د. إيهاب بديوي * نزع الزينة عن العالم: الطقس والكابوس والهامش في قصص كرم الصباغ قراءة في مجموعة (طقوس نزع الزينة)

يكتب كرم الصباغ القصة القصيرة بوصفها حكايات نوعية ممتعة لها خصوصية، كما يكتبها بوصفها طقس حياتي له عناصر فنية خاصة. فالعالم في مجموعته طقوس نزع الزينة يتحرك وفق إيقاع داخلي كثيف، تتجاور فيه العتمة مع الرغبة، والموت مع الولادة، والجسد مع الخراب، والذاكرة مع الكابوس. الشخصيات في عالمه كائنات معذَّبة تتحرك داخل فضاءات مغلقة، كأنها تؤدي شعائر قديمة للفقد والانكسار.
في الأدب الحقيقي، تُقاس أهمية الكاتب بقدرته على خلق مناخٍ كاملٍ يظلّ عالقًا في الوعي بعد انتهاء القراءة. ومن هذه المنطقة تحديدًا يكتب كرم الصباغ؛ إذ تبدو قصصه طقسًا وجوديًا متكاملًا، عالمًا منزوع الزينة، خافت الضوء، تتحرك داخله الشخصيات كما لو كانت تسير فوق حافةٍ بين الحياة والكابوس. هنا لا يعود الواقع واقعيًا تمامًا، ولا يغدو الحلم حلمًا كاملًا، وإنما تتشكّل منطقة رمادية تشبه ما صنعه كافكا حين حوّل القلق الإنساني إلى بنية سردية، وما اقترب منه صامويل بيكيت في عالم الانتظار والفراغ، دون أن يفقد كرم الصباغ خصوصيته المحلية المنبثقة من الهامش المصري المعاصر بكل عزلته وخوفه وتشظيه الداخلي.
إن عالم المجموعة يقوم على الكائن المنكسر؛ الإنسان الذي يتحرك داخل خرائب نفسية واجتماعية لا يملك القدرة على تغييرها، لكنه يظل واعيًا بانهياره. لذلك تبدو شخصيات كرم الصباغ أقرب إلى (الناجين المؤقتين) منها إلى الأبطال التقليديين. إنها شخصيات تحمل تعب المدن الصغيرة، ووحشة الطبقات المهمّشة، وعطب العلاقات الإنسانية، وتكشف — دون خطابة — عن التآكل البطيء للروح تحت ضغط القهر اليومي.
كما سنرى حين نقرأ المجموعة في شخصيات حقيقية لكنها غامضة زمانا ومكانا في نفس الوقت مثل استحضار أرواح قديمة مكانية كسوق عكاظ وتاريخية مثل الخنساء ولبيد بن ربيعة وزهير بن ابي سلمى وغيرهم في واقع مستقبلي غامض داخل قصته ( نشيد الشمس).
كذلك في قصة (ترانيم الأوجاع) يتغول الكاتب في التاريخ وصولا إلى النعمان بن المنذر ويغوص في عالم أحداث وشخصيات متداخلة.
إذن لا تسير المجموعة على نمط سردي واحد. بل تتنوع الأفكار وتتداخل الحكايات وتتضافر مهام الكلمة واللغة لتأخذنا في عوالم مختلفة.

1778935037815.png

ومن هنا تأتي أهمية المجموعة؛ فهي تكتب الفقر باعتباره حالة وجودية، و تكتب العزلة باعتبارها مصيرًا نفسيًا. وهذا ما يمنح النصوص كثافتها؛ إذ تتحول التفاصيل العادية (غرفة ضيقة، جسد مرهق، نافذة، صمت طويل ) إلى علامات رمزية على خراب أعمق. ولعل هذه القدرة على تحويل اليومي إلى كابوسي هي ما يجعل عالم كرم الصباغ قريبًا من تيارات الأدب العالمي الحديث، خصوصًا أدب العبث والواقعية السوداء، لكنه يظل متجذرًا في الحساسية المصرية؛ في اللغة، والإيقاع، والبيئة، وطبيعة العلاقات المختنقة داخل المجتمع.
ويكتب كرم الصباغ من موقع الشاهد المأزوم. لذلك تبدو قصصه كما لو كانت اعترافات مبطّنة أكثر منها حكايات مكتملة. فالسرد لديه يسعى إلى إلى التعري؛ نزع الزينة عن العالم، وكشف هشاشته الداخلية. حتى اللغة نفسها تبدو متقشفة، حادة، مقتصدة، كأنها تخشى البلاغة الزائدة لأنها تعرف أن العالم فقد يقينه القديم، وأن الجمال نفسه صار مهددًا بالتآكل.
ومن اللافت أن هذا العالم القصصي، رغم انغماسه في المحلي، يمتلك قدرة واضحة على تجاوز الحدود الجغرافية؛ لأن القلق الذي يطرحه ليس قلقًا مصريًا خالصًا، بل قلق الإنسان المعاصر عمومًا: الخوف من العدم، فقدان المعنى، تشوه العلاقات، وتحول الإنسان إلى كائن معزول داخل عالم فاقد للدفء. ولهذا يمكن قراءة المجموعة بوصفها جزءًا من الحساسية السردية الجديدة التي تحاول إعادة تعريف القصة القصيرة العربية بعيدًا عن الحكاية التقليدية أو المباشرة الواقعية.
إن كرم الصباغ هنا يبني مناخًا كاملًا يُعاش؛ مناخًا تتجاور فيه الطقوس مع العطب، والهامش مع الكابوس، والإنسان مع ظله المكسور. وهذا تحديدًا ما يمنح تجربته أهميتها بوصفه واحدًا من الأصوات القصصية القادرة على التقاط التحولات الخفية في الروح المصرية المعاصرة، وتحويلها إلى أدب يمتلك بعدًا إنسانيًا يتجاوز لحظته المحلية الضيقة.
وعند تأمل عالم كرم الصباغ سرديًا، يمكن القول إن خصوصية تجربته تنبع من وقوعها في منطقة وسطى نادرة؛ فهو لا ينتمي بالكامل إلى الواقعية الاجتماعية التقليدية، ولا يذهب تمامًا إلى التجريب الذهني أو العبث الفلسفي الخالص، لكنه يخلق منطقة سردية هجينة تمتزج فيها قسوة الواقع اليومي بقلق داخلي دائم، بحيث تصبح الحياة نفسها أشبه بحلم متوتر أو كابوس بطيء. وهذه المنطقة تحديدًا هي ما يجعل تجربته قابلة للمقارنة بأصوات عالمية ومحلية كبرى، دون أن تفقد فرادتها الخاصة.
فعلى المستوى العالمي، يمكن استحضار عالم فرانتس كافكا بوصفه أحد أقرب الظلال الروحية إلى نصوص كرم الصباغ، ليس من حيث البناء الحكائي، وإنما من حيث الإحساس العميق بالاختناق والذنب الغامض والعجز أمام عالم فاقد للرحمة. فشخصيات كافكا غالبًا ما تُلقى داخل متاهة لا تفهم قوانينها، بينما شخصيات كرم الصباغ تبدو هي الأخرى محاصرة داخل واقع يومي خانق، لكنها تعرف جيدًا مصدر اختناقها؛ الفقر، التهميش، الوحدة، العطب العائلي، والانسحاق النفسي البطيء. هنا يتحول الكابوس من حالة رمزية مجردة إلى تجربة اجتماعية محسوسة.
ومن زاوية أخرى، يقترب عالمه من الحس العبثي لدى صامويل بيكيت، خاصة في الإحساس بالفراغ والتكرار والانتظار الطويل لشيء قد لا يأتي أبدًا. إلا أن بيكيت كان يدفع شخصياته إلى حدود التجريد الفلسفي الكامل، بينما يظل كرم الصباغ مشدودًا إلى التفاصيل الواقعية الصغيرة: غرفة ضيقة، جسد مرهق، حوار مبتور، شارع هامشي، صمت عائلي طويل. وهذه التفاصيل ليست خلفية للأحداث، بل هي جوهر المأساة نفسها، لأنها تكشف عن انهيار الإنسان المعاصر من الداخل دون حاجة إلى خطب أو شعارات.
وعلى مستوى القصة القصيرة المصرية المعاصرة، تبدو أهمية كرم الصباغ في أنه يواصل تطوير تيار (الواقعية الداخلية) أو (الواقعية الكابوسية) التي لا تعتمد على الحدث الكبير بقدر اعتمادها على المناخ النفسي. فهو يبني قصصه على التراكم الشعوري البطيء، وعلى خلق حالة من التوتر المكتوم الذي يظل يتصاعد حتى بعد انتهاء النص. وهذه سمة تضعه ضمن كتاب القصة الذين يراهنون على الأثر النفسي العميق أكثر من المراهنة على الحكاية وحدها.
ولهذا فإن تجربة كرم الصباغ يمكن قراءتها بوصفها إعادة تشكيل حديثة لأسئلة قديمة: كيف يعيش الإنسان داخل عالم فقد معناه؟ كيف يتحول القهر الاجتماعي إلى تشوه نفسي؟ وكيف يمكن للقصة القصيرة أن تصبح أداة لكشف العطب الخفي للحياة اليومية؟ ومن هنا تكتسب نصوصه أهميتها؛ لأنها تنقل القصة القصيرة من مجرد تسجيل الواقع إلى تفكيك طبقاته النفسية المعتمة، جاعلةً من الهامش الإنساني مركزًا حقيقيًا للرؤية الأدبية.
مدخل إلى عالم المجموعة الخاص
دخول قوي وواضح في العنوان، يعلن الكاتب مشروعه الرمزي: (نزع الزينة)يتجاوزالفعل المادي، إلى تعرية شاملة للعالم. فكل ما يبدو مستقرًا أو مزينًا أو مطمئنًا سرعان ما يتشقق:الأسرة تتحول إلى جبانة،الزفاف إلى مقدمة للفقد،الجسد إلى ساحة للعنف،الصحراء إلى متاهة،والسماء نفسها إلى كيان معادٍ.
بهذا المعنى، تنتمي المجموعة إلى ذلك النوع من الكتابة الذي لا تكفيه فكرةتمثيل الواقع، لكن يسعى إلى تفكيكه وكشف طبقاته الخفية، عبر لغة شعرية مشبعة بالحواس، وعبر بنية سردية تمزج الواقعي بالكابوسي، واليومي بالأسطوري.

1778935090395.png

أولًا: الطقس بوصفه بنية سردية
تكاد جميع قصص المجموعة تقوم على بنية طقسية واضحة؛ فالأحداث لا تتطور بشكل خطي، وإنما تتكرر وتتوالد في صورة شعائر جماعية أو فردية، تمنح النصوص طابعًا احتفاليًا حزينًا، أقرب إلى الطقوس البدائية.
- في قصة (عرائس العتمة) عن مأساة غزة تتحول الحرب إلى طقس موت جماعي، حيث يبدو القطاع كله تابوتًا ضخمًا، بينما تتكرر مشاهدالنبش وحمل الأشلاء والتكفين والانتظار والصراخ.
يقول القاص:
(كانت سيارات الإسعاف وسيارات الأهالي وعربات الكارو بالأشلاء الممزقة، وسرعان ما أفرغت حمولاتها في جوف ثلاجات باتت تضج بالقتلى.)
المشهد هنا يُقدَّم بوصفه شعيرة متكررة للموت، تتجاوز الفرد إلى الجماعة كلها.
- وفي قصة(ياسمين) يتحول انتظار المولود الذكر إلى طقس اجتماعي ضاغط، يختلط فيه الموروث الشعبي بالخوف والعار والتمييز الجندري. حتى الولادة نفسها تُقدَّم بوصفها حدثًا كونيًا تهتز له الدار كلها:
(الصراخات تعلو، تصل إلى عنان السماء، ثم تخفت شيئًا فشيئًا إلى أن تتلاشى، ويحل محلها صرخات المولود.)
- أما في قصة(أعراس الجبانة) فيبلغ الطقس ذروته؛ إذ يتحول الزواج إلى شكل من أشكال الدفن الرمزي للمرأة، وتغدو الدار نفسها “جبانة” مغلقة:
(أخبرتُها بأنني ميتة، وبأن دارنا جبانة لا تدخلها شمس أو هواء.)
وهنا تتقاطع كتابة كرم الصباغ مع العالم الرمزي عند إبراهيم الكوني، حيث تتحول الأفعال اليومية إلى شعائر وجودية، ومع غرائبية الريف لدى محمد مستجاب، لكن الصباغ يمنح هذه الطقوس كثافة جسدية وعاطفية أكثر قسوة.
ثانيًا: الكابوس وتحلل الواقع
العالم في هذه المجموعة ليس واقعيًا بالكامل، ولا غرائبيًا بالكامل؛ إنه عالم متشقق، تتداخل فيه الحقيقة بالهلاوس، والواقع بالأحلام السوداء.
- في قصة (مخاض) مثلًا، يبدو الرجل الهرِم الذي يدفن الطيور الحية أقرب إلى كائن أسطوري خرج من ذاكرة بدائية موغلة في القدم:
(ويبدأ في نبش الأديم بأظفاره الطويلة الملتفة، ويصنع بعد فترة حفرًا صغيرة متجاورة، يلقي داخلها الطيور الحية، ويهيل الرمال عليها)
هذا المشهد لا يمكن تفسيره عقلانيًا، لأنه يخلق مناخًا كابوسيًا يذكّر بعوالم فرانز كافكا، حيث يتحول العالم إلى فضاء عدائي غامض، لا يمكن الإمساك بمنطقه.
- وفي قصة(طلاسم) يبلغ الكابوس ذروته مع مشهد الرأس المقطوع:
(ويروعه تطابق الملامح، ويُخيَّل إليه أن ما بين ركبتيه رأسه هو)
هنا يتجاوز الرعب بعده الواقعي، ليدخل منطقة التحلل النفسي والوجودي، حيث يفقد الإنسان يقينه بذاته وجسده وحدود العالم من حوله.
كما أن العتمة تتكرر بوصفها عنصرًا بنائيًا دائمًا:
سماء معتمة،غرف باردة،صحراء مظلمة،شوارع مخنوقة بالدخان.
وكأن الشخصيات تتحرك داخل ليل أبدي.
ثالثًا: الجسد بوصفه ساحة للعنف
من أهم ما يميز عالم كرم الصباغ حضوره الجسدي الكثيف. فالجسد هنا هو مركز الألم كله.
في قصة(عرائس العتمة) يتحول الجسد الفلسطيني إلى مادة للتمزق والتشظي:
(اختلطت أشلاؤها بعضها ببعض، وأنى لمنتشليها التمييز في مثل هذه الليالي الحالكة؟)
وفي قصة (رقصة وجع لفراشة وحيدة) يصبح الجسد المعاق رمزًا للحرمان الوجودي:
(تمد يديها المرتعشتين، تلتقط عكازيها، تتوكأ عليهما، تلامس قدماها المرتخيتان الرمل)
أما المرأة في المجموعة، فهي غالبًا جسد محاصربالقهر،بالعادات،بالخوف،
أو بالرغبة الذكورية العنيفة.
في قصة(دم اللذة) يتحول الجسد الأنثوي إلى موضوع افتراس اجتماعي:
(كان ينظر إليهن دائمًا على أنهن صيد مستباح.)
وهنا يقترب الصباغ من القسوة الرمزية عند زكريا تامر، لكنه يضيف إليها حساسية شعرية تجعل الألم أكثر بطئًا وعمقًا.
رابعًا: الهامش بوصفه مركز العالم
ما يلفت في هذه المجموعة أن الكاتب لا ينشغل بالمركز الاجتماعي أو السياسي الذي يشغل معظم الكتاب، هو يتحرك دائمانحو الهوامش:
غزة،النجع،التراحيل،النساء،الأطفال،المرضى،المنسيين.
الهامش هنا هو مركز الرؤية نفسه.
في قصة(دم اللذة) يقدم عالم التراحيل بوصفه عالمًا هشًا، يعيش على الخوف والتبعية:
(هم رحّل نزح آباؤهم من قرى بعيدة مزدحمة، ضاق العيش عليهم، فخرجوا يطلبونه في أرض جديدة)
وفي قصة(أعراس الجبانة) تتحول الفتاة المحرومة من التعليم إلى صوت احتجاج مكتوم ضد سلطة العائلة والذكورة:
(الأمن والحماية لديه لم يكونا سوى حجب الهواء والشمس عني)
بهذا المعنى، فإن كرم الصباغ يواصل تقاليد الجنوب والهامش عند يحيى الطاهر عبد الله، لكنه يمنحها بعدًا أكثر قتامة وكابوسية.
خامسًا: موقع كرم الصباغ في القصة المصرية المعاصرة
تكشف هذه المجموعة أن كرم الصباغ صاحب عالم سردي متكامل، لهلغته الخاصةوصورهوطقوسهومناخه النفسي.
أهمية الصباغ تأتي من قدرته علىالمزج بين الشعرية والعنف،وتفجير الطاقة الرمزية للهامش،وتحويل القصة القصيرة إلى مناخ كامل، لا مجرد حكاية.
كما أنه ينتمي إلى ذلك التيار الذي أعاد للقصة القصيرة المصرية كثافتها الجمالية بعد سنوات من السرد التقريري المباشر.إنه يكتب بعين شاعر، لكن بروح قاص يعرف جيدًا كيف يصنعالتوتروالاختناقوالإيقاع الداخليوالصورة الحسية الصادمة.
إذن في عالم طقوس نزع الزينة لا تسقط الزينة عن الأشياء المادية فقط. لكنها تتعرى عن الإنسان نفسه. كل شيء هنا يتعرىالجسد والعائلة والقرية والحربوحتى السماء.ولهذا تبدو قصص كرم الصباغ وكأنها محاولة مستمرة لكشف اللحم العاري للعالم؛ عالم مثقل بالرعب والفقد، لكنه ما يزال يحتفظ في أعماقه بومضة إنسانية خافتة، تقاوم الانطفاء.
في المحصلة، تبدو تجربة كرم الصباغ في هذه المجموعة أقرب إلى مشروع سردي واعٍ يبني رؤية متكاملة للعالم بوصفه بنية مائلة نحو الانكسار. وتتجلى قوة هذا المشروع في ثلاثة مستويات مترابطة: العنوان، واللغة، والبناء الدرامي.
فعلى مستوى العنوان، يعمل النص القصصي بوصفه عتبة دلالية كثيفة تُمهّد للقراءة وتؤطرها نفسيًا قبل الدخول إلى المتن. فالعناوين في هذه المجموعة مشحونة بإيحاءات الطقس والكشف والانكشاف، وكأنها تضع القارئ منذ البداية داخل حالة تأويلية لا تنفصل عن جو النصوص. إنها عناوين تُحيل إلى مناخ أكثر مما تُحيل إلى حدث، وإلى إحساس أكثر مما تُحيل إلى حكاية.
أما اللغة، فهي أحد أهم مفاتيح التجربة؛ إذ تتسم بقدر واضح من الاقتصاد والتكثيف، دون أن تفقد قدرتها على خلق صور حسية حادة. إنها لغة تتجنب الزخرفة، وتراهن على التوتر الداخلي للكلمة، وعلى قدرتها على الإيحاء أكثر من التصريح. ومن هنا تأتي قوتها: فهي لغة لا تشرح العالم، لكنها تتركه مكشوفًا في هشاشته، وتُبقي المسافة مفتوحة بين القول وما لا يُقال، بين الظاهر وما يتآكل في العمق.
وعلى مستوى البناء الدرامي، تعتمد القصص على منطق التراكم بلا مفاجآت، وعلى تصعيد الإحساس لا الحدث. فالحبكة ليست هدفًا بقدر ما هي وسيلة لخلق مناخ نفسي متصاعد، ينتهي غالبًا عند نقطة توتر دون الوصولإلى حلّ تقليدي. وهذا ما يمنح النصوص طابعها الكابوسي الهادئ؛ إذ تبدو الأحداث بسيطة في ظاهرها، لكنها تتكثف تدريجيًا لتكشف عن بنية داخلية مضطربة، حيث يتحول الحدث اليومي التقليديإلى حامل دائم للقلق، ويتحول الصمت إلى عنصر درامي فاعل.
وهكذا، فإن أهمية المجموعة تتعدى نوعية موضوعاتها الخاصة، وصولا إلى طريقة تشييدها فنيًا؛ إذ ينجح كرم الصباغ في تحويل عناصر السرد الأساسية — العنوان، اللغة، والبناء — إلى منظومة واحدة تعمل بتناغم لخلق عالم قصصي متماسك، شديد الحساسية، وقادر على تمثيل التحولات العميقة في التجربة الإنسانية المعاصرة، محليًا وإنسانيًا في آنٍ واحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى