منال ياسين - البناء البصري لقصيدة إيمان للشاعر حسني الإتلاتي

نشر الشاعر حسني الإتلاتي صباح اليوم نصا بعنوان إيمان وهي من ديوانه البشارة المنشور عام 2002 م عن فرع ثقافة أسوان وما يثير الدهشة فعلًا في هذه القصيدة ليس فقط أنها كُتبت قبل أكثر من عشرين عامًا، بل أنها تبدو وكأنها كُتبت هذا الصباح. وهذا في رأيي ليس مصادفة، بل دليل على أن الشاعر لم يكن يصف حدثًا عابرًا، وإنما كان يلتقط بنية كاملة من الوعي العربي ما زالت تتكرر حتى اليوم.

أكثر ما استوقفني هو كلمة:

إيمان

ت

س

ق

ط

هذا ليس مجرد تفكيك بصري لكلمة "تسقط". الكلمة نفسها تتحول إلى مشهد. الحروف تتهاوى واحدًا تلو الآخر، كأنها شظايا جسد، أو كأنها درجات سلم تهبط عليه الطفلة نحو مصيرها. ومع تكرارها في مواضع متعددة من القصيدة تصبح أشبه بجرس إنذار، أو نبض متقطع يعود كل مرة ليذكرنا بالحقيقة الوحيدة وسط هذا الضجيج كله: إيمان تسقط.

وفي المقابل، كل شيء آخر في النص متحرك وصاخب: سياسيون يتكلمون. محللون رياضيون يتجادلون. مذيعات يقدمن الأفلام. راقصات يصعدن المسرح. رجال يناقشون الدين. وعشاق يتفاوضون على ليلة عابرة.

العالم كله في حركة، بينما الطفلة وحدها هي التي تسقط.

بل إنني أثناء القراءة تخيلت القصيدة كلها كأنها مشهد سينمائي مركب. في مقدمة الشاشة تتوالى الصور بسرعة لاهثة: سياسيون يتحدثون، محللون رياضيون يتجادلون، مذيعات يقدمن البرامج، راقصات يصعدن المسرح، ورجال يملؤون الفضاء خطبًا وشعارات. كل شيء يتحرك بسرعة، وكل شيء يطالب بانتباه المشاهد.

أما في الخلفية، بعيدًا عن بؤرة الضوء، فتظهر إيمان وحدها. لا تتكلم، لا تخطب، لا تجادل، بل تواصل السقوط في صمت.

وكأن الشاعر يبطئ الزمن عمدًا كلما وصل إليها. فبينما تمر بقية المشاهد خاطفة وعابرة، تبقى لحظة سقوط إيمان معلقة، تتكرر وتتمدد أمام أعيننا. ولهذا شعرت أن كلمة:

إيمان

ت

س

ق

ط

ليست مجرد كلمة مكتوبة، بل لقطة بطيئة تتهاوى فيها الحروف كما يتهاوى الجسد، بينما يستمر العالم في ضجيجه غير عابئ بما يحدث في الخلفية.

هنا تظهر عبقرية البناء؛ فالشاعر لم يصف المأساة مباشرة، بل جعلها تختفي وسط الضوضاء، تمامًا كما تختفي المآسي الحقيقية في نشرات الأخبار.

أما السخرية فهي سلاح القصيدة الأساسي. ففي هذا المقطع:

"قال زعيم.. نعقد قمة"

ما هذا الجمال؟! كيف اختصرت هذه الكلمات القليلة تاريخًا طويلًا من العجز والضعف وقلة الحيلة؟!

هنا لا يشرح الشاعر ولا يحلل، بل يترك العبارة عارية تمامًا، فتفضح نفسها بنفسها.

ثم تأتي المقارنة المذهلة:

"أحمس في كتب التاريخ كان يقود العجلات بنفسه أحمس في الشاشات يقود صواريخ الشجب"

هنا لا يسخر من الأشخاص، بل من تحول البطولة إلى خطاب، والفعل إلى بيان، والمقاومة إلى مفردات محفوظة.

أما كلمة "ناشز" فهي من أكثر ما أدهشني في النص. فحين كتبها الشاعر الكبير حسني الإتلاتي لم تكن قد تحولت بعد إلى واحدة من أكثر الكلمات تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الخطابات المتشددة، حتى باتت اليوم "تريند" كما يقولون. لكنها تظهر هنا منذ أكثر من عشرين عامًا في سياق بالغ الذكاء:

"وهو يحملق في مؤخرة امرأة ناشز"

المفارقة أن الرجل يتحدث عن القدس والمسرى وخير أجناد الأرض، بينما عيناه منشغلتان بجسد امرأة. وهنا يكشف الشاعر التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية.

وفي هذا الموضع تتجلى صفة نادرة في الشعر: الاستبصار. ليس لأنه تنبأ بالمستقبل حرفيًا، بل لأنه فهم آليات التفكير التي ستبقى كما هي، ولذلك نشعر اليوم أن القصيدة حديثة.

بل إن بعض تفاصيلها أصبحت أكثر راهنية الآن: خلط السياسة بالترفيه. تحويل المآسي إلى محتوى عابر. الجدل الرياضي الذي يطغى على كل شيء. التدين الخطابي المنفصل عن السلوك. والاعتياد على صور الموت حتى يفقد الناس حساسيتهم تجاهها.

لهذا أعتقد أن سر بقاء القصيدة ليس أنها تتحدث عن إيمان حجو، بل لأنها تتحدث عن النسيان نفسه.

وربما كانت المفارقة الأكثر إيلامًا أن كثيرين لا يتذكرون اليوم من كانت إيمان، وهو ما يجعل القصيدة أكثر وجعًا؛ لأنها لم تكن ترثي طفلة واحدة، بل كانت ترثي ذاكرة أمة كاملة.

وهذا ما جعل هذه القصيدة، بعد أكثر من عشرين عامًا، تبدو وكأن حبرها لم يجف بعد

القصيدة

إيمان تسقط تحت العجلات الحربية

إيمان

ت

س

ق

ط

أحمس في كتب التاريخ

كان يقود العجلات بنفسه

أحمس في الشاشات

يقود صواريخ الشجب

التنديد

الاستنكار

على شاشات التلفزيون

بنظارته العاجية

إيمان

ت

س

ق

ط

على

كرسي

فى مقهى

أسقط

تختلط القنوات على الدش

قال الولد الأشقر للبنت الحمراء الخدين

:خمسون جنيها ..عربون الليلة

قالت : مية

(فيفى تصعد خشبات المسرح

تجار الماشية وبعض الأفيون المغشوش

يقعون سكارى)

:(هل رأى الحب سكارى مثلنا)


إيمان تسقط

قال زعيم.. نعقد قمة

قال خبير في الأحزان الكروية......

مباراة القمّة كانت باردة

الأهلي ظل يدافع رغم هجوم الخصم الدائم


ولد نائمْ

لكزته الضجّة...

هذا عيب اللعيبة

ولد آخر حسن النية

خطأٌٌ

هذا عيب مدير فنيّ يخشى أن يفقد كرسيه

(سيا سيا أو سيّه )

فيفي تصعد بالثديين

تهبط طائرة رغما عنها في روما غصبا عنها

إثر الضربات على الأهداف السورية


قال الأول : مصر تخلت

قال المتدين نوعا ما

وهو يطفئ عود ثقابٍ

و يحملق في مؤخرة امرأة ناشز

القدس هي المسرى

وفي مصرَ

جنودٌ.......

خير جنود الله على الأرض

وهذا في نص لرسول الرحمن

وصية

قال عجوز لوثه الحزن :

لا ناقة للشعب الجوعان...

منذ قرون

لم تدفع غير القاهرة فواتير حروب تترية

مذيعة

لكناء غبية:

فيلم الليلة....( ليلة ساخنة!)


قال الولد الأشقر للبنت الحمراء الخدين:

هيا!


إيمان تسقط

يا أصحاب الياقات البيضاء

ويا أعداء الوحشية

إيمان

ت

س

ق

ط

لا بأس عليكم

ولنكمل

هذى الأمسية الوردية.!

........................

إيمان حجو رضيعة فلسطينية قت لها الاح ت لال والعرب نائمون

حسني الإتلاتي

فلسطين

( من ديوان البشارة ٢٠٠٢ فرع ثقافة أسوان)



بقلم منال ياسين / أسوان / مصر


1782391978925.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى