غانية ملحيس - «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»... الكتاب الثالث في مسار فكري بدأ مع «الطوفان»

«إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»... الكتاب الثالث في مسار فكري بدأ مع «الطوفان»



يسعدني أن أعلن صدور كتابي الثالث:

«إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»

وبهذه المناسبة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى دار الناشر، وإلى مديرها العام، الصديق العزيز سعد عبد الهادي، وإلى فريق العمل في الدار، على جهودهم واهتمامهم بإخراج هذا الكتاب، وعلى الشراكة التي أعتز بها في نشر هذا العمل.

يمثل هذا الكتاب، بالنسبة لي، الحلقة الثالثة في مسار فكري بدأ مع كتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» بأجزائه الثلاثة، ثم انتقل إلى كتاب «فجوة الزمن السياسي: فلسطين بين استعمار يتقدم وبنية تتكلس وإعادة تعريف الممكن»، ليصل الآن إلى سؤال أكثر عمقا واتساعا مع كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني».

لم تأتِ الكتب الثلاثة كمشروعات منفصلة، وإنما وُلد كل كتاب من سؤال تركه الكتاب السابق مفتوحا.
بدأ السؤال مع «الطوفان»:
ماذا كشف الحدث؟
حاول الكتاب أن يقرأ السابع من تشرين الأول/أكتوبر وما تلاه، ليس بوصفه حدثا عسكريا فقط، وإنما بوصفه لحظة أعادت فتح التاريخ، وكشفت أن الروايات التي بدت نهائية ليست نهائية، وأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن ما يبدو مستحيلا يمكن أن يعود إلى حقل الممكن.

لكن فتح التاريخ لا يعني بالضرورة القدرة على التدخل فيه.
ومن هنا جاء السؤال الثاني:
لماذا وصلنا إلى هذه الفجوة بين سرعة التحولات التاريخية وبطء القدرة السياسية الفلسطينية على الاستجابة لها؟
وهو السؤال الذي حاول كتاب «فجوة الزمن السياسي» مقاربته، من خلال النظر في المسافة المتزايدة بين استعمار يتقدم، وبنية سياسية فلسطينية تتكلس، وبين تحولات إقليمية ودولية متسارعة تفتح إمكانات جديدة، من دون أن تجد حاملا سياسيا فلسطينيا قادرا على التقاطها وتحويلها إلى فعل.
أما الكتاب الثالث، «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»، فيأخذ السؤال إلى مستوى أعمق:

1787218855182.png

ماذا تكشف غزة عن العالم الذي أنتج هذه اللحظة؟

يقع الكتاب في 180 صفحة موزعة على خمسة عشر فصلا، وينطلق من محاولة قراءة حرب الإبادة في غزة، ليس باعتبارها حدثا منفصلا عن التاريخ، وإنما باعتبارها لحظة كاشفة لبنى أعمق في منظومة الحداثة الغربية المادية المهيمنة عالميا.
يبدأ الكتاب من الجذور التاريخية والفلسفية للحداثة الغربية المادية، محاولا مراجعة بعض مسلماتها حول العقل والإنسان والتقدم والكونية، ثم يتتبع مسار تشكل الإنسان الحديث، وكيف تحولت العقلانية، في أحد مساراتها، إلى عقل أداتي يعيد تنظيم الإنسان والطبيعة والعالم وفق منطق الإدارة والسيطرة.
ومن هنا يحاول الكتاب تفكيك بعض الأساطير المؤسسة للصورة التي قدمت بها الحداثة نفسها: مشروعا للحرية والعقل والكونية والتحرر الإنساني، متسائلا عما إذا كان ممكنا فهم هذه الصورة بمعزل عن التاريخ الاستعماري الذي رافق تشكل العالم الحديث، وعن الاستيطان والإقصاء ونزع إنسانية الآخر.

وفي هذا السياق، يخصص الكتاب فصلا لتحليل المشروع الصهيوني بوصفه نموذجا خاصا للاستعمار الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، وأحد أكثر تجليات الحداثة الاستعمارية اكتمالا، محاولا فهمه ضمن البنية الأوسع للحداثة الاستعمارية، حيث تتداخل القوة والمعرفة والقانون والإدارة لإنتاج واقع يقوم على الإحلال ونفي الآخر.
ثم ينتقل إلى سؤال الإبادة الجماعية في الفكر السياسي الحديث:
هل الإبادة مجرد استثناء وحشي يقع خارج النظام الدولي، أم أن علينا أن نسأل عن الشروط التي يمكن أن تجعلها ممكنة داخل أنظمة حديثة تقوم على القانون والمؤسسات والإدارة؟
وكيف يمكن للعنف أن يتحول من فعل استثنائي إلى ممارسة تُدار عبر مؤسسات الدولة، والاقتصاد، والقانون، والإعلام، والتكنولوجيا، والخطاب الإنساني؟
ويتناول الكتاب كذلك تحولات الديمقراطية والحوكمة ونزع السياسة وسياسات الإماتة «النيكروسياسة»، محاولا فهم الكيفية التي يمكن بها أن يتحول الإنسان من صاحب حق إلى ملف إداري، والحق إلى إجراء، والقضية السياسية إلى «أزمة إنسانية» قابلة للإدارة.
ومن هنا يطرح الكتاب سؤالا بالغ الأهمية حول اللغة والقانون والمؤسسات:
متى تتحول الأدوات التي يفترض أن تحمي الإنسان إلى أدوات لإدارة العنف وإعادة تنظيمه؟
ويتوقف الكتاب عند القانون الدولي والخطاب الإنساني وآليات الحوكمة العالمية، ليس من أجل إنكار قيمتها أو اختزالها، وإنما لفحص حدودها وتناقضاتها حين تعمل داخل نظام دولي غير متكافئ في توزيع القوة.
كما يتناول صعود أنماط جديدة من الوصاية الدولية، وتحول العلاقة بين الدول والمجتمعات، وإعادة تشكيل السياسة في ظل الهيمنة النيوليبرالية، بما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت بعض أشكال «الإدارة الدولية» للأزمات تعيد إنتاج علاقات القوة نفسها بأدوات أكثر نعومة.
لكن الكتاب لا يريد أن يبقى في مساحة التفكيك.
في فصوله الأخيرة ينتقل إلى السؤال الذي يعني لي أكثر من سواه:
إذا كانت غزة قد كشفت الكثير، فماذا ينبغي أن نفعل بكل ما انكشف؟
كيف يمكن تحويل هذا الانكشاف إلى وعي جديد؟
كيف يمكن الانتقال من الحقل الفكري إلى الحامل الاجتماعي؟
ما الشروط الفكرية والسياسية اللازمة لإعادة بناء فعل فلسطيني قادر على تجاوز الأزمة الراهنة؟
وهل يمكن الانتقال من إدارة الصراع والأزمة إلى بناء مشروع تحرري فلسطيني جديد؟
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الكتب الثلاثة باعتبارها حلقات في مسار فكري واحد:
الطوفان يفتح التاريخ.
فجوة الزمن السياسي تسائل العجز عن الفعل.
وإبادة غزة تسائل البنية الحضارية التي تنتج هذا الواقع الإبادي ، وتبحث عن أفق الفعل الفلسطيني في مواجهتها.
وهذا المسار ليس مكتملا، ولا أظن أنه ينبغي له أن يكون كذلك.
فليس الهدف من الكتابة أن نغلق الأسئلة، وإنما أن نفتحها على نقاش أوسع، وعلى مساهمات الآخرين، وعلى إمكانية أن يتحول التفكير في هذه اللحظة التاريخية إلى جزء من عملية إعادة بناء الوعي والفعل الفلسطيني.

من الصمود إلى الفعل
حين اخترت عنوان الكتاب الأول «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، لم أقصد أن حدثا واحدا يستطيع أن يصحح تاريخا طويلا من الظلم.
فالطوفان لا يستطيع وحده أن يصحح التاريخ.
لكنه يستطيع أن يكشف أن الرواية التي بدت نهائية ليست نهائية، وأن موازين الحقوق ثابتة فيما موازين القوة متغيرة، وأن الشعوب عندما تتمسك بإحقاق حقوقها الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف تستطيع أن تعيد فتح الممكن حتى في أكثر اللحظات انغلاقا.
أما تصويب اعوجاج التاريخ فيحتاج إلى ما هو أبعد من الحدث:
إلى تحويل التضحيات والصمود إلى وعي، والوعي إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع تحرري نهضوي، والمشروع إلى حامل سياسي واجتماعي قادر على الفعل، والحامل إلى مؤسسات مؤهلة، والمؤسسات إلى قدرة مستمرة على الفعل.
وهنا يصبح السؤال الفلسطيني أكبر من الطوفان نفسه:
* هل نستطيع أن نوظف التضحيات الجسيمة لشعبنا الفلسطيني العظيم ونبني على ما أنجزه الصمود الفلسطيني والاستعصاء على الاستسلام ، بدل أن نكتفي بالاحتفاء به؟
* هل نستطيع أن نستعيد الوحدة الوطنية الفلسطينية
* هل نستطيع أن نعيد بناء الحامل الوطني القادر؟
* هل نستطيع أن نوظف التحولات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، بدل أن ننتظر نتائجها؟
* وهل نستطيع أن نحول انفتاح التاريخ إلى تحول تاريخي فعلي؟
هذه الأسئلة هي التي تصل الكتب الثلاثة بعضها ببعض.

المعرفة والتعليم: وقف لغزة

ولأنني لا أريد لهذه الكتب أن تبقى مجرد أعمال فكرية تتحدث عن قطاع غزة، بل أن يكون لها أيضا أثر مباشر، ولو متواضعا، في حياة أهله، فقد خُصص عائد بيع الطبعة الأولى والطبعات اللاحقة من الكتب الثلاثة: «الطوفان»، و«فجوة الزمن السياسي»، و«إبادة غزة»، وقفا لدعم التعليم في قطاع غزة.
ففي الوقت الذي دُمّرت فيه المدارس والجامعات، وحُرم جيل كامل من أطفال غزة وطلبتها من حقهم الطبيعي في التعليم، يصبح الدفاع عن المعرفة والتعليم شكلا من أشكال الصمود والمقاومة.
وإذا كانت هذه الكتب تحاول الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والفهم وصناعة مستقبله، فإن من المعنى نفسه أن نحاول الإسهام في حماية حق أطفال غزة في أن يتعلموا، وأن يفكروا، وأن تكون لهم فرصة في صناعة مستقبلهم.
نكتب عن غزة، ونريد أن يكون للكتابة أثر في مستقبل أطفالها.

الكتب الثلاثة متاحة حاليا لدى دار الناشر في فلسطين، ولدى الدار الأهلية للنشر والتوزيع في الأردن، كما تتوفر إلكترونيا على منصة أبجد.
وأرجو أن تكون دعوة إلى حوار يتجاوز توصيف المأساة إلى مساءلة جذورها، ويتجاوز الاحتفاء بالصمود إلى التفكير في شروط الفعل.
فغزة لم تكشف فقط ما يحدث للفلسطينيين.
لقد كشفت شيئا عميقا عن العالم الذي نعيش فيه.
والسؤال الذي يبقى أمامنا هو:
كيف نحول هذا الانكشاف إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قدرة على الفعل؟
فقد فتح الطوفان باب التاريخ.
أما عبوره، وتحويل انفتاحه إلى فعل تاريخي، فمسؤوليتنا جميعا.

تعليقات

د. عواد ابو زينة

أولا: أجمل التبريكات واطيب الامنيات للدكتورة غانية ملحيس بمناسبة صدور هذا الكتاب الثالث بعد الطوفان. لا طوفان نوح بل طوفان غزة، "طوفان الاقصى".
وثانيا: لم يكن مفاجئا لي كما لم يكن مستغربا صدور هذا الكتاب الثالث.كما انه لن يكون مستغربا صدور رابع وخامس وربما أكثر من ذلك، فإنني أرى في جهود الدكتورة ملحيس الدؤوبة في غير مجال مشروعا وطنيا فكريا ﻻ مشروع كتاب، وذلك طريق طويل وعويص ومتعب.
وسبب شعوري بعدم المفاجأة وعدم الاستغراب أمران عرفتهما في الدكتورة ملحيس، وليستا هما الخصلتين فقط للدكتورة غانية، والخصلتان هما استغراقها في الهم الفلسطيني والوضع الفلسطيني والحالة الفلسطينية الراهنة. تردفها حالة ثانية هو العمل الدؤوب والشغل الدائم إن في مستوى التفكير الذاتي والبحث. وإن في النقاشات الحيوية المعمقة التي لا تنقطع مع المفكرين والمهتمين والكتاب والمشغولين بذلك الهم والوجع الفلسطيني، وإن على صعبد اللقاءات والحوارات والتجمعات للبحث في وعن أبواب تخرجنا من حالة التكلس والجمود والموات والشلل والموت السريري التي وصلت اليها الحالة الفلسطينية.
الدكتورة عانية تدرك تماما أن الفعل الفكري والثقافي هو جناح واحد لطائر الانطلاق.
أما الجناح الثاني فهو العمل الجماعي. وهذا مؤسس ومبني على الجناح الأول لكي يقلع طائر الفينيق، وللدكتورة غانية أدوار ريادية فيهما.
لقد قرأت ما نشرته اليوم الدكتورة غانية في منصة انطولوجيا عن سلسلة الكتب الثلاثة، ولن اتوقف عند ما كتبته لأنه متاح لمن شاء قراءة ما كتبت.
ولكنني ساتوقف عند عنوان هذا الكتاب الثالث، وما أثاره في ذهني من أفكار ربما يكون لها معنى. لفت انتباهي في عنوان الكتاب الثالث الجمع بين مفهومين. هما الإبادة والحداثة. قمت باختزال العنوان في هاتين الكلمتين وتركت المضافات. فكرت في العلاقة بينهما: في أي منطق وفي عقل يمكن أن نجمع بينهما؟ هل هناك خلل مفهومي ما؟ هل هناك تزوير وتزييف في المفهومين أو في أحدهما؟
أستطيع أن أزعم أن مفهوم الإبادة حين يكون مباشرا أمام أعين البشرية ﻻ يمكن تزييفه وﻻ تزويفه، وﻻ يمكن أن تكون الإبادة حدثا أو أحداثا جانبية أو غير مقصودة، أو من الآثار العفوية غير المقصودة الناتجة عن أي حرب، كما تحاول أن تسوق الرواية الاسرائيلية وأذرعها ورجالها وأموالها.
يبقى المفهوم الثاني وهو "الحداثة" ولنا كعرب، وكذلك تفيد تجارب شعوب العالم التي وقعت تحت اﻻستعمار، أن لها قصة مع الفكر الغربي، والحضارة الغربية، منذ الثورة الصناعية وتمدد أوروبا في حركة استعمارية قهرت الشعوب واستنزفت الثروات، وما زالت، ثم ورثها اﻻستعمار الأمريكي، وكما أشاعت تلك الحركة اﻻستعمارية لدى تمددها أن هدفها هو خير للبشرية وعمل إنساني يسعى إلى تطوير تلك الشعوب ويعمل على تحضرها، لتكون قادرة على حكم نفسها وإدارة شؤونها، وهي ما زالت حتى اليوم غير مؤهلة لتلك المرحلة، وإذ انكشفت أغراض مفهوم اﻻستعمار، الذي في أصله اللغوي يعود إلى الإعمار والبناء والرقي والنماء، لكن ممارساته كانت عكس ذلك تماما، وأقبح وأفحش تجلياته وأكثرها وحشية ولا إنسانية وﻻ اخلاقية كانت في فلسطين، وما زالت..
قلت حين انكشفت على الشعوب حقيقة الاستعمار، وانسحبت عساكره وبقيت جذوره مشرشة فاعلة لمصلحة ذلك اﻻستعمار، وتجلى في صور أخرى، كان ﻻ بد من اختراع مفهوم خادع مراوغ جديد. إنه
"الحداثة" وذيولها من حرية وديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القوانين الدولية التي حاولت بها الولايات المتحدة منفردة أو مع بعض الحلفاء الغربيين أنها الدوافع لحروبها الإجرامية. "الحداثة" هي ذلك المفهوم القابل للتزيين والتزويق والتسويق أيضا عبر حداثببن وتقدميين وليبراليين محليين أحيانا، كما تم مفهوم اﻻستعمار من قبل.
لذلك في ظني تم الجمع بين الابادة والحداثة، وهذا ما تجلى واضحا في تناقض صارخ في عنوان الكتاب، وهو ما تفسره مفردات العنوان الأخرى "إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني.
الواقع الغزي والإبادة فيها يكشف ويفضح فعل الحداثة مهما تلونت ومهما ألبست من ثياب حتى لو كانت ريفيرا الشرق، لأنه هو المرحلة التالية أو الثانية بعد الإبادة.
اختلف الفاعلون في هذه المرحلة: هل هو اﻻستيطان او البيزنس والريفيرا؟ الوجه الآخر للابادة، والوجه الحقيقي للحداثة.
وﻻ بد أن يلاحظ قارئ العنوان الطرف الذي مورست ضده وعليه وفيه تلك الحداثة، الشعب الفلسطيني بعامة، وإن كانت غزة هي الرمز والمثال والميدان الرئيسي، والبقية تأتي فيما بعد.
"أفق الفعل الفلسطيني". ماذا كان يجب على الفلسطيني وبخاصة في عزة أن يفعل وماذا فعل؟
لست بحاجة الى التذكير بأي شيء. ما زلنا نحن جيل إبادة غزة أحياء نحمل ذاكرة كل يوم، وذاكرة كل أسرة، وذاكرة كل شهيد وشهيدة وطفل. ما زالت ذاكرتنا حية ﻻ تحفظ الأرقام فقط، بل تحمل الذكريات والأحلام والآمال التي أبيدت، والتي ﻻ تسعها اﻻرقام. ما زلنا نحمل ذاكرة مدن القطاع ومخيماتها وبلداتها وقراها وشوارعها وجامعاتها ومستشفياتها وحوارييها وبيوتها بيتا بيتا، وحقلا حقلا، وشجرة شجرة. ما زلنا شهودا على المذبحة الكبرى التي ما زالت مستمرة. قدمت غزة اسطورة الاسطورة من ناسه‍ا وبيوتها ومصالحها وحياتها وكرامتها.
لكن، وفي جانت آخر كان الفعل الفلسطيني بلا أفق، بلا أفق يرتقي الى قدم الحدث، ناهيك عن مستوى قامته السامقة تضحية وصمودا أذهل وغيّر العالم، لم يكن هناك أفق فلسطيني، وقليلة جدا جدا هي المحاولات الفردية أو الجماعية التي كانت تحاول شق الظلمة لتبعث الافق. محاولات قليلة، وقد تكون محاصرة في ظني، ومنها محاوﻻت الدكتورة غانية وبعض محاولات موازية.
أما الرسمية الفلسطينية والنظام الرسمي المعترف به دوليا فقد كان متكلسا عاجزا حتى عن النطق بإدانة أو شجب على الرغم من خوائهما، ومقصرا ومتخاذﻻ بل شامتا في بعض الأحيان. ولن أبالغ إن قلت إن بعض رموزه كانوا فرحين متذرعين بذريعة او أخرى.
هذا الأفق الفسطيني هو الصورة المصغرة لأفق المحيط العربي. منذ أيام الطوفان الأولى وصفت سيرة غزة المعاصرة بأنها الفاضحة. قلت إن غزة فاضحة. الطوفان فاضح، وما زالت غزة تفضح، وما زال الطوفان يفضح، ولذلك أتوقع ان تنشر الدكتورة غانية كتبا اخرى طالمتا ظلت مفاعيل الطوفان والإبادة فاعلة، ويبدو أنها ستستمر طويلا، وسوف تستمر تلك المفاعيل ليس في الزمان فحسب بل في المكان أيضا، والمتابع البسيط يدرك تماما أن غزة كانت زلزالا فاضحا ما زالت ارتداداته فاعلة وبقوة على مساحة الكوكب.
ربما كنت قد قرأت بعض ما في الكتاب، ولكن إن بقي في القنديل زيت، سنسهر ، أنا وهو،حول المنقل في الشتاء القادم.
عنوان الكتاب وتداعيات التفكير فيه وانهيال الذاكرة هو ما استفزني لأكتب كلماتي في هذا المنشور معبرا عن رأيي وعن رأيي فقط وبمحض إرادتي وبمبادرتي.
أمنياتي للدكتورة غانية كل توفيق ولقراء الكتاب قراءة ممتعة ومفيدة.

عواد ابو زينة


********-


غانية ملحيس

المفكر والكاتب المبدع عواد أبو زينة

قرأت كلماتك بامتنان عميق، لا لأنها جاءت في مناسبة صدور الكتاب فحسب، بل لأنك قرأت ما وراء الكتاب، والتقطت من عنوانه الأسئلة التي كنت أريد أن أضعها في مواجهة القارئ، وربطت بين «الإبادة» و«الحداثة» و«أفق الفعل الفلسطيني» بوصفها حلقات في سؤال واحد، وليست مفاهيم متجاورة.
ولعل أجمل ما في كلماتك أنك لم تتعامل مع الكتاب بوصفه كتابا ثالثا في سلسلة، وإنما رأيت فيه، وفيما سبقه وما قد يأتي بعده، ملامح مشروع فكري أوسع. وهذا بالضبط ما أطمح إليه: ألا تكون الكتابة مجرد استجابة للحدث، بل محاولة لتحويل الصدمة التاريخية إلى سؤال، والسؤال إلى وعي، والوعي إلى إمكانية للفعل.
وأنت، يا عواد، لا تترك مناسبة تمر من دون أن تحوّلها إلى مساحة للسؤال والحوار وإثارة التفكير. وحتى في ظل ما تمر به من تعب ومرض، تظل حاضرا بعقلك وفضولك المعرفي، تسائل وتحاور وتجادل وتضيف، وكأن انشغالك بالفكر والمعرفة أقوى من كل ما يمكن أن يثقل الجسد.
وهذه خصلة تميزك أعتز بها في صداقتنا، وأتعلم منها.
أسعدني كثيرا توقفك عند الجمع بين «الإبادة» و«الحداثة». فهذا الجمع ليس اعتباطيا، بل هو أحد الأسئلة المركزية في الكتاب: ماذا تكشف غزة عن النظام الذي سمح للإبادة أن تُرتكب بهذا الحجم، وأن تُرى بهذا الوضوح، وأن تستمر للعام الثالث على التوالي، رغم كل ما راكمته الحداثة الغربية من مفاهيم الحرية والحقوق والإنسان والقانون؟
وهل نحن أمام تناقض في الحداثة، أم أمام كشف لوجه من وجوهها ظل محجوبا خلف خطابها الكوني؟
لكن سؤالك قادني أيضا إلى السؤال الذي أراه أكثر إلحاحا: إذا كانت غزة قد كشفت عجز النظام القائم عن حماية الإنسان الفلسطيني، فهل تستطيع أن تدفع الفلسطينيين إلى إعادة تعريف ذواتهم السياسية وأدواتهم وعلاقاتهم بالعالم، والأهم إلى إنتاج أفق يليق بحجم ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات وصمود؟
وهنا توقفت طويلا عند عبارتك: «الفعل الفلسطيني بلا أفق».
فغزة لم تكن بلا فعل، بل كان فعلها استثنائيا.
لكن المأساة أن عظمة الفعل الشعبي الفلسطيني لم تجد، حتى الآن، الحامل السياسي القادر على تحويل هذه الطاقة التاريخية إلى مشروع. وربما كان هذا هو السؤال الأصعب الذي يواجهنا اليوم: كيف ننتقل من القدرة على المقاومة والصمود إلى القدرة على إنتاج التاريخ؟
أما حديثك عن «الجناحين» - الفكر والعمل الجماعي - فقد أصاب جوهر ما أبحث عنه.
فالفكر الذي لا يجد طريقه إلى الفعل يبقى معلقا في فضاء التأمل.
والعمل الذي لا يستند إلى وعي نقدي ومشروع يبقى عرضة للاستنزاف والإجهاض.
والتحدي الحقيقي اليوم هو أن نعيد وصل الجناحين.
أشكرك يا عواد، لأنك لم تكتب تهنئة لكتاب فقط، بل كتبت حوارا معه، وفتحت من عنوانه أبوابا لأسئلة تتجاوز صفحاته.
وأقولها لك من القلب: إن قدرتك، رغم المرض والتعب، على أن تظل حاضرا في النقاش، سائلا ومحاورا ومثريا للفكر والمعرفة، هي في حد ذاتها شكل من أشكال المقاومة الجميلة، مقاومة الاستسلام للتعب، ومقاومة الصمت، وإصرار على أن يبقى العقل حيا ومنتجا للسؤال.
ولعل وعدك بأن «تسهر حول القنديل في الشتاء القادم» هو أجمل ما أختم به: فالقنديل لا يضيء الطريق كله، لكنه يكفي لكي نرى الخطوة التالية.
دمت صديقا ورفيق سؤال، ودام قنديلك مضيئا.
محبتي وامتناني ودعواتي بسرعة التعافي ودوام الحضور المتميز.

غانية ملحيس
 
أعلى