جمعي شايبي - الغثيان - جان بول سارتر .

الغثيان رواية فلسفية بامتياز ، ببراعة واقتدار نسج العبقري الملهم ، جان بول سارتر سرديتها المبهرة على لسان بطله المحوري ، روكانتان أنطوان ، الذي كرس جل وقته لكتابة يومياته التي قضاها في مدينة بوفيل الفرنسية الهادئة .
لم تنتظم الأشياء من حول روكانتان كباقة ورد ، بل تموقعت بفوضى عقد منفرط الحبات ، محتلة أمكنتها كيفما اتفق ، الموائد بكراسيها ، الأشجار بجذورها ، الأحجار بسكونها البليد ، أمواج السابلة المتلاطمة في المدينة عبر الأرصفة والطرقات ، الأشخاص الذين يقاسمونه الأمكنة التي دأب على ارتيادها ، في المقاهي والمطاعم والحدائق والمكتبة والنزل الذي استأجر فيه غرفته المتواضعة .

1785449317755.png

فراح يعمل عقله مفكرا بإمعان حاد ، في حركية الأشياء وسكونها ، عله يبتكر معنى جليا لكينونتها المبهمة .
كان يبحث عن معنى لواجهة الأشياء ، وعن جوهر لمظاهرها الجوفاء العارية ، باذلا جهده الفكري الجسيم لاكتشاف الضرورة اللازمة لوجود مشبع بماديته المكثفة المفجعة .
هكذا عاش روكانتان تآكله الداخلي ، وصراعاته الذاتية المريرة ، مسكونا بالحيرة والقلق والإلتباس .
إلى أن لازمه شعور قهري بالغثيان .
إلا أن غثيان جان بول سارتر من خلال بطله المختلق ، لم يكن مرضا ولا نوبة عارضة ، إذ أن مبعث شعوره بالغثيان كان بسبب وجوده .
هكذا بدأت العبثية تتوالد تحت صريف قلم روكانتان كلما هم بكتابة مذكراته ، باحثا للكينونة عن شروح وتعليلات مقنعة .
غير أن كل ما يحوطه كان أشد امتناعا على الفهم والنقد والتحليل ، فسلم بداية بأن كل موجود يولد بلا سبب ، ويستمر بدافع الضعف ، ويموت بالإتفاق ، وأن الوجودية شيئ مشبع بالفراغ ، وأن كل مظاهرها محض هزل ، ومجرد طلاء ، وأن مظهرها تجريد بارد جاف عار من أي ماهية وانتماء ، وأن كل شيئ في النهاية يتم بصورة آلية مكرورة رعناء .
فقضى فترة وهو يعيش حياته معدما من أي حس وشعور ، مسلما بأن حياته وحيوات كل مايحوطه مفرغة من اي دلالة ومعنى .
وظل لفترة وجيزة أسير بلادته ونفوره ، مختنقا جوف سأمه المفرط القاتل .
غير أن ذلك الشعور بالغثيان تحول إلى زلزال فكري هز وجدانه ، وزعزع أركان مسلماته المتضعضة ، ليبعث فيه من جديد شعوره بمأزق وجوده الأعمق ، ويؤجج فيه ارتباكه وانزعاجه واضطرابه ، وظل عقله المتيقظ يخفق بأفكاره الكامدة ، يؤرقه الشك والإلتباس طوال الوقت بلا رحمة .

1785449242514.png

فخاض بتساؤلاته المريعة المربكة ، حربا ضروسا على جبهات ذاته المشتعلة بأسئلته الحارقة المعلقة .
لقد تحرر روكانتان من ربقة وأصفاد ماضيه الصدئة ، وإذ غرق في أتون حاضره المسكون بالحيرة والقلق ، فإنه ظل يبحث له عن طوق نجاة يضمن له إنهاء مأساة الإغتراب عن الذات ، عله يجد ملاذا آمنا يلهمه كيفية الإغتسال من إثم وجوديته المبهمة ، ومن كل الكينونات المفرغة من المعنى ، إلى أن خلص في الأخير بأن الإنسان هو من يصنع معنى لوجوده ، على نقيض ما يفرضه المذهب الفلسفي الجوهري ، الذي يسلم كعديد الأديان بأن الجوهر سابق لكل موجود.وقبل تكونه ونشأته .
الغثيان نسيج روائي فلسفي عميق ، يقول لنا من خلاله جان بول سارتر : إذا لم يكن للوجود معنى جاهزا ظاهرا ، فأي معنى تصنعه له انت بكامل إرادتك وبحريتك المطلقة ؟.
أما أنا فلن أقول لكل من سيقرأ تحفة الغثيان الخالدة ، من غير أنك لن تبقى ذلك الذي كنت .
جمعي شايبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى