عائشة ابو ليل - هذا الفائضُ من الكلام...

هذا الذي ينسكبُ من شقوقِ الروح
حين تضيقُ بها الجهات،
ويُزهرُ في أفواهِ الصامتين
أشجاراً من الأسئلة.

هذا الذي نسميه قصيدةً
ولا ندري إن كان صلاةً ضلَّت طريقها إلى السماء
أم جرحاً
يتعلمُ المشيَ على قدمين.

أيلوليّتي الحزنِ أنا،
وشتويُّة الذاكرة،
أحملُ على ظهري
قرىً نامت تحت التراب
وأسماءً نسيها أصحابُها
وبقيت معلقةً
في رقبةِ الريح.

كلُّ الذين عبروا من هنا
تركوا شيئاً من ظلالهم في دمي.

العابرون كثيرون،
والطرقُ كثيرة،
والنهاياتُ كثيرة،
أما القلبُ
فله بابٌ واحد
ولا يكفُّ عن الانتظار.

أُرتبُ على رفوفِ روحي
ما تبقَّى من خرابِ الأعوام.

قبعةُ أبي،
ضحكةُ أمي،
دفاترُ الطفولة،
وشوارعُ لم تعد تعرفُ أسماءَنا.

أُرتبُها
ثم يهجمُ الوقتُ
كجرافةٍ عمياء
ويعيدُ الفوضى إلى مكانها الأول.

هذا الفائضُ من الكلام
يحملُ في جوفه
أراملَ الحروب،
وأطفالَ المجاعات،
والذين كبروا فجأةً
حين اكتشفوا أن العالم
لا يشبهُ الأغنيات.

يحملُ الذين
كانوا يركضون خلف الفراشات
فركضت خلفهم المقابر.

ويحملُ أولئك
الذين أوقدوا قلوبهم مصابيحَ للآخرين
ثم ماتوا
في آخرِ العتمة.

وأمضي...

يتدلى الليلُ من كتفي
كرداءٍ ثقيل.

تُرافقني خطواتي
كما يرافقُ الغريقَ
صوتُ الماء.

أمضي...

أعصرُ من المستحيل
قطرةَ معنى،
وأحاولُ أن أُقنعَ هذا الفراغ
أنه ليس إلهاً.

الزمنُ...
هذا النجارُ العجوز،
يصنعُ من أعمارنا توابيتَ صغيرة،
ويبتسم.

والتاريخُ...
هذا الممثلُ البارع،
يبدلُ أقنعتَهُ في كلِّ عصر
ويبقى الكذبُ هو الكذب.

أما الموتُ
فلا يزالُ يجلسُ في آخرِ الممر،
هادئاً،
مؤدباً،
كضيفٍ يعرفُ أن الجميع
سيصافحونه في النهاية.

أتساقط...

كما تتساقطُ أوراقُ الشجر
حين تكتشفُ أن الخريف
ليس فصلاً
بل قدراً.

أتساقط...

وتتساقطُ معي أوهامٌ كثيرة،
أحلامٌ كثيرة،
وأعمارٌ كثيرة،
لكن شيئاً غامضاً
يبقى واقفاً في داخلي.

شيءٌ لا يهزمهُ الفقد.

شيءٌ لا يُصدِّقُ المقابر.

شيءٌ كلما أوشكَ على الانطفاءِ
أشعلتهُ دمعةٌ
أو قصيدة.

هنايَ مزدحمٌ بالغائبين.

وهنايَ نافذةٌ
تطلُّ على الجهاتِ التي لم أصلها.

وهناكم...
بلادٌ من الانتظار،
ووجوهٌ من الانتظار،
وأعمارٌ كاملةٌ
معلَّقةٌ على حبلِ الانتظار.

وأناي...
تبحثُ عن أناها
في مرايا الآخرين.

والصمتُ...

هذا الراهبُ العتيق،
يجلسُ قبالتي،
يقلبُ صفحاتِ العمر،
ويبتسمُ كلما أخطأتُ
في قراءةِ نفسي.

فأمضي...

ممشوقاً كحرفٍ أخير
في قصيدةٍ لم تكتمل.

أشتهي الضوء،
ويشتهيني الضوء.

وأظلُّ أطرقُ أبوابَ المعنى
كمن يبحثُ عن الله
في جيوبِ الوقت،
وعن النجاة
في قلبِ العاصفة.

عائشة أبو ليل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى