صدرت مجموعة (من منا في رأسي؟) عام 2025 عن دار الفرات للطباعة والنشر، وتضم 16 قصة قصيرة.
أولاً: إستراتيجية توريط القارئ
لا تبدأ المجموعة بعبارات الشكر التقليدية، بل تنطلق منذ السطر الأول برغبة واضحة في جذب القارئ وإشراكه في الأحداث. يعلن الكاتب بأسلوب هجومي مباشر أن القارئ ليس مجرد متفرج يجلس بسلام ليتسلى بقراءة نصوص حزينة أو سوداوية، بل هو شريك في تشتت أبطال القصص، وجزء من أزمتهم الحياتية. ومن خلال صدمة البداية، ينقل الكاتب القارئ من منطقة الراحة والتلقي السلبي إلى زنزانة التساؤل والبحث، لتصبح القراءة نفسها رحلة لمواجهة الأفكار المتصارعة داخل الرأس.
ثانياً: روح الرواية في ثوب قصصي
تبدو نصوص المجموعة منفصلة ظاهرياً؛ إذ يمتلك كل نص شخوصه وأزمته الخاصة، غير أن النظرة العميقة تكشف أننا أمام "لوحة فسيفسائية متشظية" تنبض بروح رواية كاملة تنتمي إلى عالم واحد. ويتجلى هذا الترابط في ثلاثة مستويات:
_وحدة المناخ النفسي وسيكولوجيا العنف: الخيط المشترك الذي يربط أغلب النصوص هو حضور فكرة العنف أو القتل بمفهومها المادي أو الرمزي. تتكرر مواضيع الانتقام والجريمة كأداة يعبر بها الأبطال عن مأزقهم.
_الجمجمة وسجن الوعي: تبدو القصص محاصرة داخل عتبة العنوان (من منا في رأسي؟)، فكل الأحداث تعود دائماً إلى الرأس، والهلوسة، والأفكار المتصارعة في الداخل، كما في قصة "هروب من الجمجمة". فالمكان الحقيقي للأحداث ليس الشارع، بل المسرح الداخلي لعقل الشخصية.
_المجتمع القامع: نجد أن الشخصيات في معظم القصص هي نتاج لسلطة قاسية أو مشوهة (الأب، العائلة، المدرسة، أو التقاليد)، تلقت عنفاً في ماضيها وتحاول الآن تفريغه في حاضرها ضد ذواتها أو ضد الآخرين.
ثالثاً: بلاغة الصمت وتفكيك التابوهات
يبرز ذكاء الكاتب في استخدامه لعلامات الترقيم كعناوين ملغومة، وتحديداً في قصة (؟؟؟؟؟؟). اختيار علامات الاستفهام كعنوان ليس مجرد زينة فنية، بل هو تجسيد بصري للصدمة والخرس أمام الجريمة التي لا اسم لها في العرف الاجتماعي والمتمثلة في العنف الأسري وقهر القربى.
يقترب النص بشجاعة من قسوة سلطة الأب؛ فالعائل الذي يُفترض أن يكون رمزاً للأمان، يتحول إلى مصدر للخطر. وتأتي النهاية الصادمة لتؤكد حجم الانسحاق؛ فعندما تسمع الفتاة خطوات الأب تقترب من باب غرفتها، يصل خوفها النفسي للذروة، فلا تجد مفراً سوى الهروب الخيالي متمنيةً التحول إلى "نملة صغيرة" تختبئ في شق الجدار. إنه تدمير للجسد لإنقاذ ما تبقى من الروح أمام مجتمع يفضل الصمت الزائف على حماية الضحية.
رابعاً: التوظيف الذكي لعالم الكائنات الصغيرة
يمثل حضور عالم الحشرات (الصرصور، الدود، الزنبور) بكثرة في المجموعة علامة لافتة تعبر عما يمكن تسميته "جماليات القبح":
الصرصور: يتحول إلى رمز للحد الأدنى من الوجود، حيث ترتضي الشخصيات بالانسحاب من الإنسانية لأنها تعاني الألم، بينما الصرصور كائن معفيّ من عذاب التفكير والمسؤولية.
الدود: يأتي كتجسيد بصري للأفكار والذكريات الصادمة التي تنخر في دماغ البطل المأزوم كما ينخر الدود الجسد، محولاً حياته إلى تآكل نفسي بطيء.
الزنبور: يرمز إلى الألم المفاجئ والعنف غير المبرر الذي يهاجم الإنسان، ويبقي الشخصيات في حالة خوف دائم من اعتداء مباغت يسلبها أمانها الهش.
من خلال هذه الكائنات، يمارس الكاتب صدمة يعري بها قسوة المحيط؛ فالتخلي عن الملامح البشرية هو النتيجة الحتمية للعنف الذي تعرضوا له.
خامساً: هندسة البدايات والنهايات (فلسفة النفي والظرفية)
وفي سياق هذا البناء القصصي، يتجلى ذكاء جعيلان الأسلوبي عبر ظاهرة متعمدة تتمثل في هيمنة أدوات النفي (مثل "لم")، والظرفية المكانية والزمنية، والجمل الاسمية الوصفية في بدايات القصص، بينما يتراجع استخدام الأفعال الحركية التقليدية:
فلسفة البداية بالنفي: تبدأ العديد من القصص بعبارات مثل "لم أكن أبالي" (في قصة قبل أن أقتل طفلاً)، أو "لم تكن مهمته سهلة" (في قصة قاتل غير مأجور)، أو "لم يجد مكاناً آخر" (في قصة حبة سكر). هذا النوع من الاستهلال يعكس موقفاً سلبياً تجاه العالم؛ فالأبطال يدخلون الأحداث وهم مثقلون بالخسارة أو العجز واللامبالاة الدفاعية.
أنسنة المكان والزمن وتجميد الحركة: عندما يتجاوز الكاتب النفي، يبدأ بتأطير مكاني وزمني صارم، مثل افتتاحية مدينة بلا أسماء: "ليس ثمة من يقيس الزمن هنا"، وفي المتجول الأخير: "في مدينة لا مكان فيها للخطى الضالة". هذا يجعل المحيط هو البطل الحقيقي الذي يفرض شروطه على الشخصيات، ويخلق لوحة ساكنة تشبه كادر السينما الثابت، مما يحول السرد إلى حديث داخلي بدلاً من تسلسل أحداث خارجي.
تقطيع الجمل وصدمة الختام: تبدأ القصص بجمل هادئة أو نفي بارد، ولكن مع الدخول في وعي الشخصية، تنهار الحواجز لتظهر الجمل القصيرة والمبتورة التي تعكس قلق الأبطال ونبضهم المتوتر. وإذا كانت هذه الافتتاحيات الساكنة تنفي الحركة في البداية، فإنها تصنع قفلاً دائرياً مدهشاً في النهايات؛ فحين تنتهي قصة "مدينة بلا أسماء" بعبارة: (إذا كانت المدينة بلا أسماء فكيف يتجرأ أحد على محو التاريخ)، فإن الكاتب يختم النص بصدمة فلسفية تُثبت أن غياب الفعل الإنساني في البداية يفضي حتماً إلى محو الوجود والتاريخ بأكمله في النهاية.
الخلاصة والتجديد في المجموعة
إن عبد الله جعيلان في "من منا في رأسي؟" يكتب سرداً يركز على "الأثر النفسي والذهني" بدلاً من الحدث الحركي البسيط، ويقدم تجديداً لافتاً من خلال:
_التحول إلى الجريمة الوجودية: فالقتل أو التعذيب ليس هدفاً في النص، بل هو عرض لمرض التشتت الداخلي، حيث ينقل زنزانة السجن من الشارع ليعيد بناءها داخل "الجمجمة".
_هدم جدار الأمان مع المتلقي: عبر هجوم يبدأ من العتبات الأولى ليضع القارئ في مواجهة مباشرة مع الأزمة.
_االهروب الخيالي كوسيلة نجاة: حيث تصبح السريالية وسيلة دفاعية تلجأ إليها الشخصيات لإدانة واقع ممسوخ وقاسٍ.
المجموعة باختصار هي تشريح دقيق لوعي الإنسان المعاصر المأزوم، تدرس كيف يمكن للواقع العنيف، والذاكرة المشحونة بالصدمات، أن تدفع بالفرد إلى حافة العزلة، أو التشتت، كوسيلة أخيرة لإعلان الاحتجاج والوجود.
أولاً: إستراتيجية توريط القارئ
لا تبدأ المجموعة بعبارات الشكر التقليدية، بل تنطلق منذ السطر الأول برغبة واضحة في جذب القارئ وإشراكه في الأحداث. يعلن الكاتب بأسلوب هجومي مباشر أن القارئ ليس مجرد متفرج يجلس بسلام ليتسلى بقراءة نصوص حزينة أو سوداوية، بل هو شريك في تشتت أبطال القصص، وجزء من أزمتهم الحياتية. ومن خلال صدمة البداية، ينقل الكاتب القارئ من منطقة الراحة والتلقي السلبي إلى زنزانة التساؤل والبحث، لتصبح القراءة نفسها رحلة لمواجهة الأفكار المتصارعة داخل الرأس.
ثانياً: روح الرواية في ثوب قصصي
تبدو نصوص المجموعة منفصلة ظاهرياً؛ إذ يمتلك كل نص شخوصه وأزمته الخاصة، غير أن النظرة العميقة تكشف أننا أمام "لوحة فسيفسائية متشظية" تنبض بروح رواية كاملة تنتمي إلى عالم واحد. ويتجلى هذا الترابط في ثلاثة مستويات:
_وحدة المناخ النفسي وسيكولوجيا العنف: الخيط المشترك الذي يربط أغلب النصوص هو حضور فكرة العنف أو القتل بمفهومها المادي أو الرمزي. تتكرر مواضيع الانتقام والجريمة كأداة يعبر بها الأبطال عن مأزقهم.
_الجمجمة وسجن الوعي: تبدو القصص محاصرة داخل عتبة العنوان (من منا في رأسي؟)، فكل الأحداث تعود دائماً إلى الرأس، والهلوسة، والأفكار المتصارعة في الداخل، كما في قصة "هروب من الجمجمة". فالمكان الحقيقي للأحداث ليس الشارع، بل المسرح الداخلي لعقل الشخصية.
_المجتمع القامع: نجد أن الشخصيات في معظم القصص هي نتاج لسلطة قاسية أو مشوهة (الأب، العائلة، المدرسة، أو التقاليد)، تلقت عنفاً في ماضيها وتحاول الآن تفريغه في حاضرها ضد ذواتها أو ضد الآخرين.
ثالثاً: بلاغة الصمت وتفكيك التابوهات
يبرز ذكاء الكاتب في استخدامه لعلامات الترقيم كعناوين ملغومة، وتحديداً في قصة (؟؟؟؟؟؟). اختيار علامات الاستفهام كعنوان ليس مجرد زينة فنية، بل هو تجسيد بصري للصدمة والخرس أمام الجريمة التي لا اسم لها في العرف الاجتماعي والمتمثلة في العنف الأسري وقهر القربى.
يقترب النص بشجاعة من قسوة سلطة الأب؛ فالعائل الذي يُفترض أن يكون رمزاً للأمان، يتحول إلى مصدر للخطر. وتأتي النهاية الصادمة لتؤكد حجم الانسحاق؛ فعندما تسمع الفتاة خطوات الأب تقترب من باب غرفتها، يصل خوفها النفسي للذروة، فلا تجد مفراً سوى الهروب الخيالي متمنيةً التحول إلى "نملة صغيرة" تختبئ في شق الجدار. إنه تدمير للجسد لإنقاذ ما تبقى من الروح أمام مجتمع يفضل الصمت الزائف على حماية الضحية.
رابعاً: التوظيف الذكي لعالم الكائنات الصغيرة
يمثل حضور عالم الحشرات (الصرصور، الدود، الزنبور) بكثرة في المجموعة علامة لافتة تعبر عما يمكن تسميته "جماليات القبح":
الصرصور: يتحول إلى رمز للحد الأدنى من الوجود، حيث ترتضي الشخصيات بالانسحاب من الإنسانية لأنها تعاني الألم، بينما الصرصور كائن معفيّ من عذاب التفكير والمسؤولية.
الدود: يأتي كتجسيد بصري للأفكار والذكريات الصادمة التي تنخر في دماغ البطل المأزوم كما ينخر الدود الجسد، محولاً حياته إلى تآكل نفسي بطيء.
الزنبور: يرمز إلى الألم المفاجئ والعنف غير المبرر الذي يهاجم الإنسان، ويبقي الشخصيات في حالة خوف دائم من اعتداء مباغت يسلبها أمانها الهش.
من خلال هذه الكائنات، يمارس الكاتب صدمة يعري بها قسوة المحيط؛ فالتخلي عن الملامح البشرية هو النتيجة الحتمية للعنف الذي تعرضوا له.
خامساً: هندسة البدايات والنهايات (فلسفة النفي والظرفية)
وفي سياق هذا البناء القصصي، يتجلى ذكاء جعيلان الأسلوبي عبر ظاهرة متعمدة تتمثل في هيمنة أدوات النفي (مثل "لم")، والظرفية المكانية والزمنية، والجمل الاسمية الوصفية في بدايات القصص، بينما يتراجع استخدام الأفعال الحركية التقليدية:
فلسفة البداية بالنفي: تبدأ العديد من القصص بعبارات مثل "لم أكن أبالي" (في قصة قبل أن أقتل طفلاً)، أو "لم تكن مهمته سهلة" (في قصة قاتل غير مأجور)، أو "لم يجد مكاناً آخر" (في قصة حبة سكر). هذا النوع من الاستهلال يعكس موقفاً سلبياً تجاه العالم؛ فالأبطال يدخلون الأحداث وهم مثقلون بالخسارة أو العجز واللامبالاة الدفاعية.
أنسنة المكان والزمن وتجميد الحركة: عندما يتجاوز الكاتب النفي، يبدأ بتأطير مكاني وزمني صارم، مثل افتتاحية مدينة بلا أسماء: "ليس ثمة من يقيس الزمن هنا"، وفي المتجول الأخير: "في مدينة لا مكان فيها للخطى الضالة". هذا يجعل المحيط هو البطل الحقيقي الذي يفرض شروطه على الشخصيات، ويخلق لوحة ساكنة تشبه كادر السينما الثابت، مما يحول السرد إلى حديث داخلي بدلاً من تسلسل أحداث خارجي.
تقطيع الجمل وصدمة الختام: تبدأ القصص بجمل هادئة أو نفي بارد، ولكن مع الدخول في وعي الشخصية، تنهار الحواجز لتظهر الجمل القصيرة والمبتورة التي تعكس قلق الأبطال ونبضهم المتوتر. وإذا كانت هذه الافتتاحيات الساكنة تنفي الحركة في البداية، فإنها تصنع قفلاً دائرياً مدهشاً في النهايات؛ فحين تنتهي قصة "مدينة بلا أسماء" بعبارة: (إذا كانت المدينة بلا أسماء فكيف يتجرأ أحد على محو التاريخ)، فإن الكاتب يختم النص بصدمة فلسفية تُثبت أن غياب الفعل الإنساني في البداية يفضي حتماً إلى محو الوجود والتاريخ بأكمله في النهاية.
الخلاصة والتجديد في المجموعة
إن عبد الله جعيلان في "من منا في رأسي؟" يكتب سرداً يركز على "الأثر النفسي والذهني" بدلاً من الحدث الحركي البسيط، ويقدم تجديداً لافتاً من خلال:
_التحول إلى الجريمة الوجودية: فالقتل أو التعذيب ليس هدفاً في النص، بل هو عرض لمرض التشتت الداخلي، حيث ينقل زنزانة السجن من الشارع ليعيد بناءها داخل "الجمجمة".
_هدم جدار الأمان مع المتلقي: عبر هجوم يبدأ من العتبات الأولى ليضع القارئ في مواجهة مباشرة مع الأزمة.
_االهروب الخيالي كوسيلة نجاة: حيث تصبح السريالية وسيلة دفاعية تلجأ إليها الشخصيات لإدانة واقع ممسوخ وقاسٍ.
المجموعة باختصار هي تشريح دقيق لوعي الإنسان المعاصر المأزوم، تدرس كيف يمكن للواقع العنيف، والذاكرة المشحونة بالصدمات، أن تدفع بالفرد إلى حافة العزلة، أو التشتت، كوسيلة أخيرة لإعلان الاحتجاج والوجود.