كرم الصباغ - الغول حين يغادر حكايته... قراءة في البنية التجريبية واللغة السردية والفانتازيا في رواية غول الحكاية الثامنة للروائي محسن يونس

استهلال:
تجدر الإشارة في البداية إلى أن الروايات تتباين فيما بينها؛ فثمة روايات ينصرف جل اهتمام كاتبها إلى الحكاية؛ ليرويها، وثمة روايات أخرى تتلاعب بعناصر بنية الحكاية، وحبكتها، فصارت تتكئ على بنية متفجرة ومجزأة، وصار من سماتها كسر الخطية الزمنية عبر تقنيات الاسترجاع والاستباق وتنحية المنطق الرياضي السائد لحساب منطق خاص يبتكره المؤلف بما يتوافق مع الواقعية السحرية والأدب الفانتازي والسرد الغرائبي والسرد العجائبي؛ إذ لم تعد الحكاية غاية في حد ذاتها، بل أضحت وسيلة لطمس الحدود بين الخيال والواقع، ووسيلة لطرح الأسئلة حول طبيعة السرد، وزيف الحقيقة المطلقة والسرديات الكبرى؛ إذ لم تعد الرواية تعتمد على السارد العليم وحده، بل أفسحت المجال لتعدد الأصوات ( البوليفونية)، بل ظهرت في بعض الأحيان آليات القص ذاتها ( الميتاسرد) وصار من المباح أن يعترف السارد بأن ما يرويه هو مجرد لعبة تخييلية ضاربًا بمبدأ الإيهام بالواقع عرض الحائط، الأمر الذي يترك القارئ في حالة من الحيرة والشك واللايقين، وصار من سمات الرواية الجديدة اعتمادها على التهجين والتداخل ما بين الأسطورة والواقع والثقافة الشعبية، وصار من سماتها أيضا اللجوء إلى السخرية، وتهشيم القواعد الصارمة التي فرضتها الرواية الكلاسيكية والرواية الحديثة.
وبالعودة إلى رواية "غول الحكاية الثامنة" نكتشف أن تلك الرواية تنتمي إلى النوع الثاني؛ إذ لا تنشغل بتطوير أحداث حكاية شعبية أو إعادة إنتاج شخصية تراثية معروفة، بقدر ما تنشغل بتفكيك مفهوم الحكاية ذاته، واستنطاق العلاقة بين النص وشخصياته، وبين الواقع والمتخيل. فمنذ اللحظة الأولى لا يجد القارئ نفسه أمام غول يقتحم العالم، بل أمام حكاية تتمرد على شروط وجودها، وشخصية ترفض البقاء داخل الحدود التي رسمها لها السرد الشعبي؛ لهذا يبدو المشهد الافتتاحي، حيث يتهاوى المبنى تحت وقع الزلزال، أكثر من مجرد افتتاح درامي؛ فهو صورة رمزية لانهيار البناء الحكائي نفسه؛ فالتصدع الذي يصيب المدينة يوازي التصدع الذي يصيب الحكاية بعد خروج الغول منها؛ ومن هنا يكتسب قول الراوي: "رستم سلتوم ما هو إلا غول حكاية من الكلمات التي تصنع أحداثًا، يتخللها صراع ما بين شخصياتها، وسوف تتبدد في الهواء كالكلمات التي نلفظها" أهمية خاصة؛ لأنه يقدم المفتاح الذي يمكن من خلاله قراءة الرواية كلها؛ فالنص منذ هذه اللحظة لا يكتفي بسرد الأحداث، وإنما يتأمل شروط إنتاجها، ويجعل من الكتابة نفسها موضوعًا للسرد.
الحكاية الشعبية الشفاهية بين التدوين وإعادة الخلق
يذهب الفيلسوف الألماني والتر بنيامين (Walter Benjamin) في مقالته الشهيرة "الحكواتي" (The Storyteller) إلى أن انتقال الحكاية من المجال الشفاهي إلى المجال الكتابي قد يغير طبيعتها ووظيفتها معًا، إذ كانت الحكاية الشفاهية تولد من قلب التجربة الجماعية الحيّة، بحيث يتواجد راوٍ ينسج خبرته وحكمته وينقلها حية إلى المستمعين، كبحار قادم من بلاد بعيدة غريبة، أو فلاح مستقر، أما بعد ظهور الطباعة وانتشار التدوين تحول الحكاء إلى كاتب، وصارت الحكاية نتاج عزلة الكاتب عن حيوات ومجالس المستمعين، وهو ما نراه بوضوح في رواية" غول الحكاية الثامنة"؛ إذ يصبح التدوين نفسه سببًا في الكارثة التي ستقع لاحقًا بخروج الغول من نصه.
وتنبع فرادة الرواية من أنها تحول الحكاية الشعبية من مادة تُروى إلى مادة يُفكَّر فيها. فالراوي ليس بطلًا تقليديًا يتحرك داخل الأحداث، وإنما باحث في التراث الشعبي يجمع الحكايات ويدونها ويفحصها؛ ولذلك لا نتابع الحكاية وحدها، بل نتابع أيضًا عملية تشكلها وانتقالها من المشافهة إلى التدوين. وحين يروي لحظة ظهور الغول قائلًا: "كنت في مكتبي بالشقة التي أقطنها بعد منتصف الليل... أدوّن كلماتها على ورق... وعندما سمعت عبارة: كان هناك غول... ثم رأيت المسجل يُرجع الشريط إلى الخلف... ورأيته متجسدًا، عاريًا وسيمًا يبتسم لي، وهو يتمطى بشدة"
فإننا نكون أمام واحدة من أكثر اللحظات تجريبية في الرواية؛ إذ تتحول الشخصية من كائن لغوي إلى كائن قادر على تجاوز اللغة التي صاغته. هنا يغادر الغول النص الذي وُلد فيه، فتتحول الحكاية من وعاء يحتوي الشخصية إلى فضاء تعجز عن احتوائه.
ولا يقدم الكاتب هذا الخروج بوصفه لعبة عجائبية عابرة، بل بوصفه أزمة وجودية تصيب النص نفسه؛ ولهذا يأتي المقطع اللافت: "عندما يخرج غول من الحكاية لا تُعدّ حكاية، يحدث اضطراب في متنها، فلا يجد أحد لها بداية، ولا يجد نفس هذا الأحد للحكاية نهاية." وبتأمل المقطع السابق يمكننا النظر إليه باعتباره توصيفًا لبنية الرواية كلها؛ فالأحداث لا تتقدم وفق يقين سردي مستقر، وإنما داخل حالة من الاضطراب الخلاق الذي تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الحكاية والواقع، وبين المؤلف والشخصية، وبين النص وتأويله.
غول الحكاية الثامنة والتجريب وكسر المركز السردي:
"أدت نظريّة “موت المؤلّف” للفيلسوف والناقد الأدبيّ الفرنسيّ رولان بارت (Roland Barthes 1915 – 1980) في مقاله الصادر عام 1968 إلى نسف السائد، وذلك في إطار سعيه حينها، إلى إكمال ما بدأه منظرو البِنيويّة، حين خالفوا ما قامت عليه أسس النظريّة الكلاسكيّة والحداثيّة في النقد، وانطلقوا في ثورة ما بعد الحداثة، فكرًا، وفنًّا، وأدبًا، وقد أتت نظريّة البِنيويّة لتقول أن المرجع الواقعي لا يدخل عالم النصّ كما هو، رافضة نظريّة الانعكاس، مستبدلة بها نظريّة الانكسار التي ترى أنّ تعديلًا أساسيًّا يطال المرجع عبر إعادة تشكيل، تتمّ وفق رؤية الأديب إلى العالم." (١) ثم أضاف رولان بارت في المرحلة ما بعد البنيوية أعماله التي دعت إلى زعزعة المركز سواء في المعرفة أو اللغة أو السلطة، مقوضاً النزعة المركزية الغربية التي تعتمد على مفاهيم مطلقة وثابتة، وتتبلور فلسفته في زعزعة هذه المراكز عبر عدة محاور، أولها موت المؤلف، حيث رفض بارت فكرة أن النص الأدبي يدور في فلك "المؤلف" باعتباره المركز الأوحد الذي يمتلك الحقيقة والمعنى، ففي مقالته الشهيرة "موت المؤلف"، أعلن بارت تحرير النص من سلطة منتجه، ونقل مركز الثقل إلى القارئ الذي أصبح شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، مما أدى إلى تعددية دلالية لا نهائية، ومرجع ذلك رؤيته أن " القدرة الإبداعية المثالية تدعو إلى التحرر من قيود التأليف الأدبي، كما تدعو إلى حرية الكتابة والقراءة؛ لذا، فإن موت المؤلف يُفضي إلى ظهور القارئ، بهدف التخلص من تعقيدات القراءة وقيودها، التي تُرسّخ الولاء لأصلٍ أو معنىً موحد أو هويةٍ أو أي واقعٍ خارجي أو داخلي مُسبق. في الواقع"(٢).
أما المحور الثاني الذي دعا إليه رولان بارت لزعزعة المركز، فيتمثل في تفكيك الأساطير أو زعزعة اليقين؛ ففي كتابه "أساطير"، عمل على زعزعة المسلّمات والأيديولوجيات السائدة في المجتمع الاستهلاكي (كالإعلانات والصورة النمطية)، وكان هدفه من وراء ذلك هو كشط سطح "الطبيعة" لكشف "التاريخ" خلفها، وإظهار أن الحقائق المطلقة ليست سوى بناءات اجتماعية وثقافية قابلة للانهيار. أما المحور الثالث فيتمثل في نقد المركزية اللغوية (السيميولوجيا والكتابة)؛ حيث أخضع بارت اللغة للمساءلة عبر مشاريعه البنيوية وما بعد البنيوية؛ ففي عمله "الدرجة الصفر للكتابة"، سعى لتخليص الأدب من الطبقات الأيديولوجية المهيمنة وإيجاد لغة محايدة تتجاوز مركزية الشكل التقليدي؛ إذ يرى أن " الكتابة يجب أن تتحرر من جميع القيود والأفكار والمعتقدات السَّالفة، وهذا المعنى يفسره استخدام بارت المركب الإضافي "درجة الصفر" فالصِّفرُ دائماً منفرد ومتحرر من القيود طالما أنه لم يرتبط بقيمة عددية أخرى." (٣) أما المحور الرابع عند بارت المتعلق بزعزعة المركز؛ فيتمثل في مفهوم "لذة النص" كتحرر من مركزية المعنى الوظيفي نحو الاستمتاع بجماليات اللغة ذاتها، وخلاصة القول إن مشروع بارت ما بعد الحداثي ينبني في الأساس على الدعوة المستمرة إلى زعزعة كل بنية تدّعي الكمال، والاستعاضة عن ذلك بتفكيك المراكز والاحتفاء بالتعدد والاختلاف.
وبالاتكاء على الأسس النظرية السابقة نستطيع أن نقول: " إن رواية "غول الحكاية الثامنة" رواية ما بعد حداثية بامتياز؛ إذ تتجلى فيها النزعة التجريبية؛ فمحسن يونس لا يوظف الفانتازيا لمجرد الإبهار، بل يجعلها وسيلة لتفكيك المركز السردي نفسه؛ فالغول الذي كان يمثل مركز الحكاية الشعبية يغادرها، والراوي الذي يفترض أنه يمتلك سلطة التدوين يفقد السيطرة على مادته الحكائية، بينما تتحول الحكاية إلى فضاء مفتوح تتجاور داخله مستويات متعددة من الخطاب: الحكاية الشعبية، والسرد الروائي، والتأمل الفلسفي، والسيرة الذاتية للراوي، والتعليق النقدي على فعل الكتابة أو ما يطلق عليه " الميتاسرد"؛ ولعل هذا ما يمنح الرواية طابعها الخاص؛ إذ تبدو أقرب إلى مختبر سردي تتجاور فيه الأجناس والأنماط التعبيرية دون حواجز صارمة؛ فالقارئ لا يقرأ حكاية عن غول فحسب، بل يقرأ أيضًا حكاية عن الحكاية، وعن قدرة النص على مساءلة ذاته. يقول الراوي : "الآخرين الموجودين معه في نصها، لا أحد منهم يستطيع تجاوز حدوده المرسومة له سلفًا من فعل أو قول، الحكاية مضبوطة ضبطًا أبديًا مثل دوران الأرض حول الشمس.." ويقول: "ألم يكن لديك طريقة ما لإرجاعه إلى حكايته، عندما هممت بدراستها، ومنعه من الهروب منها، وانتهاء وجودها؟"
الغول وإعادة كتابة الأسطورة:
القارئ يقرأ إذن حكاية عن حكاية والنص عند محسن يونس ينخرط في مساءلة ذاته، ويزداد هذان البعدان وضوحًا من خلال الطريقة التي أعاد بها الكاتب تشكيل شخصية الغول؛ فالغول هنا لا يظهر بوصفه الوحش الأسطوري الذي اعتادت الحكايات الشعبية تقديمه، بل بوصفه كائنًا يمتلك وعيًا بتاريخ تمثيله داخل المخيلة الجمعية؛ ولذلك نجده يحتج على الصورة التي رسمتها له الحكايات قائلًا: "كانوا يزيدون من حجم الرعب بحضوري أنا الغول... وبعضهم كان يتبول على نفسه... هنا يضحك الكبار من البشر... هذا الدور الحقير كنت أقوم بأدائه في الحكاية الغابرة." ومن خلال المقطع السابق يتضح لنا أننا لسنا أمام غول يثير الرعب، بل أمام شخصية تعيد قراءة تاريخها وتراجع الدور الذي فرضته عليها المخيلة الشعبية، وبهذا المعنى يتحول الغول من موضوع للحكاية إلى ذات ناقدة للحكاية، ومن رمز للخوف إلى كائن يفكر في صورته داخل الوعي الجمعي.
وظيفة الفانتازي في "غول الحكاية الثامنة"
من المنطلق السابق تكتسب الفانتازيا في رواية "غول الحكاية الثامنة" وظيفة تتجاوز حدود العجائبي التقليدي؛ فهي لا تُستخدم للهروب من الواقع أو بناء عالم بديل له، وإنما تصبح أداة لفهم الواقع نفسه؛ فالغول حين يتجسد أمام الراوي، ويعلن وجوده لا يخرق قوانين الطبيعة فحسب، بل يخرق أيضًا قوانين السرد ذاته؛ ولذلك فإن مصدر الدهشة لا يكمن في وجود الغول بقدر ما يكمن في كونه شخصية خرجت من النص الذي يحتويها.
هذا ويتسع الأفق الفانتازي أكثر حين تصبح اللغة والمعرفة ذاتاهما عرضة لسلطة الغول، يقول مهددًا الراوي: "يمكنني أيها الباحث الدارس المدوّن والمحلل للحكايات الشعبية أن أصيبك بلعنة، كل كتاب تفتحه لتقرأ فيه، لن تجد سطوره، ستكون كلمات الكتاب وسطورُه في جسد الظلام." ولا يخفى ما تنطوي عليه الصورة السابقة من دلالة رمزية عميقة؛ فالتهديد هنا لا يطال الجسد، وإنما يطال المعرفة نفسها، وكأن الغول لم يعد وحشًا يلتهم البشر، بل قوة قادرة على ابتلاع المعاني ومصادرة الحقيقة؛ ولهذا تتجاوز الفانتازيا حدود الخرافة؛ لتغدو أداة نقدية تكشف ما قد يعجز السرد الواقعي المباشر عن كشفه.
وتتأكد هذه الرؤية في قول الراوي: "إنها الحكاية الثامنة التي بدأت وقائعها خارج نص الحكاية الأصلية، إلى أرض الواقع في المدينة الكبرى التي أعيش فيها."؛ فالحكاية لم تعد فرعًا من الواقع، بل أصبحت قوة قادرة على إعادة تشكيله، وهنا يبلغ التداخل بين الواقعي والعجائبي ذروته، بحيث يصبح من العسير الفصل بين ما ينتمي إلى عالم الحياة الواقعية وما ينتمي إلى عالم الأسطورة.
لغة " غول الحكاية الثامنة"
تعدُّ اللغة واحدة من أهم عناصر نجاح رواية "غول الحكاية الثامنة"؛ فقد استطاع الكاتب أن يخلق توازنًا دقيقًا بين لغة الحكّاء الشعبي ولغة التأمل الفلسفي؛ فاللغة لا تستقر على مستوى واحد، وإنما تتحرك بين السرد والحوار، وبين السخرية والحكمة، وبين التعبير اليومي والصورة الشعرية، ويتجلى ذلك في قول الغول: "الحياة، يا أبا الفهم والمفهومية، مملوء زنبيلها بالصدف، وإذا كانت مكروهة في الفن والأدب، فالحياة تعشقها."
ففي هذه العبارة تتجاور النبرة الشعبية مع التأمل الفكري في صياغة واحدة، ويقول أيضا في لغو تتسم بالشعرية: "حاولت في حلمي أن أكون لونًا داخل لوحة كبيرة وواسعة، تحتوي كل الألوان الأساسية والألوان المشتقة معًا، في تجاور وانسجام، مع إيماني بحتمية وجود النور والظل.."
الحوار في غول الحكاية الثامنة
يؤدي الحوار في الرواية التي بين أيدينا دورًا يتجاوز الوظيفة الدرامية المعتادة؛ فالحوار بين الراوي والغول ليس تبادلًا للكلام بقدر ما هو صراع بين رؤيتين للعالم: رؤية تؤمن بالتفسير والعقل والنظام، وأخرى تنتمي إلى الخيال والانفلات والاحتمال المفتوح. ومن هذا التوتر تتولد الأسئلة الكبرى التي تشغل الرواية على شاكلة: من يملك الحكاية؟ هل الشخصية أسيرة النص الذي أنشأها؟ وهل يستطيع المتخيل أن يصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا من الواقع نفسه؟ نقرأ معا: "صحت: من أنت؟!
أجابني بصوت ضاحك: وهل هذا سؤال يا مدوّن ودارس الحكايات؟! أنا الغول، يا مدوّن ودارس الحكايات." و نقرأ أيضا:
"-هذا قمة الجنون!
-أنت تقول قمة الجنون؟ هه؟ اثبت عند قولك: قمة الجنون؟ وهل يا محترم تعاكس اتجاه الريح، وتنكر أن قمة الجنون تمكننا من مواصلة العيش؟
خاتمة
في خاتمة قراءتي تلك أستطيع أن أقول: إن النظر إلى الغول في الرواية التي بين أيدينا بوصفه شخصية أسطورية فحسب نظرة قاصرة؛ فهو يتجاوز معناه المباشر ليصبح رمزًا متحركًا تتعدد دلالاته بتعدد زوايا القراءة. فقد يكون سلطة متوحشة، أو رأس مال جشعًا، أو خوفًا جمعيًا، أو نصًا يتمرد على مؤلفه، أو خيالًا يرفض الخضوع للحدود المفروضة عليه، وكلما تقدم السرد تراجع حضوره بوصفه مخلوقًا عجائبيًا، واتسع حضوره بوصفه رمزًا ثقافيًا وفكريًا مفتوحًا على تأويلات متعددة.
ومن هنا تكمن فرادة غول الحكاية الثامنة؛ فهي ليست رواية عن غول خرج من حكايته، بقدر ما هي رواية عن الحكاية حين تخرج من حدودها المألوفة. وقد نجح محسن يونس في الإفادة من الموروث الشعبي دون أن يقع في أسر تكراره، فحوّله إلى مادة روائية حديثة تطرح أسئلة تتعلق بالسلطة والمعرفة واللغة والخيال. لذلك تبدو الرواية تجربة سردية واعية بأدواتها، قادرة على الجمع بين متعة الحكي وعمق التأمل، وبين الفانتازيا بوصفها أفقًا جماليًا والفانتازيا بوصفها وسيلة لفهم الواقع وإعادة النظر فيه.

مراجع
(1) سلوى صعب، ما بين “موت المؤلّف” وقِصّة ما بعد الحداثة، أين دور القارئ؟، مقال منشور بمجلة أوراق ثقافية، ٢٦ يناير ٢٠٢٠
(2) لاري أمين. التخلي عن روتينات الفهم: قراءة حول موقف رولان بارت ما بعد الحداثي/ما بعد البنيوي. المجلة العالمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ١٤ يناير ٢٠١٧
(3) أحمد راشد إبراهيم، الكتابة في درجة الصفر، قراءة في آفاق المصطلح النَّقديِّ عند رولان بارت، مجلة الرافد، ٨ مارس ٢٠٢٠

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى