شيماء حسين - إلى التاسعة...

جلست مع أذان الفجر، وسكون المدينة يعانق أطرافها. فتحت النافذة المُشرعة على منارة الجامع القريب، تنصت لآيات المؤذن تتسلّل مع خيوط الضوء الأولى كنقاء الوعد. رفعت رأسها نحو السماء، تحدّث النجوم كما اعتادت كل فجر، كأنها تبحث عن يقين ضائع بين مجرّات الغياب.
تمتمت بصوت يكاد يبتلعه الصمت:
ـ لماذا طلب رؤيتي في اللحظة الأخيرة؟ ما هو السرّ الذي أراد إيداعه في قلبي قبل أن يرحل إلى الأبد؟
ثم نظرت إلى فستانها الأسود المعلّق على الكرسيّ، حرصت أن يكون قِبلة الوداع، لعلّه يرى فيه فخامة الحزن الذي لا يُعلن.
تأملت وجهها في المرآة بمرارة:
ـ هل سيفرح حقًا برؤيتي بهذا الثوب الذي يليق بغيابه؟
ـ أم تراه نسي ملامحي بين زحمة الأيام وحقائب السفر ووعود العودة الكاذبة؟
ـ هل ما زال يفكر بي الآن بالقدر الذي يفترس تفكيري؟
أغمضت عينيها، ضغطت على جفنيها المهتزّين، وهمست كتثبيت لأرضٍ تهوي:
ـ لا، هو لي… كان هذا يقيني! كنت أقرأه في ومضة عينيه السريعة، في صمته الثقيل حين نلتقي، في ارتجاف كفّه حين يمرّ قربي كالشبح.
لكن الليل كان ماكرًا، ألقى في روعها ريشةً من شكّ، شعورًا بالحيرة يشبه طعم الغيرة القديمة. راحت تدور في غرفتها، كأنها تبحث عن بوصلتها الداخلية، عن يقينٍ فقدته بين وسادتها وأحلامها المتقطعة. كانت الدقائق ثقيلة، تئنّ كأجراس كنيسة موحشة.
رنّ الهاتف فجأة.
رقم غريب! رقم لم يُحفظ، لكن القلب عرفه قبل العين.
اقتربت منه بتردد غريب، ومع ذلك، رفعت السماعة بسرعة مذهلة، وكأنها تستجيب لنداء مصير:
ـ ألو؟ نعم، تفضل!
جاءها صوت هادئ، كأنه ينساب من أعالي الغيوم البعيدة، صوت محايد كأنه صوت القدر:
ـ أنا النجم الذي كنتِ تحدّثينه للتوّ يا حبيبة الفجر… أردت أن أذكّركِ أن الرحيل لا ينتظر المتأخرين. الساعة الآن التاسعة تمامًا، ولديكِ موعد نهائي مع من تحبين.
ارتجف قلبها لدرجة الهشاشة، وشحب وجهها كضوء شمعة تُطفأ بالريح. نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار، وإذا بها تدق التاسعة بالضبط.
صرخت وهي تقفز من السرير، وكأنّ صرختها مزّقت الغرفة:
ـ لا، مستحيل! كيف؟ كيف سقط الوقت من بين يديَّ؟
ركضت إلى النافذة، لكن السماء لم تكن هي سماء الفجر. النجوم تتحرك بسرعة جنونية، كأنها تتلاشى، تنسحب من مسارها بقرار نهائي.
سمعت صوته يهمس في الريح التي جاءت باردة فجأة:
ـ لو جئتِ قبل دقيقة… دقيقة واحدة فقط، لالتقت عيوننا بين الزحام الذي لا يتوقف.
صرخت باسمه، باسمه المجرد الذي حفظته، فلم يجبها أحد سوى الصدى المرير.
غير أن المنارة في الجهة المقابلة أضاءت فجأة نورًا أزرقَ غريبًا، ورأت ظلاً نحيلاً يشبهه واقفًا عند قاعدة الضوء، يلوّح لها بيده اليمنى تلوّيحًا مقتضباً كأنه إشارة نهاية.
ركضت حافية القدمين عبر الأزقة الباردة، والمدينة بدت لها كأنها تغفو تحت غيمة من دخان الشوق. كلما اقتربت من المنارة، ابتعد عنها الظلّ أكثر، صعد شيئًا فشيئًا، حتى اختفى في وهج السماء اللامتناهي.
وقفت تحت المنارة تلهث، تناديه باسمٍ أصبح الآن جزءاً من الماضي الذي لن يعود.
رفعت وجهها نحو الأفق البعيد،أيقنت رحل الأمل الأخير.
سمعت همسًا خلفها، صوتًا عميقًا كالهاوية يقول:
ـ تأخّرتِ يا حبيبتي… الرحيل هو الموعد الوحيد الذي لا ينتظر العاشقين.
استدارت، فلم تجد أحدًا. كان فراغًا أبيض.
سقط الفستان الأسود من يدها على التراب، وغمر وجهها البكاء الذي لا كرامة فيه.
تأملت السماء التي خلت من نجومها المُضيئة، والنافذة التي ما عادت تُطلّ على منارة الوعد، بل على ليلٍ أبكم لا يعرف طريقًا للعودة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن كل شيء قد رحل معه إلى التاسعة:
الأسئلة التي لم تُجب… والنجوم التي كانت دليلاً… والنوم الذي لن تعرفه…
وبقيت هي، سجينة "الدقيقة الفاصلة"، تراقب الغياب وهو يتمدد في قلبها كظلّ إلى الأبد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى