غانية ملحيس - «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»... الكتاب الثالث في مسار فكري بدأ مع «الطوفان»

«إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»... الكتاب الثالث في مسار فكري بدأ مع «الطوفان»



يسعدني أن أعلن صدور كتابي الثالث:

«إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»

وبهذه المناسبة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى دار الناشر، وإلى مديرها العام، الصديق العزيز سعد عبد الهادي، وإلى فريق العمل في الدار، على جهودهم واهتمامهم بإخراج هذا الكتاب، وعلى الشراكة التي أعتز بها في نشر هذا العمل.

يمثل هذا الكتاب، بالنسبة لي، الحلقة الثالثة في مسار فكري بدأ مع كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» بأجزائه الثلاثة، ثم انتقل إلى كتاب «فجوة الزمن السياسي: فلسطين بين استعمار يتقدم وبنية تتكلس وإعادة تعريف الممكن»، ليصل الآن إلى سؤال أكثر عمقا واتساعا مع كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني».

لم تأتِ الكتب الثلاثة كمشروعات منفصلة، وإنما وُلد كل كتاب من سؤال تركه الكتاب السابق مفتوحا.
بدأ السؤال مع «الطوفان»:
ماذا كشف الحدث؟
حاول الكتاب أن يقرأ السابع من تشرين الأول/أكتوبر وما تلاه، ليس بوصفه حدثا عسكريا فقط، وإنما بوصفه لحظة أعادت فتح التاريخ، وكشفت أن الروايات التي بدت نهائية ليست نهائية، وأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن ما يبدو مستحيلا يمكن أن يعود إلى حقل الممكن.

لكن فتح التاريخ لا يعني بالضرورة القدرة على التدخل فيه.
ومن هنا جاء السؤال الثاني:
لماذا وصلنا إلى هذه الفجوة بين سرعة التحولات التاريخية وبطء القدرة السياسية الفلسطينية على الاستجابة لها؟
وهو السؤال الذي حاول كتاب «فجوة الزمن السياسي» مقاربته، من خلال النظر في المسافة المتزايدة بين استعمار يتقدم، وبنية سياسية فلسطينية تتكلس، وبين تحولات إقليمية ودولية متسارعة تفتح إمكانات جديدة، من دون أن تجد حاملا سياسيا فلسطينيا قادرا على التقاطها وتحويلها إلى فعل.
أما الكتاب الثالث، «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»، فيأخذ السؤال إلى مستوى أعمق:

1787218855182.png

ماذا تكشف غزة عن العالم الذي أنتج هذه اللحظة؟

يقع الكتاب في 180 صفحة موزعة على خمسة عشر فصلا، وينطلق من محاولة قراءة حرب الإبادة في غزة، ليس باعتبارها حدثا منفصلا عن التاريخ، وإنما باعتبارها لحظة كاشفة لبنى أعمق في منظومة الحداثة الغربية المادية المهيمنة عالميا.
يبدأ الكتاب من الجذور التاريخية والفلسفية للحداثة الغربية المادية، محاولا مراجعة بعض مسلماتها حول العقل والإنسان والتقدم والكونية، ثم يتتبع مسار تشكل الإنسان الحديث، وكيف تحولت العقلانية، في أحد مساراتها، إلى عقل أداتي يعيد تنظيم الإنسان والطبيعة والعالم وفق منطق الإدارة والسيطرة.
ومن هنا يحاول الكتاب تفكيك بعض الأساطير المؤسسة للصورة التي قدمت بها الحداثة نفسها: مشروعا للحرية والعقل والكونية والتحرر الإنساني، متسائلا عما إذا كان ممكنا فهم هذه الصورة بمعزل عن التاريخ الاستعماري الذي رافق تشكل العالم الحديث، وعن الاستيطان والإقصاء ونزع إنسانية الآخر.

وفي هذا السياق، يخصص الكتاب فصلا لتحليل المشروع الصهيوني بوصفه نموذجا خاصا للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، وأحد أكثر تجليات الحداثة الاستعمارية اكتمالا، محاولا فهمه ضمن البنية الأوسع للحداثة الاستعمارية، حيث تتداخل القوة والمعرفة والقانون والإدارة لإنتاج واقع يقوم على الإحلال ونفي الآخر.
ثم ينتقل إلى سؤال الإبادة الجماعية في الفكر السياسي الحديث:
هل الإبادة مجرد استثناء وحشي يقع خارج النظام الدولي، أم أن علينا أن نسأل عن الشروط التي يمكن أن تجعلها ممكنة داخل أنظمة حديثة تقوم على القانون والمؤسسات والإدارة؟
وكيف يمكن للعنف أن يتحول من فعل استثنائي إلى ممارسة تُدار عبر مؤسسات الدولة، والاقتصاد، والقانون، والإعلام، والتكنولوجيا، والخطاب الإنساني؟
ويتناول الكتاب كذلك تحولات الديمقراطية والحوكمة ونزع السياسة وسياسات الإماتة «النيكروسياسة»، محاولا فهم الكيفية التي يمكن بها أن يتحول الإنسان من صاحب حق إلى ملف إداري، والحق إلى إجراء، والقضية السياسية إلى «أزمة إنسانية» قابلة للإدارة.
ومن هنا يطرح الكتاب سؤالا بالغ الأهمية حول اللغة والقانون والمؤسسات:
متى تتحول الأدوات التي يفترض أن تحمي الإنسان إلى أدوات لإدارة العنف وإعادة تنظيمه؟
ويتوقف الكتاب عند القانون الدولي والخطاب الإنساني وآليات الحوكمة العالمية، ليس من أجل إنكار قيمتها أو اختزالها، وإنما لفحص حدودها وتناقضاتها حين تعمل داخل نظام دولي غير متكافئ في توزيع القوة.
كما يتناول صعود أنماط جديدة من الوصاية الدولية، وتحول العلاقة بين الدول والمجتمعات، وإعادة تشكيل السياسة في ظل الهيمنة النيوليبرالية، بما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت بعض أشكال «الإدارة الدولية» للأزمات تعيد إنتاج علاقات القوة نفسها بأدوات أكثر نعومة.
لكن الكتاب لا يريد أن يبقى في مساحة التفكيك.
في فصوله الأخيرة ينتقل إلى السؤال الذي يعني لي أكثر من سواه:
إذا كانت غزة قد كشفت الكثير، فماذا ينبغي أن نفعل بكل ما انكشف؟
كيف يمكن تحويل هذا الانكشاف إلى وعي جديد؟
كيف يمكن الانتقال من الحقل الفكري إلى الحامل الاجتماعي؟
ما الشروط الفكرية والسياسية اللازمة لإعادة بناء فعل فلسطيني قادر على تجاوز الأزمة الراهنة؟
وهل يمكن الانتقال من إدارة الصراع والأزمة إلى بناء مشروع تحرري فلسطيني جديد؟
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الكتب الثلاثة باعتبارها حلقات في مسار فكري واحد:
الطوفان يفتح التاريخ.
فجوة الزمن السياسي تسائل العجز عن الفعل.
وإبادة غزة تسائل البنية الحضارية التي تنتج هذا الواقع الإبادي ، وتبحث عن أفق الفعل الفلسطيني في مواجهتها.
وهذا المسار ليس مكتملا، ولا أظن أنه ينبغي له أن يكون كذلك.
فليس الهدف من الكتابة أن نغلق الأسئلة، وإنما أن نفتحها على نقاش أوسع، وعلى مساهمات الآخرين، وعلى إمكانية أن يتحول التفكير في هذه اللحظة التاريخية إلى جزء من عملية إعادة بناء الوعي والفعل الفلسطيني.

من الصمود إلى الفعل
حين اخترت عنوان الكتاب الأول «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، لم أقصد أن حدثا واحدا يستطيع أن يصحح تاريخا طويلا من الظلم.
فالطوفان لا يستطيع وحده أن يصحح التاريخ.
لكنه يستطيع أن يكشف أن الرواية التي بدت نهائية ليست نهائية، وأن موازين الحقوق ثابتة فيما موازين القوة متغيرة، وأن الشعوب عندما تتمسك بإحقاق حقوقها الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف تستطيع أن تعيد فتح الممكن حتى في أكثر اللحظات انغلاقا.
أما تصويب اعوجاج التاريخ فيحتاج إلى ما هو أبعد من الحدث:
إلى تحويل التضحيات والصمود إلى وعي، والوعي إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع تحرري نهضوي، والمشروع إلى حامل سياسي واجتماعي قادر على الفعل، والحامل إلى مؤسسات مؤهلة، والمؤسسات إلى قدرة مستمرة على الفعل.
وهنا يصبح السؤال الفلسطيني أكبر من الطوفان نفسه:
* هل نستطيع أن نوظف التضحيات الجسيمة لشعبنا الفلسطيني العظيم ونبني على ما أنجزه الصمود الفلسطيني والاستعصاء على الاستسلام ، بدل أن نكتفي بالاحتفاء به؟
* هل نستطيع أن نستعيد الوحدة الوطنية الفلسطينية
* هل نستطيع أن نعيد بناء الحامل الوطني القادر؟
* هل نستطيع أن نوظف التحولات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، بدل أن ننتظر نتائجها؟
* وهل نستطيع أن نحول انفتاح التاريخ إلى تحول تاريخي فعلي؟
هذه الأسئلة هي التي تصل الكتب الثلاثة بعضها ببعض.

المعرفة والتعليم: وقف لغزة

ولأنني لا أريد لهذه الكتب أن تبقى مجرد أعمال فكرية تتحدث عن قطاع غزة، بل أن يكون لها أيضا أثر مباشر، ولو متواضعا، في حياة أهله، فقد خُصص عائد بيع الطبعة الأولى والطبعات اللاحقة من الكتب الثلاثة: «الطوفان»، و«فجوة الزمن السياسي»، و«إبادة غزة»، وقفا لدعم التعليم في قطاع غزة.
ففي الوقت الذي دُمّرت فيه المدارس والجامعات، وحُرم جيل كامل من أطفال غزة وطلبتها من حقهم الطبيعي في التعليم، يصبح الدفاع عن المعرفة والتعليم شكلا من أشكال الصمود والمقاومة.
وإذا كانت هذه الكتب تحاول الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والفهم وصناعة مستقبله، فإن من المعنى نفسه أن نحاول الإسهام في حماية حق أطفال غزة في أن يتعلموا، وأن يفكروا، وأن تكون لهم فرصة في صناعة مستقبلهم.
نكتب عن غزة، ونريد أن يكون للكتابة أثر في مستقبل أطفالها.

الكتب الثلاثة متاحة حاليا لدى دار الناشر في فلسطين، ولدى الدار الأهلية للنشر والتوزيع في الأردن، كما تتوفر إلكترونيا على منصة أبجد.
وأرجو أن تكون دعوة إلى حوار يتجاوز توصيف المأساة إلى مساءلة جذورها، ويتجاوز الاحتفاء بالصمود إلى التفكير في شروط الفعل.
فغزة لم تكشف فقط ما يحدث للفلسطينيين.
لقد كشفت شيئا عميقا عن العالم الذي نعيش فيه.
والسؤال الذي يبقى أمامنا هو:
كيف نحول هذا الانكشاف إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة على الفعل؟
فقد فتح الطوفان باب التاريخ.
أما عبوره، وتحويل انفتاحه إلى فعل تاريخي، فمسؤوليتنا جميعا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى