شريف محي الدين إبراهيم _ الفلاحة

كان رصيف الدرجة الثالثة بمحطة القطار يعج بالمسافرين.

هي وحدها لفتت انتباهي... وانتباه معظم الواقفين.

قمحية البشرة، واسعة العينين، ذات بنية قوية، وجمال ريفي نادر لا يعرف الزينة. ترتدي جلبابًا باهتًا، وطرحة ملونة، وحذاءً ما زالت عالقة به بقايا طين الحقول، كأنها جاءت إلى المحطة من قلب الأرض.

كانت تجلس على الأرض إلى جوار شخص لا أكاد أرى منه إلا رأسًا يميل نحوها، وكتفًا تستند إليه.

كلما مال، احتضنته في حنان، وأعادت رأسه إلى صدرها، ثم قبلت جبينه، وربتت على خده برفق.

بدا المشهد عجيبًا!

كانا يتصرفان وكأن لا أحد سواهما في المحطة، بينما كانت عيون المارة تتسلل إليهما في فضول صامت.

سمعتها تقول:

إنت هبطان.

وجاءها صوت واهن:

شربت اللبن.

قالت، وقد غلبها القلق:

بس ما أكلتش حاجة.

أدخلت يدها في جيب جلبابها، وأخرجت حفنة من العملات المعدنية.

عدتها...

ثم أعادتها إلى جيبها.

وما لبثت أن أخرجتها ثانية، لتعيد عدها من جديد، ثم قبضت على النقود بقوة، كأنها تخشى أن تفلت منها، وقالت وهي تبتسم ابتسامة حاولت أن تخفي بها انكسارها:

استحمل يا حبيبي... لما نوصل أبقى أجيب لك.

هز رأسه في وهن، ولم يقل شيئًا.

طال انتظار القطار، كعادته.

وحين دخل المحطة، اندفع الناس نحو الأبواب.

أما هي، فنهضت في حركة واحدة، وانحنت إليه، ثم أحاطته بذراعيها، وحملته كما تحمل الأم طفلها، وصعدت به درجات العربة المزدحمة، بينما كان مستسلمًا تمامًا بين ذراعيها.

ساد صمت قصير.

وتبعتهما العيون حتى اختفيا داخل العربة.

دخلت خلفهما، وجلست قبالتهما تمامًا.

عندها رأيته بوضوح لأول مرة.

شيخ هرم، ضئيل الجسد، نحل المرض عظامه، وتجعد وجهه حتى بدا كخريطة رسمها الزمن.

أجلسته فوق حجرها، وأسندت رأسه إلى صدرها، وأخذت تمسح عرقه بطرف طرحتها، ثم أصلحت ياقة جلبابه، وربتت على شعره الأبيض، وهمست له بكلمات لم أسمعها.

كان ينظر إليها بعينين مطفأتين، كأنهما لا تعرفان من الدنيا إلا وجهها.

لم أستطع أن أمنع نفسي من مراقبتهما.

التفتت إليّ في خجل.

أومأت برأسي.

ابتسمت في امتنان.

ثم عدلت رأسه على صدرها برفق، وقالت:

أبي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى