حسام الحداد - سلطة العشق ومراوغة الجسد: دراسة تحليلية في خطاب هدى عز الدين الشعري

تأتي هذه الدراسة النقدية لتقدم قراءةً تأمليةً وبنيويةً في المنجز الشعري للشاعرة "هدى عز الدين"، متخذة من نصيها "من ذاكرة البدايات" و"قضية حب" نموذجاً إجرائياً لتفكيك بنية التجربة الإبداعية. إن هذه القراءة لا تكتفي بملامسة السطح الدلالي للنصوص، بل تغوص في الأنساق العميقة التي تُشكل وعي الشاعرة بذاتها وبالعالم، متسلحةً بمنهجيات نقدية حديثة تتقاطع فيها البنيوية مع التحليل الألسني وخطاب التلقي، لاستكشاف كيف تتحول الذات المبدعة من حالة "التلمس" الوجودي المربك في البدايات، إلى مرحلة "الالتزام" الواعي وتسييس الوجع في النصوص اللاحقة.
ولا يُعد هذا التحليل استقراءً لسيرة الشاعرة بقدر ما هو رصدٌ للتحولات الأسلوبية والفلسفية التي طرأت على خطابها؛ إذ تُعد "القصيدة" في تجربة عز الدين مختبراً لفك الاشتباك بين الجسد والنفس، وبين الصمت والبوح، وبين الفردي والجماعي. ومن خلال تفكيك الثنائيات الضدية والانزياحات اللغوية واستراتيجيات التلفظ، يسعى هذا التقرير إلى تبيان كيف استطاعت الشاعرة أن تصيغ من "الهشاشة الإنسانية" و"أوجاع العلة" لغةً شعريةً موازيةً، تحول الألم من عارضٍ بيولوجي إلى طاقةٍ معرفيةٍ وفلسفيةٍ تُعيد صياغة الهوية الذاتية في مواجهة سلطة الواقع وسلطان العشق.

الجدل بين التفكك والتماسك في تجربة هدى عز الدين
تُعد البنيوية أداة كاشفة عن "هندسة المعنى" داخل النص الأدبي، إذ تنظر إلى قصائد هدى عز الدين باعتبارها نسقاً مغلقاً من العلامات التي تتفاعل فيما بينها لتشكيل دلالة تتجاوز المعنى الحرفي للكلمات. في هذا السياق، لا تُقرأ القصيدة بوصفها انعكاساً لسيرة ذاتية، بل بوصفها "بنية" تترابط فيها المفردات عبر علاقات التقابل والتماثل. يشتغل النصان ضمن حيز "البحث عن الهوية"، حيث تكشف القراءة البنيوية عن هيكل عميق يقوم على ثنائيات ضدية حادة، تعمل كمحركات ديناميكية للقصيدة، وتُبرز عملية صراع الذات مع عناصرها الداخلية والخارجية لتصل في نهاية المطاف إلى استيعاب المعاناة كمعبر إلزامي للوعي الوجودي.
الجسد كفضاء للمساءلة والعلة
في النص الأول، تنهض ثنائية (الذات/الجسد) بوصفها المحرك المركزي للتوتر الشعري، حيث تجد الذات الشاعرة نفسها محاصرة داخل جسد يتفتت ويتشظى إلى أجزاء منفصلة عن كينونتها ("البدن بلا أعضاء"، "تجاعيد الكف"، "أوجاع الأطراف"). هنا، يتوقف الجسد عن كونه وعاءً حيوياً للحياة أو دليلاً على الحضور الإنساني المتكامل، ليتحول إلى مسرحٍ للعلة والتحلل، حيث تُمارس فيه الأوجاع سلطتها التفكيكية. هذا الانفصال بين الذات التي "تكتب" والجسد الذي "يتألم" يخلق مسافة بنيوية تتيح للشاعرة مراقبة تداعي بنيتها المادية، مما يضفي على القصيدة طابعاً وجودياً يتجاوز وصف المرض إلى حالة من التأمل في ماهية الوجود البشري العالق بين فجاجة الجسد وسمو الفكرة.
بين يقين الهلاوس وغياب الحقيقة
تتشكل البنية الدلالية للنص من خلال تأرجح الذات الشاعرة بين قطبي الوجود والعدم، حيث تتبدى ثنائية (هلاوس حسية/أطلال حقيقة) كحالة من التيه المعرفي. فالحضور هنا ليس حضوراً مادياً مستقراً، بل هو حضور "هلوسي" يرتعش في ثنايا الجسد المنهك، بينما تقف "الحقيقة" بعيدة، متمثلة في "أطلال" لا تتيح للذات إلا الاستغاثة أو النداء. إن هذا التعارض بين "الهلاوس" التي تغزو الحواس و"الأطلال" التي ترمز لغياب اليقين، يبني نظاماً داخلياً للقصيدة يقوم على عدم الاستقرار؛ إذ تُصوّر الشاعرة الوجود كحالة من الهشاشة المستمرة التي تتطلب البحث الدائم عن معنى وسط ركام من الحواس الملتبسة والوعي المفتت.
جدل السلطة في فضاء العشق
في النص الثاني، تنتقل البنية من تشريح الجسد إلى تشريح الشعور، حيث تبرز ثنائية (الحرية/العبودية) كقطبي الرحى في علاقة الذات بسلطة "العشق". تعيد الشاعرة هنا إنتاج ثنائية وجودية كلاسيكية عبر تركيب لغوي يدمج المتناقضات: "هواك حرية.. وسجن أسر"، مما يكشف عن البنية الجدلية للوعي؛ حيث يمثل العشق في آنٍ واحد طوق النجاة الذي يمنح الذات حرية الإبداع و"فلسفة المنطق"، وقيود العبودية التي تستلب إرادة الذات وتجعلها "بليدة" أمام سحر الحضور. هذا التضاد ليس عشوائياً، بل هو جزء من هندسة النص التي تسعى لإثبات أن التحرر الشعري لا يتحقق إلا من خلال هذا الانغماس الكلي في سجن العشق، مما يجعل العبودية هنا وسيلة للارتقاء الفني.
الانشطار كآلية لتشكيل الوعي
عند النظر إلى البنية العميقة للنصين معاً، يتبدى لنا مفهوم "الانشطار" كقوة بنيوية جامعة، فهو انشطار مادي للجسد في النص الأول، وانشطار نفسي للذات في النص الثاني بين البلادة والقدرة على الإنتاج الشعري. إن التوتر الدائم بين هذه الأضداد ليس تشتتاً، بل هو "منهج" تعتمده الشاعرة لتوليد دلالاتها؛ فالمعاناة هنا ليست غاية في حد ذاتها، بل هي المادة الخام التي يتم صهرها عبر اللغة لتتحول إلى وعي. إن هيكل النص يعمل بنظام مغلق حيث تؤدي كل علامة (مثل "تجاعيد الكف" أو "واو العطف") إلى تفعيل ثنائية جديدة، مما ينتهي بالقصيدة إلى أن تكون "رحلة وعي" متكاملة تبدأ من دهشة الطفولة وتنتهي بإعلان نيران القضية، حيث يتم تجاوز الانشطار عبر توحيد الذات في بوتقة القصيدة.

سيمياء اللغة وانزياحات التعبير
لا يقف التحليل الألسني عند حدود المعنى السطحي للكلمات، بل يغوص في التراكيب الصوتية والصرفية والتركيبية التي تشكل نسيج القصيدة. في نصوص هدى عز الدين، تبرز اللغة ككائن حي يتحرك بين الانضباط النحوي والانزياح الإبداعي؛ حيث توظف الشاعرة المستويات اللغوية المختلفة لخدمة الحالة الشعورية، محولةً "الصمت" إلى صوت، و"الأدوات النحوية" إلى طاقة حركية تشحن النص بالدلالات الوجودية والوجدانية، وهو ما سنفصله في المستويات التالية.
إيقاع الاضطراب ومفارقة الصمت
يؤدي التكرار في نصوص الشاعرة دوراً بنيوياً يتجاوز الموسيقى الظاهرة، إذ نلاحظ تكرار مفردات محمولة بشحنات انفعالية عالية مثل "ملعون" و"أوجاع". هذا التكرار لا يهدف إلى تحقيق إيقاع رتيب، بل يولد نبرةً تصاعديةً توحي بحالة من القلق الوجودي والاضطراب النفسي، وكأن التكرار محاولة من الذات لترسيخ حقيقة الألم في عالم من الهلاوس.
من جهة أخرى، برعت الشاعرة في توظيف المفارقة الصوتية من خلال تضاد الصمت والضجيج، كما في قولها: "صمتُ البكاءِ لا صوتَ لهُ… يصرخُ". هنا، يتم نقل الصمت من كونه حالة سكون فيزيائي إلى حالة من الضجيج الداخلي العنيف، حيث يكتسب الصمت فاعلية الفعل "يصرخ"، مما يكسر أفق التوقع لدى القارئ ويجعله يدرك أن "السكون" في النص هو في الحقيقة صراخ مكبوت، مما يعمق التجربة الصوتية ويجعلها انعكاساً للاضطراب النفسي العميق.
الانزياح كآلية لهدم الأنماط
يمثل الانزياح اللغوي (Deviation) جوهر الشعرية في هذا النص، حيث تبتعد الشاعرة عن المعايير التركيبية المألوفة لتوليد صور صادمة. يتجلى هذا بوضوح في تشبيهها للأوجاع بـ "علبة مستحضر تجميل"، وهو انزياح دلالي وتركيبي يربط بين نقيضين: "المرض" (كواقع أليم) و"الزينة" (كقناع جمالي). هذا الربط ليس مجرد استعارة، بل هو عملية تفكيك للصورة النمطية للوجع، حيث يصبح الألم مرتدياً قناع الجمال، مما يوحي بأن المعاناة قد تصبح جزءاً من الهوية البصرية للذات.
علاوة على ذلك، تستثمر الشاعرة البنية النحوية للجملة القصيرة والمقتضبة لخدمة الحالة الشعورية، حيث تتحول الأفعال والأسماء إلى "دفعات شعورية" مباغتة. إن حذف بعض الروابط أو تكثيف الجمل يمنح النص إيقاعاً لاهثاً يتماشى مع حالة "الارتباك" التي تعانيها الذات، مما يعزز من قوة الانزياحات التي لا تكتفي بخرق اللغة، بل تعيد بناء العالم الداخلي للشاعرة وفق منطق شعري خاص يتجاوز قوانين النحو التقليدية.
الرموز الوظيفية وتحويل النحو إلى دلالة
في المستوى الدلالي، تبتعد الرموز عن كونها زينة بلاغية لتتحول إلى أدوات وظيفية عميقة الدلالة. فرمز "الهرم العتيق" ليس وصفاً مكانياً، بل هو إحالة على الزمن المتآكل والذاكرة التي تحمل ثقل التاريخ والوهن، مما يربط الجسد الإنساني المنهك بمرجعية حضارية وأزلية. هذه الرموز تعمل كخيوط ربط بين الذات والعالم، حيث تتحول الأشياء الصغيرة (كالكتف، والرمال، وأكياس البكاء) إلى علامات كبرى تعبر عن مأساة الوجود البشري.
ولا تكتفي الشاعرة بالرموز المادية، بل تمنح الأدوات النحوية دلالات شعورية؛ إذ تتحول "واو العطف" في النص الثاني من مجرد أداة ربط أو عطف في اللغة العربية إلى "موقد" يشعل "نيران القضية". إن تحويل الأداة النحوية إلى رمز للالتزام والقضية يعكس وعياً لغوياً متقدماً، حيث تُوظف أدنى مستويات اللغة (الأدوات) لتعبر عن أسمى غايات النص (الالتزام والحب)، مما يؤكد أن كل عنصر في نسيج القصيدة يعمل بتناغم تام لنقل الدلالة الفلسفية التي تتبناها الشاعرة.

استراتيجيات السلطة وتشكيل الذات
يمثل تحليل الخطاب في نصوص هدى عز الدين رحلةً لاستكشاف السلطة الكامنة خلف اللغة، وموقع الشاعرة كذاتٍ متلفظة تخاطب العالم. إن النص هنا ليس مجرد تدفق شعري، بل هو خطابٌ منظم يمارس سلطته على المتلقي، ويعيد ترتيب مفاهيم "المرض" و"الحب" خارج أطرها التقليدية. من خلال آليات التلفظ والمخاطبة، تبتكر الشاعرة "متلقياً ضمنياً" يُحمل عبء التساؤل أو التلقي، مما يحول القصيدة من مجرد بوح ذاتي إلى فضاء تفاوضي بين الذات والآخر، حيث تُفكك الأيديولوجيات السائدة وتُبنى بدائل وجودية جديدة.
بين مِشرط التشريح ومحراب العشق
تمارس الشاعرة في النص الأول سلطة "التشريح الاستقصائي"، حيث تتحول الذات إلى موضوع وفاعل في آن واحد. إنها تُخضع جسدها ونفسها للمساءلة الطبية والفلسفية، وكأنها طبيبٌ يُجري عملية جراحية على كيانه الخاص؛ فالجسد الذي يتألم هو نفسه الجسد الذي يُسائل المرض. هذه السلطة التشريحية تعكس رغبةً في السيطرة على الفوضى الجسدية من خلال تحويلها إلى خطاب، حيث تتحول الأوجاع والأعراض إلى مادة خاضعة للتحليل والفرز.
أما في النص الثاني، فتتبدل سلطة النص جذرياً لتتخذ طابع "الاستسلام الواعي" أمام "سلطان الحب". هنا، تعيد الشاعرة صياغة مفهوم السلطة؛ فبدلاً من تشريح الذات، نجدها تسلم زمامها لقوة خارجية (سلطان العشق) تمنحها في المقابل حق الكينونة الشعرية. هذا التحول من سلطة "الفعل التشريحي" إلى سلطة "القبول العاطفي" يُظهر ديناميكية الذات الشاعرة في التكيف مع ضغوط الوجود، حيث يصبح الحب سياقاً جديداً يمنح الذات "شرعية" التعبير والحرية وسط قيود التقاليد.
جدلية الخطاب والتواصل
يظهر "المتلقي الضمني" في النصوص كعنصر حاسم في بناء الخطاب؛ ففي النص الأول، يتوجه الخطاب إلى "الطبيب" كطرفٍ مفترض يمتلك سلطة المعرفة والتشخيص. هذا التوجيه يحول النص من مناجاة ذاتية منغلقة إلى خطاب تواصل يسعى لانتزاع اعتراف من "الآخر" المتمثل في الطبيب، وكأن الشاعرة تحاول أن تفرض رؤيتها الخاصة للحقيقة الجسدية أمام معايير الطب الجافة، مما يضفي على القصيدة طابعاً حوارياً مليئاً بالتوتر والمقاومة.
في النص الثاني، يتجسد المتلقي الضمني في "السلطان/العاشق"، وهو متلقٍ لا يسعى لاستلام الإجابات بقدر ما يسعى لاحتواء الذات الشاعرة. هذا التغيير في وجهة الخطاب من "الطبيب" إلى "العاشق" يعكس تغيراً في استراتيجية التلفظ؛ فبعد أن كان الغرض هو البحث عن "التشخيص"، أصبح الغرض هو البحث عن "الاعتراف والاحتواء". وهكذا، تتحول القصيدة إلى أداة تواصل تستجدي الانتباه، مما يجعل الشاعرة في موقع "الذات المخاطِبة" التي لا تستقيم هويتها إلا من خلال تفاعلها مع الآخر الذي تتوجه إليه بالخطاب.
تفكيك المركزية المادية للألم
تحمل النصوص أيديولوجيا مضادة للتصورات التقليدية للمرض، حيث تعمل على تفكيك مفهوم "المرض" كحالة بيولوجية بحتة. من خلال قولها بأن "الأوجاع وهم" وأن "النفس عليلة أصابت البدن"، تقدم الشاعرة رؤية وجودية تحيل الخطاب من الطبي/المادي إلى النفسي/الفلسفي. إنها ترفض اختزال وجعها في "الكيمياء والدواء"، معتبرة أن الوجع هو تجلٍ لمأزق روحي أعمق، مما يعكس تمرداً على سلطة "العلم الوضعي" لصالح "الحقيقة النفسية".
هذا التفكيك ليس مجرد هروب من الواقع، بل هو إعادة إنتاج للوعي؛ حيث يفكك النص الأيديولوجيا السائدة التي تعامل الجسد كآلة تحتاج للإصلاح، ليضع مكانه أيديولوجيا جديدة ترى في "الألم" مساحة للوعي بالذات. وبذلك، تعيد الشاعرة صياغة العلاقة بين الجسد والنفس، حيث تتحول العلة من كونها "عارضاً مرضياً" إلى كونها "حالة شعورية" تعبر عن أزمة وجود، مما يحرر الخطاب من سلطة المؤسسة (الطبية) ويربطه بسلطة التعبير الفردي الحر.

آفاق التأويل ومركزية الذات
يمثل النقد التحليلي في نصوص هدى عز الدين محاولةً لاستنطاق المسكوت عنه وتفكيك الأنساق الفلسفية المبطنة التي تتحكم في بنية النص. لا تكتفي الشاعرة بتقديم صورة فوتوغرافية للواقع، بل تغور في طبقات اللاوعي لتجعل من "الوجع" حالة فلسفية، ومن "القصيدة" فضاءً للتحول الوجودي. إنَّ هذا المسار النقدي يجمع خيوط التحليل السابقة، من بنيوية وألسنية وخطابية، لينسج منها رؤيةً متكاملة تفسر الانتقال من تجربة "التلمس" في البدايات إلى "الالتزام" في النهايات، مؤكداً أن التجربة الشعرية عند هدى عز الدين هي فعلُ مقاومةٍ بالمعنى العميق للكلمة.
استراتيجية التيه ومراوغة الحقيقة
تعتمد الشاعرة في نصوصها استراتيجيةً نقدية ذكية تتمثل في "تهميش الحل". ففي لحظات اقتراب القارئ من وضع تشخيص دقيق لطبيعة الوجع—هل هو اعتلال جسدي حقيقي أم انعكاس لصراع نفسي داخلي؟—تنسحب الشاعرة ببراعة نحو منطقة الاستعارة والمجاز (كاستحضار "أحمر الشفاه" و"الهرم"). هذا الهروب ليس عجزاً عن التعبير، بل هو "تهميش مقصود" يهدف إلى إبقاء النص مفتوحاً على الاحتمالات، مما يحرم القارئ من الوصول إلى "إجابة نهائية" ويضعه في حالة من "التساؤل الأبدي".
من خلال هذا التعمية المتعمدة، تحافظ الشاعرة على توتر النص، إذ أن كشف الحقيقة أو تقديم حل مباشر من شأنه أن يقتل الحيوية الشعرية. إن "المسكوت عنه" هنا هو المحرك الأساسي للفعل القرائي؛ فبما أن القصيدة لا تقدم تشخيصاً قاطعاً، فإنها تمنح القارئ مساحة واسعة ليملأ الفراغات بتجاربه الخاصة. وبهذا، يتحول النص من مجرد سرد لألم شخصي إلى وثيقة إنسانية عامة، تظل فيها العلة غامضة والوجع ممتداً، مما يعزز من حضور القصيدة كفضاء للبحث الذي لا ينتهي.
الوجع كوعي وترياق للوجود
يتجاوز الوجع في نصوص هدى عز الدين كونه عرضاً بيولوجياً أو جسدياً يمكن معالجته بـ"الكيمياء والدواء"، ليتحول إلى أداةٍ للوعي بالذات. فالمرض في هذا السياق هو الطريق الوحيد الذي تسلكه الشاعرة لتعرف حدود وجودها؛ إنه "ألمٌ واعٍ" يُجبر الذات على التفكير في أسباب وجودها وتناقضاتها. هذا التماهي بين الألم والوعي يجعل من المعاناة مادةً معرفية، حيث يصبح الجسد المعتل مرآةً لنفسٍ تسعى لفهم كنه العالم.
في مواجهة الطبيب الذي يرى المرض نقصاً في الصحة، تقف القصيدة لتعلن أن الوجع هو "دواء" بحد ذاته. إن الكتابة الشعرية هنا ليست ترفاً لغوياً، بل هي عملية تطهير (Catharsis) وترياق وجودي؛ فهي تمحو أثر العلة حين تعيد صياغتها في قوالب فنية. القصيدة تصبح هي العلاج الحقيقي الذي يمنح الذات القدرة على التعالي فوق أوجاعها البيولوجية، محولةً الانكسار المادي إلى نصرٍ معنوي يتجسد في الكلمة، وهو ما يمنح نصوصها بعدها الفلسفي المتأصل.
رحلة التحول من الانكسار إلى القضية
إنَّ قراءةً تركيبية (Synthesis) لنصوص الشاعرة هدى عز الدين تفضي بنا إلى استنتاج مفاده أن تجربتها هي "رحلة من الانكسار إلى التحرر". في النص الأول، نجد ذبذبة الذات الشاعرة وتفتت إرادتها تحت وطأة جسد "مريض" ولغة لا تزال "تتلمس طريقها" في عتمة البدايات. هنا، تبدو الذات متهالكة، خاضعة لسطوة العجز ومحاصرة بأسئلة وجودية لم تجد لها بعدُ منفذاً لغوياً سوى "التساؤل".
وفي المقابل، نلحظ في النص الثاني نضجاً نوعياً حيث تكتسب الذات ثقةً أكبر عبر بوابة "العشق". إن "سلطان الحب" لم يكن قيداً، بل كان محفزاً منح الشاعرة القدرة على "فلسفة المنطق" وامتلاك ناصية اللغة. إن الشاعرة، عبر هذا التطور، لم تعد تصف الواقع الساكن، بل أصبحت تخلق واقعاً موازياً تحتفي فيه بالهشاشة الإنسانية، جاعلةً من "أحمر الشفاه" و"الخجل" أسلحةً جمالية تواجه بها قسوة العالم.
ختاماً، إن تجربة هدى عز الدين هي احتفاءٌ دائم بالتحول؛ فهي تنقل القارئ من "التلمس المتردد" للكلمات في طفولتها الشعرية، إلى "الوقوف الحازم" في ساحة القضايا الكبرى. إن القصيدة لديها ليست سوى وسيلة لتحويل الوجع إلى "نيران قضية"، حيث تتحد الذات مع كلماتها لتعلن عن هوية شاعرةٍ لم تعد تبحث عن دواءٍ لألمها، بل تبحث عن معنىً لوجودها في عالمٍ لا يُفهم إلا من خلال الكتابة والالتزام.

نص هدى عز الدبن
من ذاكرة البدايات،
حين كانت الكلماتُ تتلمّس طريقها بين الخوف والدهشة،
كتبتُ هذه القصيدة في طفولتي الشعرية الأولى،
ولا تزال تسكنني دهشة السؤال عن الجسد والنفس والوجع.
نصٌّ كتبته بصدقٍ أكثر من وعي،
لكنني اليوم أقرأ فيه إرهاصات الشاعرة التي صارت تسأل اللغة عن سرّ الألم والوجود.
هلاوسٌ حسِّيَّة
يَرتعشُ البدنُ،
والنَّفسُ مرعوبةٌ.
أوجاعٌ في الأطرافِ —
لعلَّها مشلولةٌ.
صمتُ البكاءِ
لا صوتَ لهُ… يصرخُ.
تجاعيدُ الكفِّ
رسمتِ الصورةَ،
هل من عرَّافٍ يقرأُ؟
البدنُ بلا أعضاءَ،
والجمعُ ضاعَ.
هلاوسٌ حسِّيَّةٌ.
الكتفُ ثقيلٌ،
مُحمَّلٌ بالرِّمال،
وأكياسُ بكاءٍ للمرض.
احمرَّتِ العيونُ،
قالوا: رَمَد.
طَنينٌ في السَّمعِ،
أسمعُنا السُّكون.
ملعونٌ، ملعونٌ
هَمسُ “السَّواس”.
أطلالُ حقيقةٍ،
النَّجدةَ… يا ناس!
سألتُ الطبيبَ، فأجاب:
لا داعي للدواءِ والكيمياءِ،
النَّفسُ عليلةٌ،
أصابتِ البدنَ بكلِّ داء.
الأوجاعُ وَهْمٌ،
مَصنوعٌ من عُلبةِ
مُستحضَرِ تجميلٍ،
بشَفاهٍ حمراءَ —
الرُّعبُ حُمْرةُ العليلِ.
القامةُ مُصابةٌ بالتقصير،
انحناءٌ كهرمٍ عتيقٍ.

قضيَّةُ حُبٍّ
سُلطانُ الحُبِّ علَّمني العِشقَ،
حروفًا بنبضِ القلبِ.
على حافَّةِ القصيدةِ هجاءٌ،
كأنَّهُ أنهارُ بلادِ العربِ.
بعَزفِ الحروفِ لأنثاهُ الشهباءِ
يَهْمِسُ صوتُ النَّايِ بأُذُنِ العاشقِ:
يا أسيرَ الغرامِ،
لا تخشَ العوامَ.
الحياءُ بحُمْرَةِ الوجهِ فاضحٌ،
ونبضُ القلبِ بالحديثِ يصرخُ.
يا سُلطانَ العشقِ،
علَّمتَها الشِّعرَ
وفلسفةَ المنطقِ.
هواكَ حرِّيَّةٌ… وسِجنُ أسرٍ،
عُبوديَّةُ الهوى — يا لونَ المِسكِ.
شهباءُ مُرهَقةٌ،
ولونُكَ مُبتغايَ،
فَعانِقِ القلبَ بلونِ العِشقِ.
الصَّمتُ وشوشَ القلبَ بالحُبِّ،
والخوفُ هربَ بحَجرِ الخَجلِ.
علَّمني العِشقُ — فأنا البليدةُ،
كي أكتُبَ من أجلِكَ ألفَ قصيدةٍ.
واوُ العطفِ أعلنَتْها
بنيرانِ قضيَّةٍ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى