أميره عبدالعظيم - الشاهد الأخير...

في صباحٍ لم يكن يشبه غيره، وقفتُ أمام بوابة إعدام السيارات، أحمل في يدي قرار الحكم بالاعدام، وأحمل في قلبي ثلاثين عاماً من طريق الذكريات.

نظر العامل إلى سيارتي الحمراء وسأل ببرود:
"هل هي للبيع؟"

أجبته بعد صمتٍ طويل:
"لا... إنها للموت."

ابتسم ظانًّا أنني أمزح، ثم أخذ يدقق في رقم الهيكل، بينما كنت أحدق في هيكلها الذي كساه آثار العمر، كما لو كنت أقرأ كتاباً قديماً أعرف كل صفحة فيه.

لم تكن سيارةً فاخرة، ولم تكن الأسرع، لكنها كانت تحفظ أسماء الأماكن أكثر مما تحفظها الخرائط.

كانت تعرف الطريق إلى العمل قبل أن تشرق الشمس، وإلى المنزل حين تغيب، والى بيت أمي،والى مبنى المستشفى والى السوق وكأن الوطن كله كان يسكن في مقاعدها.

في المقعد الأمامي جلست كتبي وأشعاري،

وفي المقعد الخلفي نامت صناديق ذكريات رحلاتي،

كانت تعرف أن مهمتها.
بل نقل الذاكرة.
كم مرةً عادت ليلاً وزجاجها مكسور، بعد أن اعترضها حجرٌ عند حاجز، أو أصابها غضب شجارٍ لم تكن طرفاً فيه.

وكم مرةً عبرت السواتر الترابية والطرق الوعرة،
لم تشكو يوماً.
بل تمضي بصمت، وكأنها تعرف أن الرسائل الكبيرة لا تحتاج إلى ضجيج.

قال العامل وهو يوقع أوراق الإعدام:
"انتهى عمرها."
باغته بابتسامة رمادية حزينه
"بل انتهى عمر الحديد."
رفع رأسه متعجباً.
أشرت إلى صندوقها الخلفي وقلت:
"افتحه."
فتحه.

لم يجد قطعة غيار، ولا إطاراً احتياطياً.
وجد دفاتر ميدانية، وصوراً باهتة، وتسجيلات لأغانٍ شعبية، ومخطوطات، وأسماء قرى، ورسائل شكر، وشهادات تقدير، وأوراقاً تحمل رائحة البيادر والزيتون.

ظل يقلبها طويلاً، ثم أغلق الصندوق ببطء.

قال بصوتٍ خافت:
"إذن... لم تكن تحمل الناس."
قلت:
"كانت تحمل ما سيبقى منهم."
صمتنا.
بدأت الرافعة ترفع السيارة نحو كومة الحديد.

شعرت أن السيارة لم تكن هي التي ترتفع.

الذي كان يرتفع هو تاريخٌ كامل من الطرق، والوجوه، والأحاديث، والمدن التي عبرتها.

سألني العامل قبل أن أغادر:

"هل يؤلمك أن تراها هكذا؟"

نظرت إليها للمرة الأخيرة، ثم قلت:

"لا يؤلمني أنها ستتحول إلى خردة...

يؤلمني أن بعض البشر يرحلون دون أن يتركوا وراءهم نصف ما تركته سيارة."
وغادرت.

أميره عبدالعظيم
٢٠٢٦/٧/١٠



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى