جليلة المازني - رمزية وأد الطيور بقصة "مخاض" للكاتب المصري كرم الصباغ... قراءة نقدية

مقدمة:
تندرج قصة "مخاض" للكاتب المصري ضمن مجموعته القصصية "طقوس نزع الزينة"(1).
تتميز القصة "مخاض" بالرمزية والعجائبية والعمق السردي وتكثيف الدلالات.
وفي هذا الإطار سأتناول القصة في علاقتها برمزية الرجل الهرم ووأد الطيور.
1- رمزية الرجل الهرم ووأد الطيور:
أ- رمزية الرجل الهرم (كائن الذاكرة البدائية) يرمز الى:
- اليأس والجمود: يمثل الهرم مرحلة انطفاء الحيوية وتصلب الأفكار والاقتراب من حافة النهاية.
- التسليم للواقع فهو يرمز الى حالة الخضوع والاستسلام التي يمكن أن تصيب الانسان عندما يتقدم به العمر(او تهزمه التجارب) فيقبل بالواقع المرير دون قدرة على التغيير.
- صراع الأجيال:(الماضي ضد المستقبل )
- يعكس الرجل الهرم حكمة فطرية لكنها مُدمرة أو مشوهة بسبب تراكمات القهر.
- يمثل هذا الرجل امتدادا لزمن أسطوري موغل في القدم وكأنه خرج من اللاوعي الجمعي للإنسان.
ب - رمزية وأد الطيور (وأد الحرية والحياة):
- الطيور رمز كلاسيكي للحرية والانطلاق والأحلام العالية.
- الدفن أو الوأد (القتل الاستباقي): يرمز الى محاولة القضاء على أي بصيص للأمل أو للجمال قبل أن يتشكل تعبيرا عن حالة اليأس والاغتراب.
وكأني بالكاتب هنا يعود بالقارئ من خلال وأد الطيور الى جريمة "وأد البنات" بالجاهلية.
ولئن كان وأد البنات بسبب عار اقتصادي واجتماعي وقد حرّمها الإسلام بشكل قاطع فان وأد الطيور بقصة "مخاض" لها دلالة أخرى:
ج - دلالة الفعل (الدفن حيّا):
- يشير فعل "الوأد" الى دفن الأشياء الجميلة والبريئة (الطيور) وهي لا تزال حية.
- يدل على محاولة خنق الأمل والطموح داخل النفس البشرية قبل أن ترى النور وهو ما يستجيب لعنوان القصة "مخاض" للدلالة على الولادة الصعبة او إجهاض الطموحات.
وبالتالي فإن وأد الطيور التي يمارسها هذا الرجل الهرم الذي من المفروض أن يكون حكيما لكن حكمته كانت مُدمّرة في وأد أسباب البهجة والرفض لعالم موبوء بالكوابيس والقمع.
وفي هذا الاطار فان ظاهرة وأد الطيور تعكس واقعية على عدة مستويات:
2- الواقعية وظاهرة وأد الطيور:
أ - الواقعية النفسية: (الانتماء والبحث عن الذات) من خلال:
* تشابه الأقدار: تصوير أسراب الطيور في "الوأد" وهي تحلق وتتجمع بشكل جماعي يرمز الى حالة الانسان المقهور أو الباحث عن حريته حيث تجبر الظروف القاسية الكائنات (والبشر) على الهجرة أو التجمع معا بحثا عن الدفء والنجاة.
*غريزة البقاء: تجسد حركة الطيور صراع الانسان الفرد ضد بيئته ومحاولته المستمرة للنجاة من المخاطر وتحقيق حلمه بالانعتاق.
*الكابوس والهروب من الواقع (آلية النكوص) من خلال:
- تطرح القصة عالما متشققا تتداخل فيه الحقيقة بالهلاوس حيث يلجأ البطل (الرجل الهرم) الى أفعال غرائبية مثل : نبش الأديم ودفن الطيور الحية بداخل حفر ويلقي عليها التراب.
- التفسير النفسي: يمثل هذا السلوك آلية دفاعية للهروب من قسوة الواقع وصدماته..
انه "نكوص" (العودة الى سلوكيات بدائية او لا عقلانية) نتيجة الإحساس بالعجز وفقدان السيطرة على الأحداث المحيطة به.

Messenger_creation_4082AE41-3A30-4395-B628-4D50988E565F.jpg

* العوالم البدائية واللاشعور الجمعي:
مشهد "دفن الطيور" يعكس خروج البطل من إطاره الإنساني العقلاني الى كائن أسطوري.
- التفسير النفسي: يحيل هذا السمت السردي الى مفهوم اللاشعور الجمعي (عند كارل يونغ)
حيث يستدعي البطل رموزا وطقوسا قديمة محاولا الاستعانة بقوى بدائية لتفسير مأزقه الوجودي او الانتقام من عالم يراه عدائيا.
* الاغتراب الجسدي والنفسي:
يحضر الجسد باعتباره مسرحا للمعاناة.. تتسم شخصيات الكاتب بكونها كائنات معذبة تعيش حالة من الاغتراب الحاد. . يقول الكاتب على لسان الشخصية المهددة بالموت:" ومع نفاد الماء والزَّاد، بتُ أتوقَّع هلاكًا وشيكًا؛ إذ استبدَّ بي الظَّمأ والجوع والانهاك، وحاصرتني الرّمال النّاعمة من كلّ جانبٍ".
- التفسير النفسي: هذا الاغتراب يترجم حالة المخاض" التي يعيشها الفرد في محاولة فهم ذاته وسط عالم متقلب حيث يفقد الانسان توازنه النفسي والاجتماعي وتتعرى أمامه العلاقات الإنسانية والبيئة المحيطة لتبرز أزمته الداخلية.
وهل أكثر من تلك "السادية " التي يتصف بها الرجل الهرم وهو يستمتع بمعاناة الشخصية المعذبة والتي تحاول انتشال المعذبين باطلاق سراح الطيور المقيدة وهي تنتظر وأدها.
وكأني بهذا الرجل الهرم يتخذ آلية دفاعية داخلية تسقط التوترات فيستعيد توازنه النفسي عبر السيطرة على الآخرين.
يقول الكاتب:
"يأمن الرَّجل الهَرِم إفلاتي، يتراجع إلى الوراء، يحدّق إلى السَّماء، ويصدر صفيرًا متصلًا، تتجمَّع على إثره طيورٌ جارحةٌ، سرعان ما تنقضُّ علىَّ، وتنهش بمناقيرها المعقوفة الحادَّة فروة رأسي؛ فتندفع الدّماء من جروحي، أصرخ من فرط الألم، أضرب الأديم بكفيَّ، ألمح بعينيَّ الزائغتين الرَّجل الهَرِم منتشيًا، يتلذّذ بما أكابده من آلامٍ".
وكأني بهذا المعذّب يستغيث ويستدعي "المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب" دون ان يلقى إجابة.
وبالتالي فان كرم الصباغ وبخلق هذه الأجواء الكابوسية وباستخدام تقنيات "علم نفس الأعماق " دون السرد المباشر يلتقي مع عوالم فرانز كافكا (2) من خلال روايته "رسالة الى الاب" ورائعته الشهيرة "المسخ" مما يفتح للقارئ التأويلات النفسية.
وفي هذا الإطار فان العنوان "مخاض" له دلالته النفسية باعتباره يعبر عن أزمة نفسية عميقة تتجسد في حالة الاحتقان الداخلي" فهي ليست ولادة طبيعية بل هي حالة من "الاحتراق الداخلي الذي يسبق التغيير.
فالمخاض هو صراع بين الرغبة في التحرر من الألم والخوف من الولادة في عالم مجهول.
ب- الواقعية الاجتماعية والسياسية:
- صراع الفرد مع الواقع:
يعبر الكاتب بأسلوب يمزج بين الأسطورة والواقع عن الصراع الداخلي للشخصيات التي تبحث عن بصيص امل وسط بيئة اجتماعية خانقة تسيطر عليها خيوط العجز. يقول الكاتب:
"أقف من وقتٍ إلى آخر في العراء؛ لعلَّ أحدهم يلقي إلىَّ طوق نجاةٍ؛ فلا أرى أحدًا."
- النقد السياسي: يسقط الكاتب "المخاض" على القمع السياسي وتكميم الأفواه فالبيئة العامة
ترفض التغيير وتحاصر كل محاولة للخروج عن المألوف تماما كما تجهض الأحلام في مهدها وممارسة الرجل الهرم في وأد الطيور يدعم ذلك.
وفي هذا السياق فان رمزية وأد الطيور لا تخلو من بعد وجودي:
3 - البعد الوجودي بقصة "مخاض":
تتجسد لحظة "المخاض" الوجودية من خلال الصراع العميق بين الانسان وحتمية تقبل الذات والواقع ورمزية الصراع بين الرغبة في التغيير والرضا بالقدر:
- ثنائية الموت وحب الحياة: "الرجل الهرم " الذي يدفن الطيور تعكس تأملا وجوديا في فناء الكائنات وصراع الانسان في مواجهة العدم والموت الحتمي.
- ازمة الهوية والاغتراب: يعكس النص حالة من التمزق الداخلي ومعاناة الشخصيات في عجزها في إيجاد مكان لها في عالم وحشي.
- الجسد كموقع للألم: يحضر الجسد بكثافة كأداة لاختبار المعاناة اليومية (عذاب الراوي الذي تاه في الصحراء جوعا وعطشا/ عذاب الطيور بوأدها/ عذاب الراوي والطيور الجارحة تنهش رأسه..) .
وبدل أن يكون الجسد مصدرا للطمأنينة يتحول الى ساحة لتلقي اللكمات والأسئلة الوجودية القاسية.
- مخاض الولادة والعدم: "المخاض" يتحول من معناه البيولوجي والواقعي والذي تليه الولادة ليصبح استعارة للمعاناة الإنسانية المستمرة في سبيل خلق المعنى في سعي يائس للتغلب على الشعور بالعدمية والعبثية.
وفي هذا الاطاراستخدم الصباغ بامتياز أدوات مميزة:
- الرمزية والعجائبية: ابتعد الكاتب عن المباشرة مستعينا بالأسطورة لتمرير رسائل سياسية واجتماعية لا تقبل الطرح المباشر (خوفا من الساسة) وهو نوع من التقية ليتقي شرّ السياسيين.
- الدمج بين الذات والواقع: اظهار الأثر النفسي للواقع السياسي والاجتماعي.
- تكثيف الدلالات: تحميل مفردات بسيطة مثل الطيور/ المخاض/ الصحراء..أبعادا ثقيلة ودلالات وجودية.
سلم قلم الكاتب كرم الصباغ هذا القلم الواعي بواقعه الأليم هذا القلم الذي تمرد على الواقع باستخدام الرمزية والعجائبية والاسطورة بقصة "مخاض" وقد جعل من "الماء" المشكل بداية والحل نهاية...انه الماء بمعناه المجازي..
ان قصة "مخاض" قد ارتقت بكرم الصباغ من الكاتب الى المفكر.
المراجع:
(1) د. إيهاب بديوي "نزع الزينة عن العالم": الطقس والكابوس والهامش-16 ماي 2026
انطولوجيا. نص القصة
(2) التحليل النفسي لرواية الانمساخ -فرانز كافكا-21 نوفمبر 2024
============== القصة القصيرة "مخاض"==============
نص القصة
" مخاضٌ " بقلم: كرم الصَّبَّاغ

مرَّ يومٌ كاملٌ، وأنا على تلك الحال، أقطع المسافات في جميع الاتجاهات، لكنَّني لا أهتدي إلى طريق العودة. ومع نفاد الماء والزَّاد، بتُ أتوقَّع هلاكًا وشيكًا؛ إذ استبدَّ بي الظَّمأ والجوع والانهاك، وحاصرتني الرّمال النّاعمة من كلّ جانبٍ. أقف من وقتٍ إلى آخر في العراء؛ لعلَّ أحدهم يلقي إلىَّ طوق نجاةٍ؛ فلا أرى أحدًا. أفرك عينيَّ المحمرَّتين، أدفع عنهما براحتيَّ عرق جبهتي الغزير، أتطلَّع حائرًا إلى تعرجات الرَّمل اللامتناهيَّة وانعكاسات الشَّمس المتوهّجة على الصَّفحة الصَّفراء الملتهبة، وما تضجُّ به من التماعٍ وسرابٍ خدَّاعٍ، لم يهب قلبي سوى الحسرة والانقباض. ألامس شفتيَّ المتيبّستين بطرف لساني المُتشقّق، وأضع يَديَّ العاريتين على رأسي اتقاءً للأشعَّة الَّتي ترشقني بالسّهام الحارقة، كأنَّها طيرٌ أبابيل مُسلَّطة عليَّ وحدي
"ماءٌ"، صارت تلك الكلمة وحدها تزن حياتي وأمنياتي؛ فما عداها الآن من الكلمات والأشياء هي والعدم سواءٌ. ربما أمدَّني هذا اليقين رغم ما بي من خواءٍ وإعياء بطاقةٍ خفيَّةٍ لمواصلة البحث عن بئرٍأو عين ماءٍ، تنتشلني من ورطتي. أتنقَّل ببطءٍ، تغوص قدماي في الأديم النَّاعم، أقتلعهما بصعوبةٍ. وبعد طول كدٍّ ومسيرٍ أهبط وهدةً خفيضةً، أجوس خلال نباتاتها البريَّة، أمضغ أوراقها، وأستحلب عصارتها؛ تملأ المرارة حلقي، لكنّ عروقي تبتل قليلًا. وبينما أنا أتناول أوراقًا جديدةً، أبصر من مكاني كثيبًا رمليًّا قريبًا، ألمح فوقه رجلًا هَرِمًا، تملأ وجهه بثورٌ شوَّهت بشرته، وغزت وجهه بدمامةٍ منفّرةٍ. يُخَيَّلُ إلىَّ أنَّه خارجٌ من القبر للتَّو؛ إذ استحال سواد ملابسه، وبياض شعر رأسه ولحيته وشاربه إلى لون التُّراب. ورغم تقدّمه في العمر، فقد احتفظ بقوة جسده وخفَّة حركته. يلفُّ خرقتين رماديَّتين باليتين حول كفيه، ويلتقط طيورًا ملوَّنة تتساقط من السَّماء بشكلٍ عموديٍّ، وتستقرُّ في حجره كأنَّها مشدودة بخيطٍ غير مرئيٍّ؛ فيسارع إلى حبسها في أقفاصٍ من جريدٍ إلى جواره. تمتلئ الأقفاص عن آخرها؛ فيبدأ في نبش الأديم بأظفاره الطَّويلة الملتفَّة، ويصنع بعد فترةٍ حفرًا صغيرةً متجاورةً، يلقي داخلها الطُّيور الحيّة، ويهيل الرَّمال عليها.
تصبح الأقفاصُ فارغةً تمامًا، والرَّجل الهرِم يرفع ذراعيه عكس اتجاه الشّمس، ويلهج لسانه بألفاظٍ مبهمةٍ، ويصدر أصواتًا ممدودةً تشبه عواء الذئب، على إثرها تختفي الشَّمس، وتغشى السَّماء غبشةٌ وظلمةٌ، وتنجذب أسرابٌ جديدةٌ من الطُّيور الصَّغيرة الملوَّنة المُحلّقة إلى بعضها البعض؛ فتشكّل سحابةً من ألوان شتَّى. السَّحابة تكبر شيئًا فشيئًا، وتسقط بكلّ ثقلها على كثيب الرَّمل، حيث يجلس الرَّجل الهَرِم ساكنًا، كأنَّه تمثالٌ، قد نُحِت على هيئته تلك، ذراعاه مفتوحان، ورأسه معلق بينهما
كانت الطُّيور هذه المرَّة من الكثرة بمكانٍ، لم تستوعبها الأقفاص، الأمر الذي دعا الرَّجل إلى تكبيل أجنحة وأرجل كثيرٍ منها، وإلقائها على الأديم، ريثما يفرغ من تجهيز قبورٍ جديدةٍ تستوعبها جميعًا. ظلَّ الرَّجل الهرم يحفر، ويحفر إلى أن هدَّه التًَعب، فتمدَّد على الرَّمل؛ ليحصل على استراحةٍ، ألجأته إلى نومٍ عميقٍ، والطُّيور في أقفاصها وعلى الأديم بجواره تصيح، وتختلج.
تشعرني هويَّة الرَّجل الغامضة وغرابة أطواره بالرَّهبة، ويشعرني وأد الطيور بالغضب؛ فأتمنى أن تنتهي تلك الطقوس في التَّو واللَّحظة. أرى في نوم الرَّجل فرصةً سانحةً؛ فأستجمع قواي الواهنة، وأخرج من مكمني، وأمشي على أطراف أصابعي، وأتسلق الكثيب بصعوبةٍ. أسمع غطيط الرَّجل عاليًا؛ فأطمئن. أتوجَّه إلى الأقفاص، أرفع حواجز الشُّراعات إلى أعلى، أفتح الطَّريق أمام الطُّيور للخروج من محبسها، أجثو على ركبتيَّ، أنهمك في فكّ وثاق الطُّيور المكبَّلة؛ تفاجئني قبضةٌ حديديَّةٌ، تعتصر رأسي، وتدفعني إلى فخٍ أسفل مني مغطى بالأعشاب وفروع الشَّجر اليابسة. ينزلق نصفي السُّفلي إلى جوف الحفرة، أنشب أظفاري في رمل الحافَّة. يطأ حذاءٌ ثقيلٌ أصابعي، أتوجَّع، أغوص إلى أسفل، يبتلع الرَّمل النَّاعم جسدي، يحكم القبض على صدري؛ يأمن الرَّجل الهَرِم إفلاتي، يتراجع إلى الوراء، يحدّق إلى السَّماء، ويصدر صفيرًا متصلًا، تتجمَّع على إثره طيورٌ جارحةٌ، سرعان ما تنقضُّ علىَّ، وتنهش بمناقيرها المعقوفة الحادَّة فروة رأسي؛ فتندفع الدّماء من جروحي، أصرخ من فرط الألم، أضرب الأديم بكفيَّ، ألمح بعينيَّ الزائغتين الرَّجل الهَرِم منتشيًا، يتلذّذ بما أكابده من آلامٍ؛ فلا ينتبه لمخاض الرَّمل، وعين الماء التي تفجَّرت تحت كفي المُضرَّجة بالدَّم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى