ھدى حجاجي أحمد - خرائط الندوب

الجزء الثاني: الرسالة التي وصلت متأخرة

في مساء اليوم نفسه، وبينما كانت سلمى تحتسي قهوتها قرب النافذة، رن هاتفها برقم لم تعرفه.

ترددت قليلًا قبل أن تجيب.

جاءها صوت خافت من الجهة الأخرى:

— سلمى... هل ما زلتِ تذكرينني؟

ارتجفت أصابعها دون أن تدري السبب.

كان الصوت قديمًا، قديمًا جدًا.

صوت رجل ظنت أنه أصبح جزءًا من زمن انتهى.

لم تقل شيئًا.

أما هو فتابع بصوت مرتبك:

— وجدت رقمك بالصدفة... وأردت فقط أن أطمئن عليك.

ضحكت في سرها.

كم تبدو كلمة "الصدفة" بريئة أحيانًا وهي تحمل وراءها سنوات كاملة من الحكايات.

تبادلا كلمات قليلة.

سؤال عن الصحة.

وسؤال عن العمر الذي مضى.

وبعض الصمت الذي كان يقول أكثر مما تقوله الجمل.

ثم انتهت المكالمة.

ببساطة شديدة.

لا اعترافات.

لا عتاب.

لا دموع.

ولا حتى محاولة لإحياء ما مات.

وضعت الهاتف جانبًا ونظرت إلى انعكاس وجهها في زجاج النافذة.

كانت تتوقع أن تنقلب الدنيا داخلها.

أن تستيقظ كل الأوجاع دفعة واحدة.

أن يعود الجرح نازفًا كما كان.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

شعرت فقط بهدوء غريب.

كأن امرأة أخرى غيرها هي من عاشت تلك القصة.

عندها فهمت معنى جديدًا للندوب.

فالندبة ليست جرحًا مستمرًا.

إنها شهادة نجاة.

دليل على أنك عبرت النار ذات يوم وبقيت حيًا.

مررت أصابعها على حافة فنجان القهوة وهمست:

"كم كنت أظن أنني لن أنجو."

ثم ابتسمت.

لأول مرة منذ سنوات لم تشعر بالحزن وهي تتذكره.

بل شعرت بالامتنان.

امتنان لشخص كان يومًا جزءًا من حياتها.

وامتنان أكبر لأنها استطاعت أن تكمل الطريق بعد رحيله.

خارج النافذة كانت الأضواء تتوهج في الشوارع البعيدة.

أما داخلها، فكان شيء قديم ينطفئ أخيرًا في سلام.

الجزء الثاني: الرسالة التي وصلت متأخرة

في مساء اليوم نفسه، وبينما كانت سلمى تحتسي قهوتها قرب النافذة، رن هاتفها برقم لم تعرفه.

ترددت قليلًا قبل أن تجيب.

جاءها صوت خافت من الجهة الأخرى:

— سلمى... هل ما زلتِ تذكرينني؟

ارتجفت أصابعها دون أن تدري السبب.

كان الصوت قديمًا، قديمًا جدًا.

صوت رجل ظنت أنه أصبح جزءًا من زمن انتهى.

لم تقل شيئًا.

أما هو فتابع بصوت مرتبك:

— وجدت رقمك بالصدفة... وأردت فقط أن أطمئن عليك.

ضحكت في سرها.

كم تبدو كلمة "الصدفة" بريئة أحيانًا وهي تحمل وراءها سنوات كاملة من الحكايات.

تبادلا كلمات قليلة.

سؤال عن الصحة.

وسؤال عن العمر الذي مضى.

وبعض الصمت الذي كان يقول أكثر مما تقوله الجمل.

ثم انتهت المكالمة.

ببساطة شديدة.

لا اعترافات.

لا عتاب.

لا دموع.

ولا حتى محاولة لإحياء ما مات.

وضعت الهاتف جانبًا ونظرت إلى انعكاس وجهها في زجاج النافذة.

كانت تتوقع أن تنقلب الدنيا داخلها.

أن تستيقظ كل الأوجاع دفعة واحدة.

أن يعود الجرح نازفًا كما كان.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

شعرت فقط بهدوء غريب.

كأن امرأة أخرى غيرها هي من عاشت تلك القصة.

عندها فهمت معنى جديدًا للندوب.

فالندبة ليست جرحًا مستمرًا.

إنها شهادة نجاة.

دليل على أنك عبرت النار ذات يوم وبقيت حيًا.

مررت أصابعها على حافة فنجان القهوة وهمست:

"كم كنت أظن أنني لن أنجو."

ثم ابتسمت.

لأول مرة منذ سنوات لم تشعر بالحزن وهي تتذكره.

بل شعرت بالامتنان.

امتنان لشخص كان يومًا جزءًا من حياتها.

وامتنان أكبر لأنها استطاعت أن تكمل الطريق بعد رحيله.

خارج النافذة كانت الأضواء تتوهج في الشوارع البعيدة.

أما داخلها، فكان شيء قديم ينطفئ أخيرًا في سلام.

يتبع...

بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى