رضا يونس - قراءة نقدية في نص "مخاض" للمبدع: كرم الصباغ

"لا تَحْكِ لي عنِ المطر، فقط اجعلني أبتلَّ"،بهذه الحكمة السردية العبقرية شعرتُ ببللِ "مخاض"
للمبدع كرم الصباغ...

ففي الأدب لحظاتٌ ينسحب خلالها اللفظُ من صدارة المشهد، وتتقدَّم التجربةُ حتى تستولي على الحواسِّ والوجدان معًا. وبدءًا أقولُ.. إنَّ هناك نصوصًا تنقل الحكاية، ونصوصًا تصنع حياةً أخرى داخل قارئِها، وتلك منزلةٌ يندر بلوغُها؛ إذ ينتقل الكاتبُ من وعيٍ يتجاوز امتلاكَ أدواتِ السرد إلى امتلاكِ سرِّ السرد وحكمتِه. وقد وجدتُني، منذ شهيق الأسطر الأولى، أغادر مقعدَ القارئ المحايد إلى صحراءِ المخاض، أتعثَّرُ في رمالِها، وأشعرُ بخشونة عطشِها، وأرقبُ السرابَ بعينٍ أنهكها الانتظار، ثم أكتشفُ أنني أمام عملٍ يفيض بالفكرة، ويشفُّ عن رؤيةٍ، ويستبطنُ فلسفةً تنظر إلى الإنسان من موضعٍ يتجاوز الحادثةَ إلى مصيرِها.
من هنا تبدأ "مخاض"بتمثُّلاتِ الجغرافيا المختلفة عمَّا نعرفه، وأنينِ العطشِ الذي يتجاوز حاجةَ الجسد، وخريرِ الماءِ الذي يرتقي إلى منزلة اليقين، فتصبح الكلمةُ محورًا تدور حوله الحياةُ بأسرها. تلك القدرةُ على تكثيف الوجود في مفردةٍ واحدةٍ تكشف عن وعيٍ فنِّيٍّ يدرك أنَّ المعاني العظمى تحتاج إلى موضعِها الصحيح في النسيج السردي. وإذا نظرنا إلى الماء في هذا النص الرقراق، لوجدناه يمثِّل قيمةً وجوديةً وغايةً روحيةً ونداءً داخليًّا يتردَّد في أعماق الكائن كلما ضاقت به الأرضُ وتشعَّبت غربتُه.
ثم تنفتح القصةُ على فضاءٍ رمزيٍّ بالغِ الثراءِ، مع ظهور الشيخِ الهَرِم، حيث يمتنع الكاتبُ عن تفسير شخصيتِه، ويتركها تتحرَّك بحريةٍ داخل وعي القارئ، فتتعدَّد وجوهُها مع تعدُّد القراءات. مرَّةً يبدو حارسًا للموت، ومرَّةً أخرى يبدو كاهنًا لطقوسٍ مجهولة، وثالثةً يستدعي صورةَ السلطة حين تستأنس الوأد، ومرَّةً بعد مرةٍ يصير تجسيدًا لكلِّ قوةٍ تعتاش على دفن الحياة قبل اكتمال نبضِها. هذه المرونةُ الرمزيةُ منحت النصَّ امتدادًا تجاوز زمنَ كتابتِه، وجعلتني، كقارئٍ، أعثر على مرآتي الخاصة بين طيَّاتِه.
في هذا النص أيضًا تحتلُّ الطيورُ مكان القلب من البناء الرمزي. فبحضورِها المكثَّف وألوانِها وحركتِها، ثم دفنِها في الرمال تتحول جميعُها إلى عناصر تتجاوز حدود المشهد إلى آفاق التأويل. الحياةُ في أكثر صورِها رقَّةً تدخل مواجهةً غير متكافئةٍ مع إرادة الوأد، والحلمُ يواجه طقوسَ الفناء، والبراءةُ تواجه خبرةَ الخراب. تلك الحركةُ الرمزيةُ تجري في صمتٍ، ولعلَّ الكاتب لم يُثقِل نصَّه بالشرح، ولم يستدعِ خطابًا مباشرًا، فق -وببراعةٍ- عهد بالمهمَّة إلى الصورة، فتولَّدت الدلالةُ من داخل المشهد، وشارك القارئ في اكتشافِها، حتى أحالَه شريكًا في إنتاج المعنى، وهو أعلى مراتب التلقِّي.

1783752077888.png

ولأنني ربيبُ اللغة وأحد حواريِّها، فقد استوقفتني براعةُ كرم الصباغ في بناء عبارةٍ تحمل روحَها في داخلِها. ويقينًا فإنمفرداتِ الصباغ تؤدِّي أدوارَها في اقتصادٍ رفيع، وجملَه تتوالد في انسيابٍ يشي بثقة الكاتب في لغتِه، وإيقاعَه يسري في مفاصل النصِّ سريانَ النبض في الجسد، فتشكَّلت هنا موسيقى داخليةٌ لم تعتمد على الزخرف اللُّغوي حِلْيةً يتكِئ عليها، كمعظم الكتَّاب الذين يعتمرون اللغةَ وفقط. ولعلَّ الكاتب اتَّبع انتظامَ الحركة، ودقَّةَ الاختيار، وانسجامَ المفردات مع مقتضى التجربة، من واقع مخزونِه اللغويِّ الكبير. والمطَّلِعُ سلفًا على أدب الصباغ يجد لغتَه شريكًا كاملًا في صناعة الأثر الجمالي لنصوصِه، وفي "مخاض"كانت -أي اللغةُ- أحدَ أبطال القصة الرشيقين، فمنحت الرمزَ طاقتَه العظمى، وأعطتِ القارئ فرصةَ الإقامة في النص زمنًا أطول من زمن القراءة.
ويبرز هنا الفعلُ المضارع، بحيويتِه ومرونتِه، أحدَ أهمِّ مفاتيح البناء السردي؛ حيث تابعتِ الأفعالُ حركتَها في نسقٍ لا يعرف الكمونَ ولا السكون، كالأفعال)أقطع، أهتدي، أقف، أفرك، أتطلَّع، ألامس، أتنقَّل، أغوص، أهبط، أمضغ، أبصر، أسمع، أتسلَّق، أجثو، أنهمك، أصرخ، ألمح....إلخ)هذا التتابعُ منح النصَّ زمنًا مفتوحًا، وجعل الحدث حاضرًا على الدوام، فقلَّص المسافةَ بين زمن الحكاية وزمن القراءة، وشارك القارئ الشخصيةَ أنفاسَها وخوفَها وتردُّدَها ورجاءَها. وقد تحوَّل الزمنُ إلى حالةٍ مستمرة، وجعل السردَ فعلًا يقع الآن، فازداد كثافةُ التوتر، وتعاظم حضورُ التجربة في الوعي، حتى شعرتُ -كمتلقٍّ- أنَّ النهايةَ ثمرةٌ طبيعيةٌ لمسارٍ عاش تفاصيلَه لحظةً بلحظة.
ومن دقائق الصنعة في هذا النص أنَّ الكاتب منح العنوان سلطةً امتدَّت من البداية إلى النهاية. فكلمة "مخاض"لاحت -أولَ الأمر- بعيدةً عن ظاهر الأحداث، ثم بدأت في الاتساع مع كلِّ مشهد، حتى بلغت اكتمالَها في اللحظة الأخيرة. وعلى هذا وجدنا أن المخاض يجري في الرملوفي الجسد وفي الوعي وفي الرمز وفي الحكاية نفسها. وكلُّ عنصرٍ في القصة يحمل صورةً من صور الولادة المؤجَّلة، حتى الدمُ الذي سال في المشهد الأخير، وتحول إلى مفتاحٍ أيقظ الماءَ الكامن في الأعماق، فأخرج الحياةَ من الموضع الذي ظنَّه الجميع مستقرًّا للموت. تلك النهايةُ امتلكت جمالَها؛ لأنها ثمرةُ منطقٍ داخليٍّ راسخ غيرِ مفاجئٍ ولا مصطنع، وفي الحقيقة كانت كلُّ خطوةٍ في النصِّ المبدع تمهِّد لها منذ الجملة الأولى.
وتكشف القصةُ عن وعيٍ عميقٍ بطبيعة الرمز الذي يوسِّع دائرةَ الواقع. فعلى سبيل المثال يحتفظ الرملُ بحقيقتِه المادية، ثم يكتسب بُعدًا وجوديًّا، ويظلُّ الشيخُ شخصيةً تتحرك داخل الحكاية، ثم يتحول إلى فكرة، وتبقى الطيورُ طيورًا، ثم تفيض بمعاني الحرية والبراءة والأحلام. هذا التوازنُ السلس حفظ للنص حرارةَ السرد، ومنحَه، في الوقت نفسه عمقًا تأويليًّا يجعل العودةَ إليه، في كلِّ قراءةٍ، كشفًا جديدًا.
هكذا تركت "مخاض"أثرَها في نفسي كمتلقٍّ تذوَّق النصَّ بقريحتِه اللغوية، ثم امتصَّه في وجدانِه السردي.
وفي الأخير، لا أخفيكم سرًّا بأنني قلَّما أجد قاصًّا يمتلك هذه الصنعةَ السرديةَ الخالصة، فأثمر وأينع، وأذاقني قصةً قصيرةً تنتمي إلى الأدب الذي يزداد إشراقًا كلما ازدادت قراءاتُه، ومنحني يقينًا هادئًا بأنَّ الكلمة، حين تصدر عن موهبةٍ صادقة، ووعيٍ جماليٍّ راسخ، تمتلك القدرةَ على إنقاذ الإنسان من جفاف العالم، كما تمتلك قطرةُ الماء القدرةَ على إيقاظ الحياة في قلب الصحراء.
رضا يونس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى