د. محمد سعيد شحاتة - شعرية الوعي وإعادة إنتاج الحقيقة في ديوان ناظم الفصوص للشاعر عماد غزالي

لا يستسلم ديوان "ناظم الفصوص" لقراءة تعبر قصائده واحدةً بعد أخرى؛ لأن بنيته الداخلية تنزع إلى وصل النصوص بخيط فكري يزداد وضوحًا كلما اتسعت القراءة، فالقصائد، على اختلاف موضوعاتها وأصواتها، تعود باستمرار إلى مجموعة محدودة من الأسئلة الكبرى، حتى ليبدو الديوان أقرب إلى مشروع شعري يتأمل الإنسان وهو يعيد النظر في أدوات إدراكه للعالم، وما يلفت الانتباه منذ الصفحات الأولى أن عماد غزالي لا ينشغل بتمثيل الواقع بقدر انشغاله بالطريقة التي يتكون بها الوعي داخل هذا الواقع، وكيف تنشأ الحقائق؟ ولماذا تكتسب بعض السرديات سلطة البقاء، بينما تتوارى أخرى في هامش الذاكرة؟
وتمنح هذه الرؤية الديوان تماسكًا يتجاوز وحدة الموضوع إلى وحدة التفكير، فالتاريخ، والأسطورة، والذاكرة، والزمن، واللغة، ليست موضوعات مستقلة تتوزع عليها القصائد، وإنما هي عناصر تدخل في شبكة واحدة، تتبادل وظائفها باستمرار، حتى يغدو كل عنصر منها مدخلًا إلى الآخر، ولهذا لا يتعامل الشاعر مع الحدث التاريخي بوصفه واقعة منقضية، ولا مع الأسطورة باعتبارها أثرًا من آثار المخيلة القديمة، وإنما يعيد إدخالهما في حركة الحاضر، حيث تستأنف الأسئلة القديمة حضورها داخل التجربة الإنسانية المعاصرة.
ومن هذا المنطلق تكتسب الصورة الشعرية في الديوان وظيفة تتجاوز الإيحاء البلاغي؛ فهي لا ترافق الفكرة بعد اكتمالها، وإنما تشارك في إنتاجها، وتدفعها إلى آفاق جديدة من التأويل، لذلك تتأسس كثير من القصائد على صورة مركزية واحدة تتكاثر دلالاتها مع تقدم القراءة، فيتحول المجاز إلى وسيلة للتفكير، وتغدو اللغة نفسها حقلًا لاختبار الأسئلة التي يثيرها النص، أكثر من كونها أداة لصياغة الإجابات.
وانطلاقًا من هذه الخصوصية، تحاول هذه القراءة تتبع البنية الفكرية والجمالية التي تنتظم قصائد الديوان، من خلال الوقوف عند جدلية الوعي والأسطورة، وتمثلات التاريخ والزمن، ثم الكيفية التي يتحول بها المجاز إلى أداة لإنتاج المعرفة، وصولًا إلى الكشف عن الرؤية الشعرية التي تمنح هذه النصوص وحدتها العميقة، على الرغم من تنوع موضوعاتها ومساراتها التعبيرية.
جدلية الوعي والأسطورة وإعادة بناء الحقيقة
يفتتح عماد غزالي ديوان "ناظم الفصوص" من منطقة يندر أن تبدأ منها القصيدة؛ إذ يغدو الوعي نفسه مادتها الأولى، ومنذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أن التجربة لا تُبنى على انفعال عابر، بل على تأمل طويل يضم الفلسفة والتاريخ والأسطورة والذاكرة في نسيج واحد، لذلك لا تُقرأ القصائد بوصفها تعبيرًا عن تجربة شعورية فحسب، وإنما بوصفها محاولة متواصلة لاختبار المعرفة عبر الشعر، وتكشف قصيدة "صاحب الرقصة" منذ سطورها الأولى عن هذا المنحى؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه ليس سؤال الحكاية، وإنما سؤال الحقيقة التي تنتج الحكاية وتمنحها سلطة البقاء، لا ترد الحقيقة في القصيدة بوصفها معطى جاهزًا، وإنما وهي تتشكل داخل خيال الجماعة، حيث تمتزج بالرغبة والخوف والحاجة إلى التصديق، فتبدأ الأسطورة في احتلال المساحة التي تركها اليقين، لذلك يبدأ النص بإعلان بالغ الدلالة، يقول الشاعر:
كلُّهم يرتعبون من الحقيقةِ العارية
كلُّهم يبحثون عن حكايةٍ خرافيةٍ محبوكةٍ
تملأُ الفراغَ الأصليَّ
ذلك الفراغَ الذي خلَّفَهُ الإنكارُ العميق
ثم يواصل الراوي اعترافه الكاشف "كان من السهل تمامًا عليَّ/ نسجُ القصةِ التي يتداولونها الآن" قبل أن يبلغ ذروة المفارقة بقوله:
أنا رجلُ الحكايةِ الواحدةِ المستمرَّة
رجلُ الانبعاثِ من رقدةِ الموت
ليست هذه العبارات وصفًا لمدّعٍ يصنع معجزة، وإنما تشريح دقيق للكيفية التي تنتج بها الجماعات يقينها الجمعي، فالأسطورة هنا لا تُفرض من الخارج، لكنها تنبع من حاجة الجماعة إلى ملء الفراغ الذي يتركه غياب اليقين، ومن ثم تتحول الشخصية المتكلمة إلى نموذج ثقافي يتجاوز فرديته ليجسد كل سلطة تستمد شرعيتها من قدرة السرد على تحويل الوهم إلى يقين متداول، بهذا المعنى، لا يقف النص عند حدود نقد الخطاب الديني أو السياسي أو الاجتماعي، وإنما يتجه إلى البنية العميقة التي تجعل الإنسان مستعدًّا دائمًا لاستبدال الحقيقة بالسردية الأكثر قدرة على الإقناع، ومن هذه النقطة يبدأ الديوان كله في بناء منطقه الداخلي؛ فالشاعر لا يثق في الوقائع قبل أن يخضعها لاختبار التأمل، ولا يطمئن إلى البداهات قبل أن يفتش في الطبقات التي تسترها اللغة والعادة، لذلك تصبح القصائد اللاحقة امتدادًا لهذا السؤال المؤسس، حيث يتخذ الوعي صورًا متعددة، لكنه يظل منشغلًا بإعادة مساءلة ما يبدو ثابتًا؛ ففي "طرقة صامتة" يتحول الخوف من الجمود إلى خوف من توقف الوعي نفسه، ويعبر الشاعر عن ذلك بقوله "أخافُ أن يثبتَ صوتي وتتكلَّسَ ملامحي" ثم ينتهي إلى الصورة المكثفة في قوله:
أخافُ أن أصيرَ تحتَ وطأتِها الثقيلةِ
محضَ تمثالٍ
من دمٍ ولحم
فالتمثال هنا ليس رمزًا للصمت وحده، بل استعارة لإنسان فقد قابلية التحول، وأصبح أسير صورة واحدة عن ذاته، ولهذا يتجاور هذا النص مع قصيدة "الوسواس" التي يعلن فيها:
حاولتُ مرارًا...
أن أرى النملةَ بعين النملة...
أرى الماءَ بعين الماء
ثم يعترف بأن ذلك مستحيل؛ لأن "ليس ثمَّ كائنٌ هناك يمكنه أن يعيرني عينيه" قبل أن يكشف عن وجود ذلك الكائن في الداخل "يسكنُ فيَّ... يسكنُ في النقطةِ الأبعدِ عني" وهنا يبلغ المشروع الشعري إحدى أكثر لحظاته تركيبًا؛ فالمعرفة ليست انتقالًا إلى الآخر، بل هي رحلة مستمرة نحو منطقة مجهولة داخل الذات نفسها، وهي منطقة تظل أبعد من كل ما يظنه الإنسان قريبًا منه، ومن ثم يغدو الوعي حركة لا تستقر؛ لأن الذات لا تكتمل أبدًا، وإنما تعيش في حالة مراجعة متصلة لما تظنه يقينًا، وتتبلور هذه الرؤية بصورة أوضح في قصيدة "المحك"، حيث يرفض الشاعر أن تكون المحاكاة غاية للفعل الإنساني، فيكتب:
المحكُّ في الحياة إذن
هو أن نحتكَّ
أن تنتقلَ إلينا عبر الاحتكاك الطاقةُ
ثم يختم القصيدة بإعلان شديد الدلالة "لي بصمتي الخاصة / في كلِّ فعلٍ... وفي كلِّ قول" إن الاحتكاك هنا هو الشرط الحقيقي لتكوين الذات؛ لأنه يفتحها على التجربة دون أن يذيب خصوصيتها، وهكذا يتحول الديوان إلى دفاع مستمر عن فرادة الإنسان في مواجهة النسخ والتكرار، وعن حق الوعي في إنتاج صيغته الخاصة للعالم، لذلك تبدو قصائد الديوان جميعها وكأنها حلقات في مشروع معرفي واحد، ينتقل من تفكيك الأسطورة إلى مساءلة الذاكرة، ومن نقد التقليد إلى الدفاع عن حرية الإدراك، ومن زعزعة الحقائق المستقرة إلى اقتراح حقيقة أكثر تواضعًا وأشد اتصالًا بالتجربة الإنسانية، ومن هنا تنبع القيمة الجمالية لهذا الديوان؛ إذ لا يستمد قوته من كثافة الصورة وحدها، بل من قدرته على تحويل الشعر إلى أداة للتفكير، بحيث يصبح كل مجاز نافذة على سؤال فلسفي، وكل استعارة اختبارًا جديدًا لإمكانات الوعي في اكتشاف العالم وإعادة بنائه.
التاريخ بوصفه مادةً لإنتاج الوعي والزمن بوصفه بنيةً للتأويل
لا يدخل التاريخ في ديوان "ناظم الفصوص" بوصفه مستودعًا للأحداث أو مرجعًا للوقائع، وإنما يحضر باعتباره مادة خامًا يعيد الوعي الشعري تشكيلها وفق قوانينه الخاصة، فتغدو الشخصية التاريخية وسيطًا للكشف عن أسئلة الإنسان المعاصر أكثر من كونها هدفًا في ذاتها. ومن هنا تتجاوز قصائد مثل "الصفحات بعد الأخيرة من تاريخ الجبرتي" و"الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور" و"ثبات التواريخ" حدود الاستدعاء الثقافي إلى بناء رؤية ترى أن التاريخ الحقيقي يتشكل داخل فعل الكتابة ذاته. ففي قصيدة "الصفحات بعد الأخيرة من تاريخ الجبرتي" يتكلم المؤرخ بصوت معاصر يكشف مأزق المثقف أمام السلطة، فيقول:
بنو جلدتي يتهمونني
يرون أنني مشدودٌ برباطٍ غير مرئيٍّ
لكنَّه وثيق/ بهؤلاء الفرنسيس
ثم يفسر فعل الكتابة بقوله:
فما عساه يكون ذلك التأريخُ للأفعال والأقوال
ذلك التسجيلُ المكتوبُ
لكلِّ حدثٍ يومًا بيومٍ يمرُّ
قبل أن يبلغ ذروة الموقف الأخلاقي حين يقرر "وأنَّ صاحبَ الصفةِ لا يمكن شراؤه" إن الشاعر لا يعيد إنتاج شخصية الجبرتي كما استقرت في الذاكرة الثقافية، وإنما يستخلص منها جوهرًا معرفيًا يتمثل في استقلال الشاهد عن السلطة التي توثقها الكتابة. ولذلك يصبح المؤرخ نموذجًا للضمير الذي يملك القدرة على رؤية ما تعجز الجماعة عن رؤيته، لأن فعل التدوين هنا يسبق انتصار الوقائع نفسها. ومن اللافت أن هذه الرؤية تتجاور مع قصيدة "الصفحة الأخيرة من بدائع الزهور"، حيث يربط الشاعر بين امتلاك القلم ودفع ثمن الحقيقة، فيكتب قائلا:
حتى سلبوني داري وبستاني وراحلتي
ثم لم يلبثوا
أن رفعوا قلمي على مرأى من الناس
وعلَّقوه
على باب مصر
فالقلم في هذا السياق لا يؤدي وظيفة التدوين فحسب، بل يتحول إلى علامة على السلطة الرمزية التي يخشاها المستبد أكثر مما يخشى السلاح. ومن ثم يتبدى التاريخ في الديوان صراعًا دائمًا بين الذاكرة التي تحفظ الوقائع والقوة التي تسعى إلى احتكار تأويلها، وهو ما يمنح القصائد بعدًا ثقافيًا يتجاوز حدود المناسبة التاريخية إلى مساءلة موقع المثقف داخل المجال العام. ويتسع هذا التصور حين ينتقل الشاعر إلى مساءلة الزمن نفسه بوصفه بناءً ذهنيًا أكثر من كونه حركة فيزيائية، ففي "تعليق صوتي مصاحب للفيلم" يفتتح النص بقوله:
قبل وجودنا لم يوجد العالم
كانت هناك أرضٌ وكانت سماءٌ
لم يشهد عليهما أحدٌ
كأنَّ شهادتنا
هي جواز مرور العالم إلى التشيؤ
ثم يتأمل العلاقة بين الذاكرة والصورة قائلًا:
أما الصورةُ
فابنةُ الحقيقةِ الصلبةِ العارية
ومشنقةُ التصور
وهنا يقترب الديوان من سؤال فلسفي بالغ العمق يتعلق بطبيعة الوجود نفسه؛ فالعالم لا يكتسب حضوره إلا عبر الوعي الذي يشهد عليه، بينما تؤدي الصورة، على الرغم من دقتها، إلى تضييق مساحة الخيال لأنها تثبت ما كان قابلًا لتعدد الاحتمالات. ومن ثم تصبح الذاكرة الشعرية أكثر قدرة على إنقاذ التجربة من التسجيل الآلي، لأنها لا تحفظ الوقائع، وإنما تحفظ إمكانات تأويلها. وتتجلى هذه الفكرة من زاوية أخرى في قصيدة "ثبات التواريخ"، حيث ينسج الشاعر السيرة العائلية داخل الأحداث الكبرى، فيجاور بين ميلاد الأفراد وتحولات التاريخ السياسي، فتتجاور عبارات مثل "في العام ١٩٦٢... وُلدتُ أنا" مع الإشارات إلى الحروب والاحتلال والرحيل والتحولات الوطنية. وبهذه التقنية يزعزع الشاعر الفاصل التقليدي بين التاريخ الكبير والتاريخ الشخصي؛ إذ لا تبدو الأحداث الوطنية إطارًا خارجيًا لحياة الإنسان، وإنما تصبح جزءًا من نسيج تكوينه النفسي والوجودي. فالزمن، وفق هذا التصور، لا يسير في خط مستقيم، بل يتشكل من دوائر متداخلة، تتقاطع فيها الذاكرة الخاصة مع الذاكرة الجمعية، ويصبح كل تاريخ عام تاريخًا شخصيًا بصورة من الصور. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قصيدة "آلة لقياس الزمن"، حيث يتحول الزمن إلى تجربة شعورية خالصة، فيقول:
حين أصغيتُ إلى ذاتي
اتسع الوقتُ
ثم يقابلها بقوله:
حين أصغيتُ إلى ذواتهم
ضاق عليَّ الوقتُ
قبل أن ينتهي إلى أمنية وجودية مؤثرة، فيقول:
لو عدتَ يا أبي لبعض الوقت
سآمر الزمن بالتباطؤ الذي يسبق التوقف
وهنا يغادر الزمن معناه الكرونولوجي ليصبح مقياسًا لدرجة الامتلاء الوجودي؛ فالدقائق لا تُقاس بحركتها على الساعة، وإنما بقدرتها على احتواء التجربة الإنسانية. ومن ثم يتكشف البناء الكلي للديوان بوصفه محاولة متصلة لتحرير الإنسان من استبداد الزمن الخطي، وإعادة إدخاله في زمن داخلي تتجاور فيه الذكرى والرؤية والتأمل والحدس. لذلك لا تبدو قصائد ديوان “ناظم الفصوص" منفصلةً عن بعضها، بل تتساند في إنتاج رؤية شعرية ترى أن المعرفة تبدأ من مراجعة التاريخ، وأن الذاكرة تصبح أكثر خصوبة كلما تحررت من سلطة الوقائع الجامدة، وأن الشعر يظل المجال الأقدر على تحويل الزمن من سجل للأحداث إلى أفق دائم لإعادة اكتشاف الإنسان والعالم.
شعرية المجاز المعرفي وتحولات الذات
يلفت الانتباه منذ القراءة الأولى أن المجاز يحتل موقعًا محوريًّا في بناء قصائد الديوان، فالصورة عند عماد غزالي لا تأتي بعد اكتمال الفكرة لتكسوها ثوبًا بلاغيًّا، وإنما تتولد الفكرة من داخلها، وكأن القصيدة تفكر بلغتها قبل أن تعلن معناها. لهذا تتكرر في الديوان صور كبرى تستوعب حركة النص كاملة؛ فكل قصيدة تكاد تنتظم حول مجاز رئيس لا يلبث أن يتشعب إلى شبكة من العلاقات والإيحاءات، حتى يغدو البناء الشعري قائمًا على نمو الصورة من الداخل أكثر من اعتماده على تراكم التشبيهات أو الزخارف البيانية، ففي قصيدة "المايسترو" لا يكتب الشاعر عن قائد أوركسترا بقدر ما يصوغ استعارةً للمبدع وهو يوازن بين سلطان النظام وضرورة الابتكار، يقول:
عيتُ النوتةَ الأصليةَ كما لم يعِها أحدٌ...
لكنَّ تلك الدقةَ الشديدةَ جعلتني...
مثلَ واحدٍ من العامة، فالدقةُ فخٌّ
ثم يصل إلى لحظة المراجعة الحاسمة، فيقول:
أبتكرُ قليلًا كلَّ حينٍ...
أبتكرُ داخلَ هذه النوتةِ لا خارجَها
ولا يطرح النص هنا معارضةً بين الأصالة والتقليد، بل يبلور تصورًا أكثر تركيبًا، يجعل الإبداع فعلًا ينشأ من استيعاب النظام إلى الحد الذي يسمح بتجاوزه من داخله. فالمجاز الموسيقي لا يحيل إلى الموسيقى ذاتها، وإنما إلى قوانين المعرفة الإنسانية؛ إذ لا يولد الجديد من الفراغ، وإنما من إعادة ترتيب البنية القائمة وإعادة توزيع طاقاتها الكامنة. ومن هنا يكتسب فعل الابتكار معناه الأخلاقي، لأنه يقوم على مسؤولية الفهم قبل رغبة الاختلاف، ويغدو الإبداع ممارسةً واعيةً لحرية منضبطة، لا قطيعةً مجانية مع التراث أو مع الخبرة السابقة.
ويمتد هذا المنطق المجازي إلى قصيدة "المفرد والجموع" حيث تتحول العلاقة بين الفرد والجماعة إلى سؤال أنطولوجي يتعلق بإمكان التميز داخل البنية الاجتماعية. يقول الشاعر:
هو يشكو التشابه...
لكنه مشاركٌ في الانخراط
ثم يبلغ خلاصة الرؤية بقوله:
لكنَّ الآخرين أيضًا يحلمون...
نعم
وهنا بالضبط الفارق الحقيقي يكمن...
هم جميعًا يفكرون بالطريقة ذاتها
لكنهم يحلمون؛ فردًا فردًا
وتكشف هذه الصياغة عن أحد أهم ملامح المشروع الشعري في الديوان؛ إذ لا تُختزل الفرادة في امتلاك أدوات مختلفة أو أفكار غير مسبوقة، وإنما تُرد إلى الكيفية التي يعيد بها الفرد تشكيل تجربته الخاصة داخل العالم المشترك. فالحلم، في هذا السياق، ليس هروبًا من الواقع، بل هو المجال الوحيد الذي تستعيد فيه الذات خصوصيتها بعد أن تذيبها الجماعة في أنماطها المستقرة. ولهذا لا ينظر الشاعر إلى الجموع بوصفها خصمًا، وإنما باعتبارها شرطًا ضروريًا لظهور المفرد؛ فكل فرادة لا تُختبر داخل الجماعة تبقى إمكانًا نظريًا، بينما تكتسب معناها الحقيقي عبر الاحتكاك المستمر بالآخرين، وهو المعنى الذي سبق أن مهدت له قصيدة "المحك" حين جعلت الاحتكاك أصلًا لتكوين الخبرة الإنسانية. وهكذا تتساند القصائد في بناء شبكة مفهومية واحدة، يعيد كل نص فيها إضاءة الآخر من زاوية جديدة.
وتزداد كثافة هذا المجاز المعرفي في قصيدة "السباق" التي تبدو للوهلة الأولى مشهدًا عبثيًا لرجل يجري في الاتجاه المعاكس داخل مضمار رياضي، غير أن البناء السردي يكشف تدريجيًا أن المشهد يمثل تاريخ الأفكار أكثر مما يمثل سباقًا فعليًا. يقول الشاعر "وأجري... في الاتجاه المضاد" ثم بعد سنوات من العقوبة يكتشف أن "اللاعبين يدورون في الاتجاه الذي اقترحتُه قديمًا" بينما يُلقى بشخص آخر في السجن لأنه كرر الفعل نفسه، قبل أن يختم النص بعبارة لافتة "بعد سباقين تم تعليقهما يتعدل الاتجاه" ولا يحتاج القارئ إلى كثير من الجهد ليدرك أن الشاعر يصوغ هنا قانونًا ثقافيًا يتكرر في تاريخ الفكر؛ فالفكرة الجديدة تُقابل أولًا بالرفض لأنها تخلخل النسق القائم، ثم تتحول مع الزمن إلى قاعدة جديدة، قبل أن يعاد إنتاج الدورة ذاتها مع كل محاولة للتجاوز. ومن ثم يغدو السباق مجازًا لحركة الحضارة نفسها، ويصبح تغيير الاتجاه نتيجةً لتراكم المغامرات الفردية التي دفعت أثمانها قبل أن تتحول إلى وعي جمعي. وهذا التحول من الواقعة الجزئية إلى القانون الكلي هو ما يمنح المجاز في الديوان طابعه المعرفي؛ إذ لا يتوقف عند حدود الصورة، وإنما ينتهي دائمًا إلى استخلاص بنية فكرية أوسع.
ويبلغ هذا المسار ذروة نضجه في قصيدة "نهرٌ يجري" حيث تتخذ الذات من النهر صورةً لكيانها الداخلي، يقول الشاعر:
مشكلتي مع أعماقي التي تخفي أكثر مما تبين...
مع الأسرار والجثث التي لا تطفو
ثم تعلن في النهاية:
وأنا كنهر...
أعلم أن بداخلي مآكيل كثيرة،
وأنني أنا ذاتي مأكولٌ بعد حين
وهنا يتحرر المجاز من وظيفته الوصفية تمامًا، لأن النهر لا يعود موضوعًا للتأمل، بل يتحول إلى صيغة معرفية لفهم الإنسان بوصفه كائنًا يحمل في أعماقه طبقات من الذاكرة والرغبة والخسارة لا تنكشف كاملة أبدًا. إن الجريان المستمر لا يعني الصفاء، بل يعني حمل الرواسب والأسرار والاحتمالات جميعها نحو مصير واحد، وهو ما يجعل صورة النهر خاتمةً منطقية لمسار طويل من المجازات التي شيّدها الديوان. فمن المايسترو إلى المفرد، ومن السباق إلى النهر، ينجح عماد غزالي في بناء منظومة رمزية متماسكة تتجاوز حدود البلاغة التقليدية، وتؤكد أن المجاز في الشعر الحديث لم يعد زينةً لغوية، وإنما أصبح أحد أهم أدوات التفكير، ووسيلةً لإعادة اكتشاف العالم من خلال إعادة اكتشاف اللغة ذاتها.
شعرية اللغة وبناء الدلالة في الديوان
تبدأ خصوصية اللغة في ديوان "ناظم الفصوص" من اقتصادها الشديد، فعماد غزالي لا يراكم المفردات طلبًا للزخرف، ولا يندفع إلى بناء الصورة عبر كثافة الوصف، وإنما يختار ألفاظًا محدودة، ثم يضعها في سياقات تجعلها قابلة لإنتاج معانٍ تتجاوز معناها القاموسي، ولهذا يندر أن تصادف في الديوان كلمة تؤدي وظيفة إخبارية خالصة؛ فالمفردة تكتسب قيمتها من موقعها داخل الجملة، ومن علاقتها بما يسبقها وما يليها، حتى يصبح البناء اللغوي نفسه جزءًا من التجربة الشعرية، ويظهر ذلك بجلاء في قصيدة "اسأل القرية" حين يقول:
لغةً
المفردةُ فيها لا تشيرُ إلى الشيء
بل هي الشيء
ولا تبدو هذه العبارة وصفًا لقرية متخيلة بقدر ما تكشف عن التصور الذي يحكم لغة الديوان كلها؛ فالشاعر لا ينظر إلى الكلمة بوصفها علامة تحيل إلى الواقع من خارجه، وإنما يتعامل معها باعتبارها جزءًا من تكوينه، ومن هنا يغدو فعل التسمية فعلًا من أفعال الوجود؛ لأن اللغة لا تأتي بعد العالم لتصفه، وإنما تشارك في تشكيل صورته داخل الوعي، وليس من المصادفة أن يعقب ذلك بقوله:
ومثلما تشكّل الكونُ من كلماتِ الإله
تشكّلت القريةُ
من كلام أهلها الشجريين
فالإحالة هنا لا تستدعي المرجع الديني على سبيل الزينة الثقافية، وإنما تؤسس لفكرة ترى أن الوجود واللغة يصدران عن فعل واحد، وأن الكلمة تمتلك قدرة الإنشاء قبل أن تمتلك قدرة الإخبار، وبهذا يقترب الشاعر من رؤية تجعل اللغة وسيطًا بين الإنسان والعالم، لا وعاءً محايدًا تنقل من خلاله الأفكار.
ويزداد هذا الوعي بطبيعة اللغة وضوحًا في الطريقة التي يصوغ بها الجملة الشعرية؛ فالجملة عند عماد غزالي لا تتجه مباشرة إلى غايتها، بل تتقدم عبر تردد مقصود، واستدراك، وتعديل، كأنها تفكر في معناها في أثناء تشكله، ويتبدى ذلك في قصيدة "المجبول هكذا" إذ يفتتحها بقوله:
جُبلتُ على هذا...
جُبلتُ على أشياء كثيرة
ثم تتوالى العبارات:
أمشي نصف خطوة
وأعدو نصف مسافة
وأقطع نصف مشوار
قبل أن يصل إلى قوله:
وما لديَّ من أنصافٍ
لا يغني شيئًا
واللافت أن لفظة "النصف" لا تؤدي هنا وظيفة كمية، وإنما تتحول إلى بؤرة دلالية تنتظم القصيدة كلها، فالتكرار لا يُستخدم لتوكيد المعنى، بل لبناء إيقاع داخلي يشعر القارئ بأن التجزُّؤ أصبح صورة للوجود نفسه، ومع كل عودة إلى الكلمة يزداد معناها اتساعًا؛ فهي تنتقل من وصف الحركة إلى وصف التجربة الإنسانية بأكملها، ومن ثم لا يعود النقص حالة عارضة، بل يصبح طريقة في إدراك العالم، وهو ما يفسر النهاية التي لا تقدم خلاصًا، وإنما تترك الذات في مواجهة ما تبقى منها وما أفلت منها في آن واحد.
ويستعين الشاعر، في مواضع كثيرة، بالفعل بوصفه عنصرًا بنائيًّا يضفي على اللغة طابع الحركة والاستمرار، ففي قصيدة "آلة لقياس الزمن" تتكرر الأفعال "أصغيتُ – اتسع – ضاق – يتلاعب" لتنتقل التجربة من ماضٍ يستعاد إلى حاضر يعاش داخل القصيدة، وليس الأمر مجرد اختيار صرفي؛ لأن الفعل عند عماد غزالي يحمل العبء الأكبر في تشكيل الدلالة؛ فهو الذي ينقل الزمن من حالته المجردة إلى تجربة محسوسة، ويمنح الأفكار الفلسفية حركة لا تفقدها بعدها الإنساني، ولهذا تبدو الجملة قصيرة في مواضع كثيرة، لكنها تظل مفتوحة على ما بعدها؛ لأن الفعل يجرُّ معه سلسلة من الاحتمالات التي لا تتوقف عند حدود العبارة، ويقود ذلك إلى ملاحظة أخرى تتصل بندرة الصفات في هذا الديوان إذا قيست بحضور الأفعال والأسماء؛ فالشاعر يفضل أن يجعل الحركة هي التي تكشف طبيعة الأشياء، بدلاً من أن يصفها بصفات جاهزة، وهو اختيار ينسجم مع رؤية ترى أن العالم يتحدد بما يفعله أكثر مما يتحدد بما يوصف به.
ومن خلال هذه الخصائص جميعها تتشكل لغة لا تستعرض قدرتها البلاغية، ولا تنصرف إلى الإبهار اللفظي، وإنما تبني دلالتها بالتدرج، عبر مفردات مألوفة تعاد صياغة العلاقات بينها حتى تكتسب طاقة إيحائية جديدة، ولهذا تبدو قصائد الديوان قريبة من القارئ في ظاهرها، لكنها لا تمنحه معناها دفعة واحدة؛ فكل قراءة تعيد ترتيب الصلات بين الكلمات، وتكشف إمكانًا جديدًا في الجملة ذاتها، وهنا تتجلى إحدى السمات الأبرز في تجربة عماد غزالي؛ إذ تصبح اللغة شريكًا في إنتاج الرؤية، لا وسيلة للتعبير عنها بعد اكتمالها، ويغدو بناء الدلالة نتيجة مباشرة للطريقة التي تنتظم بها المفردة داخل النسيج الشعري، لا للمعنى المعجمي الذي تحمله في أصلها.
خاتمة
تكشف القراءة السابقة أن ديوان "ناظم الفصوص" لا يقوم على جمع قصائد تتجاور داخل غلاف واحد، ولكنه يتأسس على رؤية تنتظمها جميعًا، مهما تباعدت موضوعاتها وتعددت مداخلها؛ فكل قصيدة تعيد الاقتراب من السؤال نفسه عبر طريق مختلف، مرة من التاريخ، وأخرى من الأسطورة، وثالثة من الذاكرة أو اللغة أو المجاز، غير أن هذه المسارات تلتقي عند رغبة واضحة في مساءلة الكيفية التي يدرك بها الإنسان العالم، قبل أن يسعى إلى تفسيره أو إصدار الأحكام عليه.
وتبين الدراسة أن الوعي يمثل المركز الذي تنتظم حوله البنية الشعرية في هذا الديوان؛ فمن خلاله يعاد النظر في الحقائق المستقرة، وتختبر السرديات المتوارثة، ويستعاد التاريخ خارج يقينه الجاهز، كما تتحول الصورة الشعرية إلى أداة للكشف لا إلى وسيلة للتزيين، وتغدو اللغة مجالًا لإنتاج الدلالة، لا وعاءً محايدًا لنقلها، ولهذا جاءت القصائد متساندة في بناء أفق معرفي واحد، على الرغم من اختلاف شخصياتها وأقنعتها وأزمنتها.
ويبرز من خلال هذه القراءة أيضًا أن عماد غزالي ينتمي إلى ذلك النمط من الشعراء الذين لا يفصلون بين التجربة الفكرية والتجربة الجمالية؛ فالفكرة لا تسبق القصيدة، ولا تأتي بعدها، وإنما تتخلق داخل حركتها اللغوية، وفي أثناء تشكل صورها وعلاقاتها الداخلية، ومن هنا يكتسب المجاز قيمته؛ لأنه يوسع حدود الإدراك، ويفتح أمام المعنى احتمالات لا تستطيع اللغة المباشرة أن تبلغها.
وعلى هذا الأساس يغدو ديوان "ناظم الفصوص" تجربة شعرية تتجاوز الانشغال بالحدث أو التأمل العابر، لتقدم رؤية للوجود قوامها الشك المنتج، والبحث الدائم، ومراجعة المسلمات، وهي رؤية تمنح الديوان مكانته داخل الشعر العربي المعاصر، بوصفه نصًّا يراهن على طاقة الشعر في إعادة بناء المعرفة، بقدر ما يراهن على قدرته في إنتاج الجمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى