هالة

أنا آسفة... لكنني سأفعل ما تريد.

هكذا قالت هالة لعادل زوجها، ثم همست لنفسها في أسى:
"ربما أنا فعلًا سيئة."

"ربما أنا السبب."

"ربما لا أستحق أكثر."

كانت هالة تجلس وحدها بعد نوم الجميع، تنظر إلى فنجان الشاي البارد، وتحاول أن تتذكر آخر مرة شعرت فيها أنها على حق، فلم تستطع.

أغلقت عينيها، وراحت تفتش في السنوات، كأنها قضت عمرًا كاملًا داخل محكمة، وعادل هو القاضي، وهي المتهمة.

وفي النهاية… نسيت التهمة، لكنها ظلت تعتذر.

لم تكن تخاف غضبه، بل كانت تخاف خيبة رضاه.

والفرق كبير.

فالغضب ينتهي، أما السعي لإرضاء من لا يرضى، فهو حفرة بلا قاع.

نظرت إلى صورتها القديمة.
المعلقة على الحائط
كانت تضحك، ضحكة صافية لا تعرف متى اختفت.

هي امرأة تجاوزت الخمسين، أنجبت ، وربّت ، ووقفت في ظهر الجميع، وحين التفتت إلى نفسها لم تجدها

عادل زوجها رجل محترم، هذا ما يقوله الجميع؛ ناجح في عمله، هادئ في حديثه.
وكلما اشتكت منه أمام نفسها، شعرت بالذنب:
كيف تشتكين من رجل كهذا؟ ماذا فعل أصلًا؟

في إحدى الليالي، جلسا يتناولان العشاء.

قالت هالة:

ــ أفكر أن أزور أختي يومين.

رفع عادل عينيه، ثم ابتسم.

ــ طبعًا.

صمت قليلًا، ثم أضاف:

ــ إن كنتِ ترين أن ترك البيت والأولاد في هذا الوقت تصرف مسؤول.

سكتت، وشعرت بالذنب.

قالت بسرعة:

ــ لا... لا أقصد الآن.

قال:

ــ افعلي ما تشائين.

لم يمنعها، ولم يرفض، لكنه جعلها تعتذر عن فكرة كانت تبدو في نظرها، قبل دقائق عادية.

كل قرار تريده… يبدو أنانيًا.

كل رغبة تخصها… تبدو تقصيرًا.

كل اعتراض… يصبح قلة تقدير.

وكل ألم… مبالغة.

في إحدى المرات قالت له:

ــ أشعر أنك لا تسمعني.

نظر إليها مندهشا

ــ أتحدث فلا أشعر أنك تفهمني.

ابتسم.

ــ بل أفهمك أكثر مما تفهمين نفسك.

فجأة قالت الابنة الصغرى:

ــ أمي كانت دائمًا تتنازل.

وقال أحد الأبناء:

ــ صحيح.

أمي لا تحب المشاكل.

ضحك عادل.

وقال:

ــ أمكم طيبة جدًا، لذلك كانت الحياة سهلة معها.

ضحكوا جميعًا.

إلا هي

شعرت ببرودة تمر في قلبها، إذ سمعت لأول مرة الحقيقة متخفية داخل المديح.

الحياة كانت سهلة معها… لأنها هي من دفعت الثمن.

في تلك الليلة لم تنم.
، عادت بذاكرتها....
سنة وراء سنة، وفجأة رأت عمرها كاملًا...

كم مرة تنازلت؟

كم مرة صمتت؟

كم مرة اعتذرت؟

كم مرة أقنعت نفسها أن ما تشعر به خطأ؟

أنها لم تعد تدرك تحديدا ماذا تحب، وماذا تكره !!

لم تكن تعرف… حقًا لا تعرف.

كأن امرأة أخرى عاشت مكانها طوال هذه السنوات؛ امرأة تأكل ما يطلبه عادل، تزور من يحبه، تؤجل ما لا يفضله، وتقتنع بما يراه.

حتى صار صوتها الداخلي خافتًا إلى درجة لم تعد تسمعه.

لم يغضبها أن أبناءها لم يفهموا، بل أن أحدًا لم يكن قادرًا على الفهم.

لقد نجحت في إخفاء جراحها حتى صار الألم بلا شهود.

حتى الذين خرجوا من قلبها.

حتى الذين سهرت لأجلهم الليالي.

كانوا يظنون أن كل شيء سهل.

وهي وحدها تعرف عدد المرات التي بكت فيها، وعدد المرات التي ابتلعت فيها الكلمات، وعدد المرات التي نامت فيها وقلبها ممتلئ بجمل لم تُقل

متى آخر مرة قالت: "أنا أريد" دون أن تتبعها بجملة تبرير؟

حاولت أن تتذكر، فلم تجد.

كأن حياتها كلها كانت صياغة طويلة لجملة واحدة:

"أنا آسفة... لكنني سأفعل ما تريد."

أنها لا تتذكر نفسها قبل عادل.

كل شعور يمر عليها كان يمر أولًا من خلاله:
فإن قبله اطمأنت، وإن رفضه خافت.

***

في الصباح وقفت أمام المرآة طويلًا.

نظرت إلى وجهها، إلى التجاعيد الخفيفة، إلى الشعر الذي غزاه الشيب.

ثم سألت نفسها:

من أنا؟

حين عاد عادل مساءً وجدها قرب النافذة،

قال:

ــ ماذا بك؟
_ لا شيء.

في الأيام التالية كانت تخرج كثيرًا وحدها.

***
فتحت هالة درجًا قديمًا، ووجدت دفترًا صغيرًا لم تتذكره، لكن الخط كان خطها.

قرأت:

“أحب السفر.”

بيد أنها، لم تغادر المدينة منذ سنوات.

“أكره الصراخ.”

لكن حياتها صارت صمتًا يُشبه الانصياع.

“أريد أن أرسم.”

إلا أن أحدًا لم يسألها يومًا ماذا تريد.

***

في الصباح استيقظ عادل ،وكعادته قبل الذهاب إلى عمله، انتظر فطاره الخفيف ، مع فنجان قهوة الصباح

هالة كانت في المطبخ تعد القهوة ببطء غير معتاد.

جلس على الطاولة... لم يجد فطاره المعتاد، قال:

ــ أين تذهبين كل يوم ؟
ــ لا شيء يستحق الشرح.
ــ هل هناك مشكلة بيننا؟

نظرت إليه طويلًا، كأنها تراه لأول مرة بلا خوف، ثم عادت إلى عملها في المطبخ.
توقفت عن الاعتذار التلقائي، وعن تفسير كل شيء.
كان عادل يراقب ذلك في صمت، يشعر بشيء يسير على غير ما اعتاد.

قال:

ــ أنتِ تغيرتِ.

أجابت:

ــ لا.

قال عادل في عصبية : هالة... ماذا تريدين؟
همست هالة :
ــ أريد...
وتوقفت.
انتظرت الكلمة التالية.
لم تأت.
حاولت مرة أخرى.
ــ أريد...
ثم صمتت.
وكأنها أدركت شيئًا أفزعها.
أنها طوال سنوات لم تكن تقول:
"أنا أريد."
كانت تقول:
"كما ترى."
"كما تحب."
"كما تشاء."
"لا مشكلة."

قال لها عادل وكأنه يقرأ أفكارها :

ــ ستتعبين من هذا التفكير.

كانت تنظر إلى القهوة وهي تغلى ببطء
أطفأت النار،وضعت فنجان القهوة أمامه ولم تنبس بكلمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى