عبدالقادر عبدالله الفار . (نادر الفار) - صرخة الصمت ...

في ذلك اليوم الذي تشابه مع كل الايام الباهتة عاد سليمان إلى بيته و قدماه الثقيلتان تصعدان سلم الدرج و كأنهما تسحبان عالما بأسره من المتاعب ورائهما .
يفتح الباب بتلك الحركة الألية المتعبة التي كانت تقول لمن في الداخل ( ها قد عدت) فليبدأ الطقس اليومي للتذمر والشكوى .
كانت عفاف تستقبل عودته وكأنها تستقبل عاصفة تعرف مسارها و حجم دمارها مسبقا .
تركت موقد الغاز حيث تحاول إنقاذ الأرز من الاحتراق و اسرعت لتمسك بالمعطف الذي يلقيه بين يديها كما يلقي سيدا عصا لخادمه فيتلقفها خائفا و كأن فيها حياته .
الحمد لله على السلامة يا سليمان همست ذات يوم وعيناها على الأرض المتسخة بأثار أقدام الأولاد ألعابهم .
التفت إليها نظره الثقيل الذي يكاد يحفر في جسدها النحيل اثاره الغاضبة .. الحمد لله !! و أي سلامة هذه التي تحمدين الله عليها ؟ سلامة الجسد فقط !
أما الروح فهي في جحيم لا يطفأ !
جلس على الكنبة التي صرخ منها ذات يوم لأن وسائدها غير مرتبة بطريقة ذكية وبدأ كالمعتاد انظري إلى حال البيت .. انظري إلى حالك .. كل صباح أخرج لأعمل مثل الثور في الساقية و أعود لأجد فوضى لا تطاق و وجها عبوسا !
كان يعمل من الثامنة صباحا إلى الرابعة عصرا في مكتب مكيف يجلس على كرسي دوار و يشرب كوبين من الشاي بالسكر مع شطيرتين ينتظر موعد الرابعة بفارغ الصبر .
أما هي فكانت تخرج في السابعة صباحا لتصل إلى مدرسة البنات حيث تدرس التاريخ لطالبات لا يهمهن سوى شكل ( الايفون الجديد) ثم تعود في الثالثة لتجد معركة أخرى تنتظرها .
معركة البيت والأولاد والطعام والغسيل .
كانت معاركها لا تتوقف أما معركته الوحيدة فكانت في اختيار القناة التلفزيونية التي سيشاهدها بعد العشاء .
افاقت علي صوت صراخ سليمان : مصروف الشهر نفد ؟!
يبدو أن عقلك صار خرقة بالية لا تصلح حتى لعد النقود !
ارتجفت كأن الأرض انشقت تحت قدميها .
يدها تبحث عبثا عن ما تبقي من نقود أخر قطعة ذهب امتلكتها كانت قد باعتها من أشهر قليلة لتكفي متطلبات المنزل .
لقد نفذت النقود و لم يعد هناك ما يشتري به ساعة اطمئنان واحدة .
لقد انتهي أمرها . تعلم ذلك .
صوته القاسي اخترق صمتها كسكين : أريد عشاءا جيدا قبل أن أغادر بنصف ساعة فلم يعجبني طعام الغذاء .
شعرت أن الوقت ينكمش حول عنقها كحبل مشنقة و كل ذنب لها أنها لم تعد تملك حتى ثمن الهرب من صوته .
في رأسها دوامة من أصوات تطحن عظام روحها . صارت ترى غضبه يتجسد في الظلال يطاردها من زاوية إلى زاوية .
لم يعد هناك مخرج إلا النافذة . أو الشفرة المنسية في درج المطبخ .
أصبح الموت في عينيها حلما جميلا .. أمنية لا تجرؤ حتى على الدعاء بها.
انحنت لتجمع أشلاء كرامتها المبعثرة على الأرض وعيناها تبحثان عن أي شيء يمكن أن يكون نهاية لهذا العذاب الذي يدعى حياة .
ذات مساء و بينما كانت عفاف في غرفة النوم تطوي و تطبق الملابس المغسولة و تسمع من خلفها تذمره المعتاد سمعت صوتا غريبا يأتي من المروحة الهوائية القديمة في حجرة المعيشة .
لم يكن صوت أزيز عاديا بل همسا خافتا يقول : يا ست عفاف .
التفتت حولها فلم تجد أحدا !
الأولاد نائمون و سليمان منشغل بلعبة السيارة في هاتفه .
اسمعي يا ست عفاف أنا المروحة و قد سئمت من الدوران فوق رأس هذا الظالم .
وقعت الملابس من يدها . هل تتخيل من التعب ؟
لكن الصوت عاد مرة أخرى و كانت له نبرة كوميدية ساخرة كصوت ممثل في الزمن الجميل : انا أعرف كل أسرار هذا البيت و أرى كل شيء من هنا .
إن زوجك هذا لو قدر له أن يتزوج ملكة جمال الكون لاشتكى من شكل التاج على رأسها !
لم تستطع عفاف أن تملك نفسها من الضحك ضحكة مكتومة خرجت كأنين .
ماذا هناك ؟ قال سليمان منغمسا في هاتفه دون أن يرفع رأسه
هل وجدتي كنزا تحت كومة الملابس حتى تضحكين بهذه الخفة ؟
همست المروحة مرة أخرى : قولي له نعم وجدت كنز صبري الذي نفد منك .
لكن عفاف ذهبت الي المطبخ و أدارت الصنبور بقوة لكي تغرق همس المروحة و خافت من هذا الجنون الذي أصبحت تعيشه .
في صبيحة اليوم التالي و بينما كانت عفاف تقف منحنية على المكواة البخارية راحت تتابع بخارها المتصاعد فإذا بالهمس يعود خافتا متسللا من بين أنفاس الحديد الساخن : يا ست عفاف احذري هذا الرجل أنه لا يستحق حتى البخار الذي يخرج لتسوية قميصه .
ارتجف قلبها .
لم يكن الذعر وحده ما باغتها بل تسلل إليها إحساس مبهم بالدفء و كأن البيت الذي اعتاد حنانها عليه و اعتادت صمته العقيم بدأ أخيرا يتكلم معها و يحزن لحالها .
في المساء حين جلس سليمان إلى مائدته يتناول طعامه في صمت ثقيل كجدار زنزانة انبعثت من ثلاجة الطعام العتيقة أنة غامضة تحولت إلى صوت خفيض:
يا سليمان !
تجمد الرجل وقف مبهوتا يبحث في العيون و الجدران عن المتكلم .
جاءه الصوت صريحا هذه المرة كأنه يخرج من صدر أحد الموتى : أنت تأكل و كأن الطبق أمامك ارتكب جرما في حقك !
أما ترى تلك التي تقف هناك شاحبة كالطيف تنتظر إيماءة من يدك لتملأ كوبك ؟
أليست زوجتك ؟ أم أنك تراها خادمة دائمة في بيتك ؟
اشتعل وجه سليمان بلون الدم تضرج بالغضب حتى خيل لعفاف أن العروق في صدغه ستنفجر .
عفاف !
ما هذا السخف الذي تدبريه ؟
أجهزة كهربائية تتكلم ؟
هل أصبحتي ساحرة ؟
قالت ساعة الحائط من الغرفة : لا بل هي امرأة سحقتها الأيام سحقا حتى الأجهزة القديمة التي لا قلب لها رقت لحالها !
هرب سليمان إلى غرفته و هو يرتجف من الخوف مقتنعا أن البيت أصبح مسكونا .
جلس على سريره و إذا به يسمع همسا من منبه الطاولة الصغير : يا سليمان الخوف الذي تشعر به الان من أشباحٍ لا تراها هو ذاته خوفها الدائم منك . من نظراتك . من كلماتك . الفرق أنها تعيش الخوف مع شبحك الحقيقي كل يوم دون أن تهرب .
في تلك الليلة لم ينم سليمان و ظل يحدق في السقف و في ظل عفاف النائمة على الأرض في غرفة الأولاد كعادتها عندما يغضب .
في الصباح استيقظ ليجد فنجان القهوة الذي اعتادت وضعه له على الطاولة .
و هذه المرة سمع من الفنجان صوتا : سليمان لن أقول لك أنني سأتركك لأني لم أملك مكانا اخر أذهب إليه و لكنني سأقول لك أن روحي سحقها نكرانك للجميل .
لقد أصبحت شبحا . شبحا يخاف حتى الشبح الذي فيك .
لم تكن المروحة و لا المكواة و لا الثلاجة تتكلم هذه المرة .
لقد كانت روح عفاف المرهقة التي أنهكها الظلم و الصمت قد انشقت عنها وأخذت تتكلم عبر كل شيء حولها .
لكن الصدمة التي لم يكن سليمان مستعدا لها كانت تنتظره في غرفة النوم .
عندما ذهب ليوقظ الأولاد للمدرسة وجد عفاف نائمة في فراشهم بسلام أبدي !
بيدها اليمنى كانت تمسك بقميصه المكوي بعناية و في اليسرى علبة دواء فارغة للسكري الذي كانت تعانيه بصمت.
على المنضدة الصغيرة رسالة أخيرة بخطها المرتعش :
سليمان لم أعد أجد عقلي بين هذه الجدران .
صِرت أسمع حتى نبض اليأس في حبال الغسيل .
ظلمتني كثيرا حتى ظننت أن الرحمة قدْ تخلت عني .
اطلب من أطفالي ان يغفروا لي فقد هرب مني عقلي و قلبي .
لقد ذهبت الي المكان الوحيد الذي لن يرفضني .
مكان لا اخاف فيه و لو تحت التراب .
الغرفة مظلمة و الورقة الصغيرة على الطاولة ترتجف من هولِ الصمت .
ظل سليمان جالسا أمام فنجان القهوة الذي برد يسمع لأول مرة صوت الصمت المطبق في البيت .
إنه صوت أشبه بصراخ منزلا يبكي سيدته التي فارقته بدون رجعة .
صراخا صامتا لا يسمعه إلا من لديه قلب !
لكن قلبه كان حجرا و أبدا لن يسمع .
........النهاية...........
كتبها نادر الفار .
...............
ملحوظة الكاتب :-
أي قسوة تلك التي تدفع إنسانا ليظلم احدا حتى يقتل روحا حية بلا سلاح و يلقيها في هاوية الانتحار ؟
كم من الألم حمل المظلوم حتى باع أغلى ما يملك (حياته)غير عابئ بجحيم أو خلود بعدما أكل الظلم عقله و قلبه ؟
لكننا نعلم أن لنا ربا رحيما لا يظلم ولا يضيع عنده حق و إليه نشكو و عنده نأمن .
اللهم لك الحمد انك ربنا و أمرنا كله إليك .
.................
.................
فضلا إضغط زر المتابعة .
قد تجد في كلماتي شيئا منك .
أنا غريب و أبحث عن غريب مثلي .
لا نعرف بعضنا لكن يجمعنا السر المشترك( القراءة ) .
خذ من روحي ما شئت و اترك لي دفء عينيك الخفية .
فهنا بين الحروف تصنع الصداقات الأصدق .

نادر الفار .


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى