بين تل أبيب ورام الله.. انتخابات قد تعيد رسم الخريطة السياسية في إسرائيل وفلسطين

بين تل أبيب ورام الله.. انتخابات قد تعيد رسم الخريطة السياسية في إسرائيل وفلسطين

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تقف إسرائيل وفلسطين على أعتاب استحقاقين انتخابيين متقاربين زمنيًا، لكنهما مختلفان في طبيعة النظام السياسي والحسابات الداخلية، وقد تكون لهما نتائج تتجاوز حدود صناديق الاقتراع لتطال مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وشكل السلطة الفلسطينية، واتجاهات السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.

في إسرائيل، تجرى الانتخابات للكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، فيما حُدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعدًا للانتخابات التشريعية الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. وإذا جرت الانتخابات الفلسطينية في موعدها، فإنها ستكون أول انتخابات تشريعية منذ عام 2006، ما يجعلها استحقاقًا سياسيًا يتجاوز مفهوم التداول الانتخابي إلى محاولة إعادة بناء الشرعية والمؤسسات الفلسطينية.

إسرائيل: نتنياهو يتقدم.. لكن طريق العودة ليس مضمونًا

يخوض بنيامين نتنياهو الانتخابات المقبلة في مواجهة معادلة أكثر تعقيدًا مما توحي به بعض استطلاعات الرأي. فقد أعادت استطلاعات حديثة حزب الليكود إلى صدارة المشهد في بعضها، بينما أظهرت استطلاعات أخرى تقدم حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت وتراجع الليكود إلى المرتبة الثانية.

أما الاستطلاع الذي أشارت إليه القناة 14، والذي يمنح الليكود 32 مقعدًا وكتلة اليمين نحو 62–63 مقعدًا، فيعطي نتنياهو أفضلية مهمة، لكنه لا يلغي حقيقة أن استطلاعات أخرى تضع معسكره دون حاجز الـ61 مقعدًا المطلوب لتشكيل الحكومة. ولذلك فإن الحديث عن عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة لا يزال سابقًا لأوانه.

وتكشف نتائج الانتخابات التمهيدية داخل الليكود عن جانب آخر من المعركة؛ إذ يحاول نتنياهو إعادة تشكيل قائمة الحزب وجذب أصوات أكثر اعتدالًا، في وقت تحذر فيه استطلاعات وتحليلات من أن استمرار هيمنة اليمين الأكثر تشددًا قد يصعّب استعادة الناخب الوسطي.

وبالتالي، فإن السؤال الإسرائيلي ليس: هل يتصدر نتنياهو؟ بل: هل يستطيع تحويل صدارة الليكود إلى كتلة يمينية تبلغ 61 مقعدًا وقادرة على تشكيل حكومة مستقرة؟

فلسطين: الانتخابات ليست معركة مقاعد فقط

في الجانب الفلسطيني تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ لأن الانتخابات التشريعية المرتقبة تأتي بعد نحو عشرين عامًا من آخر انتخابات، وفي ظل انقسام سياسي وجغرافي ومؤسساتي عميق.

وقد أعلنت حركة حماس مشاركتها في الانتخابات، وقالت إنها ستخوضها ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن، فيما بدأت بالفعل اتصالات بين حماس وقوى وشخصيات فلسطينية لتشكيل تحالف انتخابي واسع.

وهنا ينبغي التوقف أمام فرضية القول إن حماس «تتجه حتمًا» إلى صدارة المجلس التشريعي أو تشكيل الحكومة المقبلة. هذه فرضية انتخابية قابلة للنقاش، وليست نتيجة محسومة. فقد أظهر أحدث استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية تغيرات مهمة في اتجاهات الرأي العام، بينها تراجع التأييد لحماس مقارنة بمراحل سابقة، ما يعني أن الخريطة الانتخابية الفلسطينية لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.

أزمة فتح.. الخطر في تعدد القوائم

لكن التحدي الأكثر حساسية قد يكون داخل حركة فتح نفسها.

فإذا دخلت فتح الانتخابات بقائمة رسمية واحدة، إلى جانب قوائم أخرى محسوبة على تيارات فتحاوية أو شخصيات منشقة أو إصلاحية، فإن الخطر لا يكمن بالضرورة في تراجع مجموع القاعدة الشعبية الفتحاوية، وإنما في تشتت هذه الأصوات وتحويلها إلى مقاعد موزعة على قوائم متنافسة.

وهذه نقطة انتخابية وسياسية شديدة الأهمية؛ لأن النظام القائم على التمثيل النسبي يجعل شكل القوائم والتحالفات عاملًا حاسمًا في ترجمة الأصوات إلى مقاعد.

وبذلك قد تجد فتح نفسها أمام مفارقة سياسية: مجموع الأصوات المؤيدة لها ولتياراتها قد يبقى كبيرًا، لكن تعدد القوائم قد يحرمها من تحويل هذا الحجم الشعبي إلى كتلة برلمانية موحدة.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ضوء التقارير الأخيرة عن اتصالات بين حماس وتيار فتحي منشق أو إصلاحي وقوى أخرى لتشكيل قائمة واسعة في مواجهة المعسكر المؤيد للرئيس محمود عباس.

وهذا التطور، إذا تحول إلى تحالف انتخابي فعلي، قد يغير قواعد اللعبة بالكامل.

عباس أمام اختبار مختلف

بالنسبة إلى الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية، فإن الانتخابات المقبلة لا تمثل مجرد اختبار لقوة حركة فتح، وإنما اختبار لشرعية المرحلة السياسية بأكملها.

فإذا دخلت فتح مشتتة وخرجت من الانتخابات بكتلة ضعيفة، بينما تمكنت حماس وحلفاؤها من تشكيل كتلة أكثر تماسكًا، فإن ذلك سيضع القيادة الفلسطينية أمام واقع سياسي جديد، وقد يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير.

لكن من الخطأ اختزال المسألة في شخص محمود عباس وحده؛ فالمشكلة أعمق من القيادة الحالية، وتتصل بأزمة النظام السياسي الفلسطيني، وغياب الانتخابات الدورية، واستمرار الانقسام، وتآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات.

ومن هنا فإن الانتخابات يجب ألا تتحول إلى استفتاء على بقاء شخص أو تيار، وإنما إلى فرصة لإعادة تأسيس الشرعية السياسية على قاعدة انتخابية ومؤسساتية.

هل تتكرر تجربة 2006؟

المقارنة مع انتخابات 2006 ستكون حاضرة بقوة.

لكن هناك فرق جوهري: فلسطين اليوم ليست فلسطين عام 2006. فالسياق السياسي بعد الحرب على غزة، والانقسام الممتد منذ 2007، والتغيرات الإقليمية والدولية، والتحولات في المجتمع الفلسطيني، كلها تجعل استنساخ تجربة 2006 أمرًا غير واقعي.

ومع ذلك، يبقى الدرس الأهم من تلك التجربة قائمًا: الفوز الانتخابي لا يكفي إذا لم يتحول إلى صيغة سياسية قادرة على الحكم وإدارة المؤسسات وبناء الشراكة.

ومن هنا، فإن السيناريو الأكثر أهمية في انتخابات 2026 قد لا يكون حصول حماس أو فتح على المركز الأول، وإنما احتمال عدم حصول أي طرف على أغلبية منفردة، بما يفرض تشكيل حكومة ائتلافية.

وقد تشمل هذه الحكومة، وفق نتائج الانتخابات ومفاوضات ما بعد الاقتراع، حماس وفتح وقوى وطنية ومستقلين وشخصيات سياسية، وربما تيارات إصلاحية وشخصيات مثل مصطفى البرغوثي. لكن هذه الاحتمالات لا يمكن اعتبارها تحالفات قائمة قبل إغلاق باب الترشح وظهور القوائم النهائية.

الرابط الاستراتيجي بين تل أبيب ورام الله

هنا تلتقي الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية عند نقطة شديدة الحساسية.

إذا عاد نتنياهو إلى الحكم بائتلاف يميني متماسك، فمن المرجح أن يستمر النهج الإسرائيلي المتشدد في ملفات الاستيطان والأمن والدولة الفلسطينية. أما إذا فشلت كتلة نتنياهو في الوصول إلى 61 مقعدًا، فقد تدخل إسرائيل مرحلة ائتلافات جديدة، أو مفاوضات طويلة، أو حتى حالة من عدم الاستقرار السياسي.

وفي المقابل، إذا أفرزت الانتخابات الفلسطينية قيادة أو حكومة ائتلافية جديدة تتمتع بشرعية انتخابية، فقد يتغير شكل التعامل مع القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا.

وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل قد تكون أمام معركة للحفاظ على حكومة نتنياهو، والفلسطينيون أمام معركة لإعادة بناء نظامهم السياسي. والنتيجتان ستؤثران بعضهما في بعض.

فإسرائيل ستراقب هوية القيادة الفلسطينية المقبلة، والفلسطينيون سيراقبون ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستواصل سياسة إدارة الصراع أم ستفتح نافذة لمسار سياسي مختلف.

الرؤية الوطنية: المطلوب أكثر من انتخابات

المصلحة الفلسطينية تقتضي ألا تتحول الانتخابات إلى معركة صفرية بين فتح وحماس، لأن أي طرف قد يفوز بالأرقام ويخسر الوطن بالسياسة.

المطلوب هو تحويل الانتخابات إلى مشروع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، يبدأ بتجديد المجلس التشريعي، ولا ينتهي عند تشكيل الحكومة، بل يمتد إلى إعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها على أساس المشاركة، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وترسيخ سيادة القانون، وإطلاق عملية ديمقراطية تشمل الانتخابات الرئاسية في موعدها، بما يضمن تجديد الشرعية على المستويات كافة.

وهذا يتطلب من فتح تحديدًا مراجعة عميقة لطريقة إدارة المعركة الانتخابية. فوحدة الحركة ليست مسألة تنظيمية داخلية فقط، وإنما قضية تتصل بمستقبل النظام السياسي. وإذا عجزت فتح عن توحيد قوائمها وتياراتها، فإنها تخاطر بأن يتحول الانقسام الداخلي إلى خسارة انتخابية، حتى لو ظل حجمها الشعبي كبيرًا.

وفي المقابل، فإن حماس أمام اختبار لا يقل أهمية: إذا اختارت الاندماج في العملية الانتخابية، فعليها أن تكون مستعدة للشراكة السياسية واحترام التعددية وقبول نتائج الانتخابات وقواعد النظام الديمقراطي، لا أن تنظر إلى الانتخابات بوصفها طريقًا للسيطرة على النظام السياسي.

نحو عقد سياسي فلسطيني جديد

المستقبل الفلسطيني يحتاج إلى ما هو أبعد من تغيير أسماء الوزراء أو توزيع المقاعد. المطلوب عقد سياسي وطني جديد يضع الانتخابات في إطار إعادة بناء المشروع الوطني، ويجمع بين الشرعية الشعبية والشرعية الوطنية والقانونية.

فالانتخابات الناجحة ليست التي تمنح طرفًا أغلبية مريحة، وإنما التي تنتج نظامًا سياسيًا قادرًا على مواجهة الاحتلال، وحماية الحقوق الوطنية، وإدارة المؤسسات، وتحقيق المصالحة، والحفاظ على التعددية السياسية.

وفي المقابل، فإن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستدرك أن استمرار تجاهل المسألة الفلسطينية لم يعد خيارًا مستدامًا، وأن إعادة إنتاج الصراع دون أفق سياسي ستبقي المنطقة في دائرة الأزمات.

لذلك، فإن الانتخابات المقبلة في تل أبيب ورام الله قد تكون أكثر من استحقاقين منفصلين؛ إنها لحظة اختبار لمسارين سياسيين متوازيين: مسار إسرائيلي يبحث عن حكومة مستقرة بعد سنوات من الاستقطاب، ومسار فلسطيني يبحث عن شرعية جديدة بعد سنوات من الانقسام.

وقد يكون السؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: ماذا سيفعل الفائز بهذه الشرعية؟

فإذا أنتجت الانتخابات الإسرائيلية حكومة أكثر تشددًا، والانتخابات الفلسطينية نظامًا أكثر انقسامًا، فإن الصراع سيبقى مفتوحًا على مزيد من التوتر.

أما إذا نجح الفلسطينيون في تحويل الانتخابات إلى بوابة للوحدة وإعادة بناء المؤسسات، ونجحت إسرائيل في إنتاج قيادة تدرك أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحل السياسي، فقد تفتح الصناديق، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، نافذة نحو إعادة ترتيب المشهد الإقليمي على أسس أكثر واقعية.

المحامي علي أبو حبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى