قال لها : خذيها.
قالت له: هاتِها
بعد قليل .
قالت له: خذْها
قال لها: هاتيها.
توقفا، وهما يتبادلان النظرات.
توقفا، كان هناك شيء يثير الصمت القابع وراء الكلمات عينها تلك التي نطقاها.
توقفا. إدراكٌ مشترك، ليس بالدلالة ذاتها، حرَّك كلاً منهما ليس في اتجاه الآخر تحديداً، إنما في اتجاه أشعراهما أن هناك ما يثير كلاً منهما بطريقة تبقيه ضمن مسافة لا يمكنهما قطعها.
بادرت هي أولاً بالقول. طبعاً كان لصوتها قيمة الشهادة على وقوع جُرْم واستمراريته دون النظر فيه كما كما يجب:
-أرأيتَ، أسمعت، أانتبهت إلى ما يجري؟
لا بد أن استغراباً تلبَّسه، وهو يرد بصيغة استفسار:
-أهناك طارىء ما؟
ابتسمت. لا بد أنها أبلغته رسالة من وراء تلك الابتسامة الخاصة، ثم بنبرة تهكّم مُرة لا يمكن تجاهلها:
-طارىء ما؟ إنه طارىء مذ كنا!
اتسعت حدقتاعينيه. لا بد أن وراء الهيئة تلك ما لم يدركه ولم يتداركه:
-هاتيها!
ردت عليه ببعض ابتسامة، طبعاً هي لم تكن كالأولى:
-ها أنت قلت قلتها بنفسك!
ببعض استغراب:
-نوّريني!
ردت بابتسامة، مؤكدٌ تماماً أنها غير الابتسامتين السالفتين:
-هذا في حال إذا كنت تقبل مثل هذه الإشارة.
توقف لبعض الوقت. مسح المكان بنظرة لا بد أنها تشدد على أنه حتى اللحظة تلك كان في حيرة من أمره، ثم:
-كما قلتُ، هاتيها تنويراً.
ردت في الحال، تاكيداً على أنها كانت تسابق اللحظة ذاتها لتقول ما يشغلها بكاملها:
-قلتُ هاتها، وقلتَ هاتيها، قلت خذها، وقلت خذيها..
ضيقَ زاوية الإبضار لديه. كان ثمة شيء ما يقلقه وهو يسمع ما قلته له:
-وهل من خطأ؟
كانت ابتسامتها هذه المرة أكثر اتساعاً. لا بد أنها تلمست في سؤاله ما اعتبرته الجواب الذي تهيأت له:
-طبعاً لن تدرك ذلك..أو لن تدركوا ذلك.
رفع يديه على طولهما. لعله أراد بحركته تلك إيقاف حركته. ثم:
-من نحن ؟
-أنتم الرجال.. الرجال الرجال.. الرجال الذكوووور ..
حاول ضبط نفسه قليلاً، ثم:
-هناك حقاً ما لا أعلم به.
-لأختصر، وأوفّر عليك جهد الوصول إلى الجواب. إنها علة الحرف الفاصل التليد بيننا.
استمر في استغرابه طالباً توضيحاً إضافياً:
-علة أي حرف؟
حرَّكت يدها اليمنى هذه المرة. استشعرت قوة داخلية ترفع يدها، شعوراً منها أن الكلام وحده غير مرض ٍ:
-ماالذي يعني قول: هاتيها، أو خذيها، وحين أقول: خذها، أو هاتها؟
رد في الحال ساعياً إلى تجاوز توتره الذي بدأ يؤثر في نبرة صوته:
-هكذا اعتدنا. ماذا في الأمر؟
بالسرعة عينها ردت، إنما بصيغة تساؤل تعبيراً عن توتر نفسي عجزت عن تحديد عمره:
-هكذا اعتدتم أنتم، لا نحن النساء..في في حركة " الكسرة " كقولك " أنت ِ " أوإضافة حرف " الياء " كقولها: خذيها، هاتيها، تشير إلى اختلاف قائم، فيه وبه يكون تمايزكم، أما نحن النساء، فبمجرد أن تقول : هاتيها، خذيها، قوليها، اسمعيها..تشير إلى نقطة فاصلة بيننا، وجانب الكسر المغروس داخلنا..
أراد هدوءاَ:
-مذ كان أجدادنا، أو أسلافنا الأوائل، وجدت اللغة بالطريقة هذه..
كأنها انتظرت منه جواباً من هذا القبيل:
-ذلك يستجيب للقوة الغاشمة، للسيطرة التي تحبون ممارستها على النساء. وهذا وحده كاف للتعبير عن مدى تجاهل الجرح الكبير الذي سببتموه لنا وإلى الآن، ونحن ننزف بسببكم في علة أنتم مصدرها..
أراد طمأنتها :
-حسن، عندما نقول: سنمشي معاً، أنا أمشي، أو نعمل معا، أو أنا أعمل..
شعرت بتوتر صاعد من أعماقها:
-ذلك دليل آخر على استخفافكم بنا.. وسؤالي على ما قلته الآن: هل ترى أن الشعور الذي تعيشه بقولك عن نفسك " أنا " أو " نعمل معاً" ونحن معاً، هو نفسه الذي أعيشه؟ أم تبقى علة الحرف التي تشير إليكم قائمة؟
حرَّك رأسه لأكثر من مرة، وهو يحرّك كلتا يديه، ناظراً إلى الأعلى:
-إلهي، ماذا يجري؟
أقلقها قوله هذا صحبة حركته تلك:
-لا شأن لإلهك بك، وبنا.. أنتم من جعلتم هذا اللغة هكذا، إنها لغتكم أنتم بالذات، وعدم شعوركم بما يجري، وتجاهلكم لما أشرتُ إليه شهادة دامغة على سوء تقديركم لأنفسكم ولنا أيضاً..
ثمة شيء ما نبّهه إلى جهة لم ينظر فيها، تلك الجهة التي كانت تشير إليها بيدها، وهي تتابعها بعينيها، دون أن يكون هناك ما يُرى من قبله، وهو يحاول أن يستعين ببصيرته لعله يفلح في ذلك، وهو واقف قبالتها.
كان يرّكز على وجهها.
كانت تركّز على عينيه.
لعله أدرك بعضاً مما سمعه، في الوقت الذي كانت تعيش حالتها مع علة حرف ، أشعرتها بقوة مضادة داخلها مرفقة بسؤال: هل يمكن تجاوزها بالسهولة هذه؟