

وفي لحظة التقاعد… تبدأ المسرحية الجميلة.

تُصفّ الكراسي البلاستيكية بعنايةٍ تشبه استعدادات حفلات نهاية السنة لنيل تلاميذ الستينيات الشهادة الابتدائية.
يأتي المسؤولون ببدلاتٍ أنيقة وربطات عنقٍ لامعة، بينما يجلس العامل وهو يضع آخر جلابيبه وأنقى رُزًاتِه

ثم تبدأ الخطب:
“لقد كان مثالًا للعطاء…”
“ساهم في بناء الاقتصاد الوطني…”
“أعطى الكثير للمؤسسة…”

ويكاد العامل يصدق للحظة أنه كان وزيرًا للاقتصاد، لا مجرد رجلٍ كان يغامر بحياته كي تستمر عجلات الفوسفاط في الدوران.

ثم تأتي اللحظة الكبرى…
لحظةُ الوليمة التاريخية.

فتظهر “المونادا” الغازية كأنها مشروعٌ تنمويٌّ متكامل، ويُوزَّع “البشكيطو” بحذرٍ يليق بموادّ استراتيجية، ويبدأ الحاضرون في الالتهام بنوعٍ من الوقار الوطني، حتى يخال لك أنّ الأمر يتعلق بمأدبةٍ ملكية لا بحفل تقاعدٍ لعاملٍ أفنى عمره تحت الأرض.

ولعلّ أجمل ما في المشهد… تلك النظرات المختلطة بين الفرح والحسرة.
ضحكاتٌ تُخفي السعال، وعيونٌ تلمع لا من التأثر فقط، بل لأنّ السيليكوز ما زال يسكن الصدور حتى بعد التقاعد، دون أن ينال كثيرون تعويضًا حقيقيًا عن مرضهم المهني maladie professionnelle.

هناك، وسط أكواب الصودا وفتات “البشكيطو”، يُختصر تاريخُ طبقةٍ كاملة:
رجالٌ صنعوا ثروة البلاد وهم يلبسون الخوذات، ويضعون الفوانيس "اللامبات"ثم غادروها بالجلاليب والرزّات البيضاء، كأنّهم يعودون أخيرًا إلى ذواتهم بعد عمرٍ كاملٍ من العيش تحت الأرض.

ومع ذلك…
لا أحد منهم كان يطلب المستحيل.
كان يكفيه فقط أن يشعر أنّ الوطن يتذكّره بأكثر من قنينة “مونادا”، وأنّ الرئة التي أكلها الغبار تستحق شيئًا أكثر من خطابٍ رسميٍّ وصورةٍ جماعية أمام طاولةٍ تتوسطها “المونادا” و”البشكيطو”

‏د ابراهيم عروش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى